مصر تخفض عملتها 60 % وترفع الفائدة 6 % لسد فجوتها الدولارية... وخبراء: «تعويم حقيقي»

أعلنت توصلها لاتفاق مع الصندوق بـ8 مليارات دولار... وتكلفة التأمين على ديونها تسجل تراجعاً حاداً

مصريون يسيرون أمام مكتب صرافة في القاهرة الأربعاء 6 مارس 2024 (أ.ب)
مصريون يسيرون أمام مكتب صرافة في القاهرة الأربعاء 6 مارس 2024 (أ.ب)
TT

مصر تخفض عملتها 60 % وترفع الفائدة 6 % لسد فجوتها الدولارية... وخبراء: «تعويم حقيقي»

مصريون يسيرون أمام مكتب صرافة في القاهرة الأربعاء 6 مارس 2024 (أ.ب)
مصريون يسيرون أمام مكتب صرافة في القاهرة الأربعاء 6 مارس 2024 (أ.ب)

أقدم البنك المركزي المصري على خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع سمحت بخفض قياسي للجنيه، بعدما رفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس، صباح الأربعاء، في اجتماع استثنائي، عدّه مراقبون بأنه «تعويم حقيقي».

وانخفض الجنيه المصري أمام الدولار من 30.91 جنيه إلى نطاق 50 جنيهاً (أغلق عند مستوى 49 جنيهاً)، بتراجع نحو 60 في المائة، حتى الساعة 14:57 بتوقيت غرينيتش، وهو مستوى قياسي لم يبلغه من قبل على الإطلاق في التعاملات الرسمية، بينما كان يتداول حول 45 - 50 في السوق الموازية، التي تأثرت كثيراً بالتدفقات الدولارية من صفقة رأس الحكمة.

وعلى الفور، قفزت سندات مصر الدولية بأكثر من سنتين، وأظهرت بيانات «تريدويب» أن السندات الدولية للبلاد ارتفعت بعد إعلان البنك المركزي قراره، وحققت السندات الأطول أجلا أكبر المكاسب، مثل سندات 2047 التي ارتفعت 3.5 سنت إلى 83.2 سنت.

وتقلصت العلاوة التي يطلبها المستثمرون فوق سندات الخزانة الأميركية، التي تعد ملاذاً آمناً، للاحتفاظ بسندات مصر الدولية إلى 534 نقطة أساس، وهو أدنى مستوى لها منذ يونيو (حزيران) 2021، بحسب بيانات «جيه بي مورغان».

ديون مصر

وتراجعت تكلفة التأمين على الديون السيادية لمصر بشكل حاد خلال، لتصل العقود أجل 5 سنوات إلى نحو 5 في المائة مقابل 9.85 في المائة في تداولات الجمعة، وأكثر من 16 في المائة قبل الإعلان عن صفقة رأس الحكمة. وهو المستوى الذي تصل إليه الدول عادة المتخلفة عن السداد.

ويعكس هذا الانخفاض، التحسن في نظرة المستثمرين الدوليين للاقتصاد المصري، بعد هذه الإجراءات المتتالية، والتي توضح «نية الإدارة المصرية استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي». وفق أحمد معطي، الرئيس التنفيذي لشركة «في آي ماركتس» للاستثمار، الذي أكد أن الإجراءات التي اتخذها المركزي هي «تعويم حقيقي».

وجلبت صفقة رأس الحكمة مع الحكومة الإماراتية، تدفقات دولارية بنحو 24 مليار دولار، بخلاف تحويل ودائع بقيمة 11 مليار دولار إلى الجنيه المصري، لاستخدامها في مشاريع رئيسية أخرى.

وتقدر الفجوة الدولارية في مصر، بنحو 50 مليار دولار، ما بين ديون تستحق خلال عام وعجز للحساب الجاري، فيما تقدر التدفقات الدولارية بنحو 45 مليار دولار، وفق مؤسسات بحثية.

في ظهيرة الأربعاء، أعلن رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، التوصل لاتفاق بلاده مع صندوق النقد الدولي، بقيمة 8 مليارات دولار، ارتفاعاً من 3 مليارات دولار.

وأكد صندوق النقد الدولي، في هذا الصدد، أن الانتقال إلى سعر صرف مرن في مصر سيساعدها على إدارة الصدمات الخارجية، وتحرك الحكومة نحو نظام كامل لاستهداف التضخم مع مرور الوقت.

