المستثمرون يرجّحون خفض «المركزي الأوروبي» الفائدة قبل نظرائه العالميين في يونيو

توقعات بانخفاض التضخم إلى هدف المصرف العام المقبل بدلاً من 2026

أكدت رئيسة «المركزي الأوروبي» كريستين لاغارد أن المصرف سيكون قد شهد المزيد من البيانات في يونيو (رويترز)
أكدت رئيسة «المركزي الأوروبي» كريستين لاغارد أن المصرف سيكون قد شهد المزيد من البيانات في يونيو (رويترز)
TT

المستثمرون يرجّحون خفض «المركزي الأوروبي» الفائدة قبل نظرائه العالميين في يونيو

أكدت رئيسة «المركزي الأوروبي» كريستين لاغارد أن المصرف سيكون قد شهد المزيد من البيانات في يونيو (رويترز)
أكدت رئيسة «المركزي الأوروبي» كريستين لاغارد أن المصرف سيكون قد شهد المزيد من البيانات في يونيو (رويترز)

يزداد يقين المستثمرين بأن المصرف المركزي الأوروبي قد يقود نظراءه العالميين بخفض أسعار الفائدة في يونيو (حزيران)، حيث تضع التوقعات الاقتصادية الجديدة التضخم المستهدف في الأفق. وعدّت الأسواق التعديلات التي أجراها «المركزي»، يوم الخميس، تأكيداً إضافياً على أن تخفيضات أسعار الفائدة ستبدأ قريباً.

ورفع «المركزي» سعر الفائدة الرئيسي إلى مستوى قياسي بلغ 4 في المائة، في أسرع دورة رفع لسعر الفائدة في تاريخه، وذلك من يوليو (تموز) 2022 إلى سبتمبر (أيلول) الماضي، وفق «رويترز».

ويتوقع صانعو السياسة الآن أن ينخفض التضخم، الذي بلغ ذروته بأكثر من 10 في المائة في عام 2022، إلى هدفه البالغ 2 في المائة العام المقبل، بدلاً من عام 2026.

وانخفض العائد على سندات ألمانيا ذات سنتين الحساسة لسعر الفائدة بما يصل إلى 10 نقاط أساس، إلى أدنى مستوى في 3 أسابيع مع ارتفاع توقعات خفض أسعار الفائدة في السوق. وارتفعت الأسهم الأوروبية بنسبة 1 في المائة، وانخفض اليورو لفترة وجيزة.

وأصبح المتداولون أكثر ثقة في أن التخفيضات ستبدأ في يونيو، حيث توقعوا احتمالية تزيد على 90 في المائة، مقابل 85 في المائة في وقت سابق من يوم الخميس.

وأكدت رئيسة المصرف المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن المصرف سيكون قد شهد مزيداً من البيانات في يونيو.

وقال كبير المحللين في مصرف «دانسكه»، بيت كريستيانسن: «كانت لاغارد واضحة قدر الإمكان بشأن خفض أسعار الفائدة في يونيو».

وتتوقع الأسواق الآن أن يخفّض «المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة بأكثر من 95 نقطة أساس هذا العام، مقابل ما يزيد قليلاً على 90 نقطة أساس قبل الاجتماع.

وشكّل التفاؤل النسبي بشأن نمو الأجور مصدراً آخر للراحة، الذي حدده «المركزي الأوروبي» على أنه العامل الوحيد الأهم الذي يحدد ما إذا كان بإمكانه خفض أسعار الفائدة.

وأكدت كبيرة الاستراتيجيين العالميين في شركة «برينسيبال آسيت مانجمنت»، سيما شاه، أن تعليق رئيسة «المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، حول تباطؤ نمو الأجور يدل على أن «الوضع أصبح مهيأً لخفض أسعار الفائدة».

وتمثل الثقة في خفض يونيو أيضاً أحدث انتصار لصانعي السياسة، الذين كانوا يحاولون قبل أسابيع قليلة فقط ترويض رهانات المتداولين على تخفيضات أسرع للأسعار.

وبعد اجتماع البنك المركزي الأوروبي في يناير (كانون الثاني)، توقّع المستثمرون تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 140 نقطة أساس خلال العام الحالي، تبدأ من شهر أبريل (نيسان). لكن توقعاتهم تغيرت الآن، حيث باتوا يتوقعون تخفيضين أقل تقريباً.

وارتفع عائد سندات ألمانيا القياسية لأجل 10 سنوات بنحو 30 نقطة أساس عمّا كان عليه في بداية عام 2024؛ مما يشير إلى ظروف مالية أكثر تشدداً.

وتكمن مخاطر كل هذا التفاؤل، بالطبع، فيما تظهره البيانات الاقتصادية. وبينما يعترف «المركزي الأوروبي» بتباطؤ نمو الأجور، فإنه قال إن الأجور لا تزال تحافظ على ضغوط الأسعار مرتفعة.

