آفاق اقتصادية مفتوحة للهند قبيل أكبر انتخابات في العالم

الدولة الأكثر سكاناً مرشحة للمركز الثالث من حيث الناتج عالمياً

مؤيدون لحزب المؤتمر الوطني في الهند خلال حملة ترويجية بالعاصمة نيودلهي قبل الانتخابات التشريعية (إ.ب.أ)
مؤيدون لحزب المؤتمر الوطني في الهند خلال حملة ترويجية بالعاصمة نيودلهي قبل الانتخابات التشريعية (إ.ب.أ)
TT

آفاق اقتصادية مفتوحة للهند قبيل أكبر انتخابات في العالم

مؤيدون لحزب المؤتمر الوطني في الهند خلال حملة ترويجية بالعاصمة نيودلهي قبل الانتخابات التشريعية (إ.ب.أ)
مؤيدون لحزب المؤتمر الوطني في الهند خلال حملة ترويجية بالعاصمة نيودلهي قبل الانتخابات التشريعية (إ.ب.أ)

بينما تتأهَّب الهند لبداية الانتخابات التشريعية الأكبر في العالم يوم 19 أبريل (نيسان) الحالي، حيث يتوجه نحو مليار ناخب لصناديق الاقتراع، قام «البنك الدولي»، يوم الثلاثاء، برفع توقعاته للنمو الاقتصادي الهندي لسنة 2025 بمعدل 20 نقطة أساس، وصولاً إلى 6.6 في المائة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى «المراجعات التصاعدية لنمو الاستثمار».

وفي مطلع شهر مارس (آذار) الماضي، أفاد «مكتب الإحصاءات الهندي» بأن الناتج المحلي الإجمالي في أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم، ارتفع بنسبة 8.4 في المائة في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2023 مقارنة بالعام السابق، ومقارنة بنمو قدره 7.6 في المائة في الفترة من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) 2023.

وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إن نمو الناتج المحلي الإجمالي القوي يُظهر قوة الاقتصاد الهندي وإمكانياته، مؤكداً قبل انتخابات أبريل: «سوف تستمر جهودنا لتحقيق النمو الاقتصادي السريع الذي سيساعد 1.4 مليار هندي على عيش حياة أفضل».

ولا تأتي طموحات مودي من فراغ؛ إذ يتوقع المحللون أن تصبح الهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2027، مرتفعةً من المركز الخامس حالياً.

وفي آخر تحديث نصف سنوي لتنمية جنوب آسيا، رفع «البنك الدولي» توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد الهندي في عام 2024 إلى 7.5 في المائة، وهو أقل قليلاً من 7.6 في المائة التي قدرها مكتب الإحصاء الوطني في الهند.

ويرى «البنك الدولي» أن «توقعات النمو في جنوب آسيا أقوى إلى حد ما مما كانت عليه في الإصدار السابق من هذا التقرير، بنسبة 0.4 نقطة مئوية لعام 2024 و0.3 نقطة مئوية لعام 2025. ويعكس هذا في المقام الأول المراجعات التصاعدية لنمو الاستثمار في الهند وانتعاشات أسرع إلى حد ما من المتوقع من العام الماضي».

ويشير تقرير أبريل إلى أنه «من المتوقع أن يتراجع النمو في الهند إلى 6.6 في المائة في السنوات المالية 2024 - 2025، قبل أن ينتعش في السنوات اللاحقة، حيث يؤدي عقد من الاستثمارات العامة القوية إلى تحقيق مكاسب النمو».

وقال «البنك الدولي» إنه من المتوقع أن يظل النمو في الخدمات والصناعة قوياً في الهند، مع دعم الأخيرة لنشاط البناء والعقارات القوي، بينما من المتوقع أن تنحسر الضغوط التضخمية، مما يخلق مساحة أكبر للسياسات لتخفيف الأوضاع المالية. كما أنه «على المدى المتوسط، من المتوقع أن ينخفض العجز المالي والدين الحكومي، بدعم من النمو القوي في الناتج وجهود الضبط التي تبذلها الحكومة المركزية».

ومع ذلك، أشار تقرير «البنك الدولي» إلى أن انتعاش النمو في الهند على المدى القريب يعتمد على القطاع العام، في حين أن الاستثمار الخاص، على وجه الخصوص، لا يزال ضعيفاً. وحذر التقرير من أن «الجهود المبذولة لكبح جماح الديون المرتفعة وتكاليف الاقتراض والعجز المالي قد تؤثر في نهاية المطاف على النمو وتحد من قدرة الحكومة على الاستجابة للصدمات المناخية المتكررة بشكل متزايد».

وبنهاية العام الماضي، رفعت بنوك عالمية توقعاتها لاقتصاد الهند في العام المالي الحالي بأكمله بشكل حاد، حيث توقع كل من «باركليز» و«سيتي غروب» أن يحقق اقتصاد الهند معدل نمو 6.7 في المائة خلال السنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2024، ارتفاعاً من التوقعات السابقة البالغة 6.3 و6.2 في المائة على التوالي.

وبدوره، يتوقع بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» أن ينمو الاقتصاد الهندي بأكثر من 6 في المائة خلال العقد الحالي، وهو ما يحفز ضخ استثمارات أكثر من الصين في الدولة الجنوب آسيوية.

وقال سانتانو سينغوبتا، الاقتصادي الهندي لدى «غولدمان ساكس غروب»، في مقابلة مع تلفزيون «بلومبيرغ»، في فبراير (شباط) الماضي، إن النمو الاقتصادي طويل الأمد في الهند من المرجح أن «يرتفع نحو 6.5 في المائة، أو أعلى قليلاً»، مضيفاً أن التركيبة السكانية للهند، والإنفاق القوي الذي تقوده الحكومة، والطلب المحلي القوي، تجعل البلاد وجهة «مفضلة للاستثمارات من الآن فصاعداً».