ويرى الصندوق في بيان أصدره مع غروب الأربعاء، أن «شركاء مصر الدوليين والإقليميين سيلعبون دوراً جوهرياً في تسهيل تنفيذ السياسات والإصلاحات التي تتبناها السلطات». وذلك بعد أن أظهرت السلطات المصرية «التزاماً قوياً بالتحرك بسرعة بشأن جميع الجوانب الحاسمة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي يدعمه الصندوق.

وناقش الجانبان، وفق البيان، ضبط الأوضاع المالية لاستدامة القدرة على تحمل الديون.

وأشار بيان للصندوق، إلى أن الحكومة وافقت على استمرار إجراءات الضبط المالي على المدى المتوسط، ووضع إطار جديد لتقليص الإنفاق على البنية التحتية.

معالجة التضخم

ولمعالجة التضخم المتوقع، سارع البنك الأهلي المصري وبنك مصر، أكبر بنكين حكوميين، بإصدار شهادات ادخار جديدة بعائد سنوي 30 في المائة، مدتها 3 سنوات متناقصة، مما يشير إلى توقعات بكبح التضخم بعد الإقدام على هذه الخطوة.

ونقل التلفزيون المصري عن البنك إعلانه تعديل سعر الفائدة على الشهادة البلاتينية لأجل ثلاث سنوات ذات العائد الثابت ليصبح 21.5 في المائة سنوياً للإصدارات الجديدة، اعتباراً من الأربعاء بدلاً من 19 في المائة، على أن يتم صرف العائد شهرياً. كما عدّل البنك سعر الفائدة على شهادات الادخار البلاتينية ذات دورية صرف العائد شهرياً لتصبح بسعر سنوي 26 في المائة للسنة الأولى، و22 في المائة للثانية، و18 في المائة للثالثة للإصدارات الجديدة.

إلى ذلك، فمن المقرر أن يعقب هذه الخطوات، إعلان من صندوق النقد الدولي عن نجاح المراجعتين الأولى والثانية، مع رفع قيمة التسهيل الممدد لمصر إلى نحو 10 - 12 مليار دولار، وهو ما أكدته وسائل إعلام حكومية نقلاً عن مصدر رفيع المستوى.

ونقل التلفزيون المصري، عن المصدر الذي لم يذكر اسمه، قوله إن اتفاق التمويل الجديد مع صندوق النقد الدولي من شأنه تعزيز برنامج الإصلاح الاجتماعي، وزيادة تدفق السيولة الأجنبية للسوق المحلية، كما أفادت قناة القاهرة الإخبارية، بأن البنك المركزي المصري وجه بفتح حدود استخدامات بطاقات الائتمان بالعملة الأجنبية.

كان سعر صرف الجنيه ثابتاً عند متوسط 30.9 للدولار على مدى نحو عام.

وتعاني مصر نقصاً حاداً في العملات الأجنبية على الرغم من خفض قيمة الجنيه المصري بنحو 50 في المائة منذ مارس (آذار) 2022، وتوقيع القاهرة على حزمة إنقاذ جديدة مع صندوق النقد بثلاثة مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام.

ماذا بعد خطوة «المركزي»؟

قال البنك المركزي المصري، في بيان، صباح الأربعاء، إن الاقتصاد المحلي قد تأثر في الآونة الأخيرة بنقص الموارد من العملات الأجنبية، مما أدى إلى ظهور سوق موازية لسعر الصرف، وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وأضاف «استمرت التداعيات الخارجية الناجمة عن الضغوط التضخمية العالمية في التراكم تزامناً مع تعرض الاقتصاد العالمي لصدمات متتالية. وقد أدت تلك الصدمات وتداعياتها إلى ارتفاع حالة عدم اليقين وتوقعات التضخم، مما زاد من الضغوط التضخمية». كما أدت تحركات سعر الصرف الناجمة عن ذلك، بالإضافة لارتفاع الأسعار العالمية للسلع الأساسية، بجانب صدمات العرض المحلية، إلى استمرارية الضغوط التضخمية.

يرى المحلل الاقتصادي والمالي، هيثم الجندي، أن قرار البنك المركزي المصري «طال انتظاره»، وذلك لأنه «يستهدف القضاء تماماً على السوق الموازية، وتوحيد سعر الصرف»، وذلك بعد أن شهد دولار السوق الموازية ارتفاعات بلغت مستوى 70 جنيهاً للدولار الواحد.

وقال الجندي لـ«الشرق الأوسط»، إن رفع العائد بنسبة 6 في المائة سيجذب تدفقات دولارية لمصر، خاصة بعد التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي سيسهل حصول القاهرة على تسهيلات ائتمانية من الشركاء الثنائيين.