ويؤكد كبير الاقتصاديين في مجموعة «أكسا» للتأمين، جيل مويك، وجود مسار واضح للنمو الاقتصادي، مدعوماً بتسارع نمو أجور التضخم، خصوصاً في قطاع الخدمات. ويُحذر مويك من أن أي اتجاه معاكس لهذا المسار قد يُسبب اضطرابات في الأسواق.

هل يسبق «المركزي الأوروبي» مجلس الاحتياطي الفيدرالي؟

ومع ازدياد توقعات تحرك «المركزي الأوروبي» في يونيو، يزداد التركيز على ما إذا كان سيسبق مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة. ويراقب متداولو العملات من كثب هذه التطورات، حيث تلعب أسعار الفائدة النسبية دوراً محورياً في تحركات السوق. فقد شهد الدولار ضعفاً واسع النطاق يوم الخميس؛ مما أدى إلى انخفاض قصير الأجل لليورو بعد قرار «المركزي الأوروبي».

وتضاربت الآراء بين المتداولين، يوم الخميس، حول توقعات خفض أسعار الفائدة، حيث رأى البعض فرصة متساوية لقيام كل من «المركزي الأوروبي» و«الاحتياطي الفيدرالي» بخفض أسعار الفائدة في يونيو. بينما حذّر آخرون من مخاطر عدم قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة على الإطلاق هذا العام إذا حافظ أكبر اقتصاد في العالم على قوته.

ولا يُشكك أحد في قدرة «المركزي الأوروبي» على التحرك أولاً؛ وذلك نظراً لضعف الاقتصاد الأوروبي بشكل ملحوظ مقارنة بالاقتصاد الأميركي. لكن يرى بعض الاقتصاديين أن التحرك قبل الاحتياطي الفيدرالي قد يُقيد إجمالي خفض أسعار الفائدة الذي يمكن للبنك المركزي الأوروبي القيام به.

وأكد رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في «بيكتيت ويلث مانجمانت»، فريدريك دوقروزيه، استمرار عدم اليقين حول وتيرة التيسير النقدي بمجرد بدء دورة خفض أسعار الفائدة. وتوقّع أن يتوقف «المركزي الأوروبي» عن خفض أسعار الفائدة في يوليو بعد خفض يونيو، ثم يُجري تخفيضات بواقع 25 نقطة أساس في كل اجتماع بدءاً من سبتمبر.

ويرى دوقروزيه أن ضعف الاقتصاد الأوروبي نسبياً، مقارنة بالولايات المتحدة، قد يتطلب مزيداً من التيسير النقدي في عام 2025، مشيراً إلى أن احتمال إعادة تسعير السوق هو الأكبر في هذا السياق.

في الوقت الحالي، ربما يكون الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لأسواق منطقة اليورو هو التأثيرات الناجمة عن تقلبات توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية وسندات الخزانة الأميركية، بالنظر إلى أن سندات منطقة اليورو والولايات المتحدة تحركت معاً بوتيرة قياسية في الآونة الأخيرة.

وقال كريستيانسن: «نحن نستورد كثيراً من التشديد والتيسير هذا من الولايات المتحدة. لذلك؛ فإن إعادة التسعير التي شهدناها في أسعار الفائدة تأتي بالفعل أكثر من الولايات المتحدة وليس على أساسيات أوروبية».


مقالات ذات صلة

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

الاقتصاد باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)

«الفيدرالي» يتمترس خلف تثبيت الفائدة في وداع باول

وجد «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي نفسه، يوم الأربعاء، محاصراً بين مطرقة التضخم النفطي المشتعل، وسندان التحول السياسي الوشيك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو قرب ذروة أسابيع مع تصاعد مخاوف التضخم

تداول المستثمرون عوائد السندات السيادية في منطقة اليورو قرب أعلى مستوياتها في عدة أسابيع يوم الأربعاء مع استمرار الجمود في الجهود الرامية لإنهاء الحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد العلم السويدي في أحد شوارع استوكهولم (رويترز)

الاقتصاد السويدي ينكمش في بداية 2026 وسط مخاوف من تداعيات الحرب

أظهرت بيانات أولية صدرت يوم الأربعاء انكماش الاقتصاد السويدي في بداية عام 2026، مع تصاعد المخاوف من أن الصراع في الشرق الأوسط قد يزيد من حالة عدم اليقين.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي التايلاندي في بانكوك (رويترز)

«المركزي التايلاندي» يُبقي الفائدة ثابتة وسط ضغوط النفط وضعف الاستهلاك

أبقى البنك المركزي التايلاندي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، خلال اجتماعه يوم الأربعاء، كما كان متوقعاً، في ظل تقييم تأثير ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.