لكن على عكس «البنك الدولي»، يتوقع «غولدمان ساكس» أن يسهم القطاع الخاص الهندي في تسريع الاستثمارات بعد الانتخابات الوطنية.

ومن بين دعائم الصعود المتوقَّع، أظهرت نتائج استطلاع «ستاندر آند بورز غلوبال»، مطلع شهر أبريل، نمو النشاط الصناعي في الهند بأسرع وتيرة خلال 16 عاماً، في مارس (آذار) الماضي، بفضل الزيادة السريعة في الإنتاج والطلبات الجديدة. وارتفع مؤشر مديري المشتريات، بعد حساب المتغيرات الموسمية، إلى 59.1 نقطة في مارس، مقارنة مع 56.9 نقطة في فبراير (شباط) الماضي.

وقد ارتفعت الطلبات الجديدة ومعدلات الإنتاج بأسرع وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020. وزادت الطلبات الأجنبية بأسرع وتيرة منذ مايو (أيار) 2022. وخلال مارس الماضي، زاد أصحاب العمل مستويات الشراء، كما عاد التوظيف إلى النطاق الإيجابي.

ويرى كثير من الخبراء أن الهند ستكون المستفيد الأكبر من تراجع الاقتصاد الصيني من جهة، وارتفاع حدة التوترات بين بكين والعواصم الغربية من جهة أخرى. إذ تعمل الشركات العالمية على تنويع عملياتها بعيداً عن الصين، بعد مواجهتها لعقبات عدّة أثناء جائحة كورونا، وتعرضها المستمر للمخاطر الناشئة عن التوتر بين بكين وواشنطن.

ونتيجة لذلك، تعمل بعض أكبر الشركات في العالم، بما في ذلك شركة «فوكسكون» الموردة لشركة «أبل»، على توسيع عملياتها في الهند. كما قال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لـ«تسلا»، في يونيو (حزيران) الماضي، إن شركته تتطلع إلى الاستثمار في الهند في أقرب وقت ممكن.

ومنتصف الشهر الماضي، قال وزير التجارة الهندي بيوش جويل، إن الهند ستلغي معظم رسوم الاستيراد على المنتجات الصناعية من أربع دول أوروبية تعهَّدت باستثمار 100 مليار دولار على مدى 15 عاماً في الدولة، في اتفاق اقتصادي تم توقيعه تتويجاً لمفاوضات دامت قرابة 16 عاماً.

جاء الاتفاق بعد أن وقَّعت الهند في العامين الماضيين اتفاقيات تجارية مع أستراليا والإمارات. وقال مسؤولون إن هناك اتفاقاً مع بريطانيا في مراحله النهائية، وذلك في إطار هدف رئيس الوزراء ناريندرا مودي المتمثل في تحقيق صادرات بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2030.

وأوضح جويل أن الاتفاق ملزم لبلدان رابطة التجارة الحرة الأوروبية، وهي سويسرا والنرويج وآيسلندا وليختنشتاين، باستثمار 100 مليار دولار على مدى 15 عاماً في الدولة ذات السوق سريعة النمو التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة.

كل تلك التطورات، تبرر أنه مقابل التوقعات الدولية التي تحسر النمو الهندي في حدود 6.6 في المائة على الأكثر، فإن وزارة المالية الهندية تتوقع أن ينمو الاقتصاد بأكثر من 7 في المائة في البلاد في السنة المالية 2024 للعام الثالث على التوالي، وأن تحتل الهند الترتيب الثالث كأكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2027، صعوداً من المرتبة الخامسة حالياً، وأن يبلغ الناتج المحلي 5 تريليونات دولار في 2027 من 3.7 تريليون دولار حالياً.

وقالت الحكومة في تقرير نهاية العام الماضي، إن «المخاطر التي تهدد توقعات النمو والاستقرار تنبع بشكل رئيسي من خارج البلاد. ومع ذلك، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد الهندي بسهولة معدل نمو يتجاوز 6.5 في المائة في السنة المالية 2024».

لكن الأمر لا يخلو من بعض المخاوف، التي أشار إليها تقرير حديث لـ«سي إن إن» الأميركية، أوضح نصائح بعض الخبراء بالحذر، خاصة في ظل الارتفاع الهائل للأسهم الهندية.

ورغم إشارة تقرير لبنك «إتش إس بي سي» إلى نمو الاقتصاد الهندي «بوتيرة رائعة»، فإنه نصح في مذكرة اقتصادية بـ«التريث والهدوء». كما أشارت ثاماشي دي سيلفا، المحللة في «كابيتال إيكونوميكس»، إلى أن الزخم وراء النمو الاقتصادي الحاد في الهند «قد يتلاشى قليلاً»، حيث يؤثر النمو العالمي الضعيف على الصادرات، في حين أن القيود الأكثر صرامة على الإقراض غير المضمون في البلاد قد تحد من إنفاق الأسر، لكنها أضافت أن «أي تباطؤ في النمو سيكون معتدلاً، خاصة أن حملة البنية التحتية التي تنفذها الحكومة من المرجح أن تدعم النشاط».


مقالات ذات صلة

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الاقتصاد الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بمارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

تُعيد الشركات الصينية بيع كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مستفيدةً من ارتفاع أسعار السوق الفورية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد انعكاس مبنييْ بنك إنجلترا والبورصة الملكية في مرآة مرورية بلندن (رويترز)

بنك إنجلترا يحذر من المخاطر المالية لحرب الشرق الأوسط

أعلن بنك إنجلترا، يوم الأربعاء، أن حرب الشرق الأوسط تسببت في «صدمة سلبية كبيرة في العرض للاقتصاد العالمي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.