ورغم تأكيد الجندي على أن عودة التدفقات الدولارية الساخنة «ضرورية» لتعويض أثر انخفاض سعر الصرف على العجز المالي، أشار إلى أن «حظوظ مصر سوف تكون أفضل في النصف الثاني من العام الحالي، مع بدء موجة تيسير نقدي عالمي...».

وأكد الجندي على أهمية استمرار «إصلاحات حقيقية» تنعش القطاع الخاص، وتجذب استثمارات أجنبية مباشرة حقيقية.

وفي هذا الصدد، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، على استمرار الحكومة في ترشيد الإنفاق ودعم زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد. وأشار إلى استمرار التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي خلال الأيام المقبلة لمراقبة الأسواق، ومعرفة تأثير القرارات عليها، موضحاً أن الهدف في المرحلة الحالية هو العمل على خفض معدل التضخم، وضبط الدين والانتقال به إلى مسار نزولي مع استمرار إجراءات برنامج الإصلاحات الهيكلية الذي يركز على دفع قطاعات الصناعة والزراعة والاتصالات مع استمرار السياسات الداعمة لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد.

من جانبه، يرى عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجيستيات بغرفة القاهرة التجارية، أن إجراءات البنك المركزي ستسهم في توفير الدولار في البنوك، وتحد بشكل كبير من توجه الناس للسوق السوداء للحصول عليه، كما أنها «تمنع تخزين الدولار والاتجار فيه، وهو ما يسهم في القضاء على السوق السوداء للعملات التي لطالما عانى منها التجار والمستوردون».

وقال أحمد معطي، الرئيس التنفيذي لشركة «في آي ماركتس» للاستثمار، إن الخطوة التالية للحكومة بعد القضاء على السوق الموازية، وتوحيد سعر الصرف، هي كيفية ترشيد وجودة الإنفاق، مع إعطاء إشارات إيجابية للمستثمرين المحليين والأجانب، حتى يكتسب مناخ الأعمال جاذبيته من جديد.

وأشار معطي إلى عودة الكروت الائتمانية من قبل البنوك للعمل دون سقف، وهو ما يعطي ثقة في البنوك المصرية في تدبر الدولار، فضلاً عن توفير الدولار للمستوردين والمنتجين، وأن البنك المركزي أصبح يمتلك حصيلة دولارية جيدة نتيجة تدفقات «صفقة رأس الحكمة».

وأكد على أهمية تقليل الفجوة الدولارية، عن طريق «تقليل الاستدانة، وزيادة القدرة التنافسية الإنتاجية خلال الفترة المقبلة بشكل سريع، مع تسهيل مشاركة إجراءات القطاع الخاص في الاقتصاد المصري».

وعن مستوى 50 جنيهاً الذي بلغه الدولار في اليوم الأول بعد إجراءات البنك المركزي، قال معطي: «مستوى 50 جنيهاً مبالغ فيه جداً»، رافضاً إعطاء سعر محدد في الوقت الحالي، لكنه توقع ارتفاعاً في قيمة الجنيه خلال الأيام المقبلة.


مقالات ذات صلة

«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

شمال افريقيا الأدوية المغشوشة تهدد سوق الدواء المصرية (هيئة الدواء المصرية)

«عقاقير مغشوشة» تهدد سوق الدواء المصرية

كثفّت هيئة الدواء المصرية إجراءاتها لضبط الأدوية المغشوشة خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من اتساع تداول العقاقير عبر منصات وجهات غير رسمية.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بعد ثلاثة شهور سيكون على الثلاثينية سارة أحمد جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ارتفعت إيرادات السياحة بمصر إلى 10.2 مليار دولار في 6 أشهر (أرشيفية - الشرق الأوسط)

مصر: تراجع عجز الحساب الجاري إلى 9.5 مليار دولار في 6 أشهر

أعلن ​البنك المركزي المصري ‌أن ​عجز ‌الحساب ⁠الجاري ​تراجع إلى 9.5 مليار ⁠دولار خلال النصف الأول من العام المالي الجاري.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الودائع الخليجية في «المركزي» المصري... أداة دعم «مستقرة» لا تتأثر بمناوشات «السوشيال ميديا»

تشكل «الودائع الخليجية» في البنك المركزي المصري «أحد روافد» دعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وفق اقتصاديين وبرلمانيين مصريين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.