«مسار إجباري» لمصر للسيطرة على دولار السوق السوداء

قرض «صندوق النقد» قد يصل إلى 12 مليار دولار... و«المركزي» إلى تثبيت الفائدة

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
TT

«مسار إجباري» لمصر للسيطرة على دولار السوق السوداء

آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)
آلة حاسبة بجانب أوراق نقدية من الدولار الأميركي الذي يرتفع ارتفاعاً شبه يومي في مصر (رويترز)

رغم أن خفض قيمة العملة يعني تراجع القوى الشرائية للمستهلكين، وزيادة الأسعار، ومن ثم معدلات التضخم، وبالتالي لا يحبذه كثيرون من خبراء الاقتصاد، والمستهلكين أيضاً، فإن الوضع الاقتصادي «القاتم» في مصر جعل تجاراً ومستهلكين يرون أنه يتجه في «مسار إجباري» آجلاً أم عاجلاً، ذلك لأن تسعير كل شيء في البلاد بات يعتمد على دولار السوق السوداء، الذي يزيد عن سعر الدولار في البنوك الحكومية عن الضعف.

«طالما أن أسعار جميع السلع والمنتجات تسعّر بدولار السوق السوداء، فلماذا لا يتم خفض رسمي، حتى يتم القضاء على السوق السوداء، ومن ثم يعود الدولار للبنوك مرة أخرى، ووقتها سيتم توفير الدولار للمستوردين لشراء حاجتهم من مستلزمات الإنتاج، فيزيد المعروض من المنتجات في السوق.. وقتها فقط ستنخفض الأسعار»، وفق إيهاب عجايبي، وهو تاجر موبيليا، لـ«الشرق الأوسط»، الذي وصف وضع الاقتصاد المصري الحالي بـ«القاتم» ما جعله في «مسار واحد إجباري».

وتناقش مصر حالياً استكمال برنامجها التمويلي مع صندوق النقد الدولي، بقيمة 3 مليارات دولار، مع مطالب بزيادته نظراً للأوضاع الراهنة. ومن ضمن شروط الصندوق مرونة في سعر الصرف، مع كبح معدلات التضخم في البلاد.

انخفض الجنيه بأكثر من النصف مقابل الدولار منذ مارس (آذار) 2022. ورغم التخفيضات المتكررة في قيمة العملة، يبلغ سعر الدولار أكثر من 60 جنيهاً مصرياً في السوق السوداء، وفق غروبات لتداول العملة، مقارنة بسعر رسمي يبلغ 31 جنيهاً.

وتوجد حالياً بعثة من صندوق النقد الدولي في القاهرة، لعمل المراجعتين الأولى والثانية المتأخرتين، منذ أواخر العام الماضي.

وربط اقتصاديون وجود بعثة الصندوق مع قرب اجتماع البنك المركزي المصري، يوم الخميس المقبل، للنظر في أسعار الفائدة، وتوقع البعض إعلان خفض حاد في قيمة الجنيه مع رفع أسعار الفائدة بنحو 3 في المائة، مع رفع قيمة قرض الصندوق إلى ما يقارب 10 مليارات دولار.

ومع صعوبة التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع الاقتصادية في مصر، يزداد استشراف الأوضاع والتوقعات المستقبلية للاقتصاد صعوبة أيضاً، بالنظر إلى وضع الحكومة الحالية، التي يطالب كثيرون بتغييرها، وبثّ دماء جديدة بأفكار جديدة في الاقتصاد خارج الصندوق.

الأزمة تأخذ منحى خطيرا

طالب النائب أحمد سمير، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ المصري، بتغيير السياسات الاقتصادية في مصر، من خلال تغيير حكومي قد يساهم في تهدئة الأزمة الاقتصادية الحالية، قائلاً: «الوضع الاقتصادي حالياً يزداد صعوبة نظراً لتأثر جميع أسعار السلع بارتفاعات الدولار».

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط»: «بلغ حد الأزمة في مصر إلى وجود سوقين للدولار... والمشكلة الكبرى عدم وفرة الدولار... والمشكلة هنا أنه لن يأتي مستثمر في دولة بها سعران للعملة... ومع عدم وجود استثمارات جديدة لن يوجد إنتاج... وبالتالي تتفاقم الأزمة».

ورصدت «الشرق الأوسط» منذ أكثر من شهرين حتى الآن زيادة المتعاملين في تجارة الدولار بالسوق السوداء، وتخلي منتجين ومصنعين عن أعمالهم الأساسية، وتفرغهم للمتاجرة في الدولار. وأرجع بعضهم ذلك إلى قلة خبرة الحكومة الحالية، بل «فشلها» في تسيير الأمور.

ويرى سمير أن «الحل السريع» للسيطرة على الأوضاع الحالية، قبل أن «تخرج عن السيطرة»، هو «زيادة القرض من صندوق النقد الدولي وخفض العملة مع جودة إنفاق أموال القرض، حتى نتحصل على شهادة ثقة نستخدمها لجذب استثمارات أجنبية جديدة تنعش الاقتصاد المصري سريعاً». أما الحل المستدام فيتمثل في «الاهتمام بالصناعة والإنتاج المحلي. الأمر الذي سيجذب استثمارات أيضاً».

وعن حصول مصر على نحو 3 «شهادات ثقة» بعد كل خفض لعملتها، من دون أن يفلح الأمر، قال سمير: «مع هذا، الخفض قد يكون أكثر تحفيزاً وجذباً للمستثمر الأجنبي... ووقتها ستنتهي الضغوط من وكالات التصنيف الائتماني التي تخفض تصنيف مصر وقدرتها على سداد الديون».

كانت وكالة «موديز» قد خفّضت في يناير (كانون الثاني) الحالي نظرتها المستقبلية لتصنيف الإصدارات الحكومية المصرية من مستقرة إلى سلبية. وذلك بعد أن سبقتها وكالة «فيتش» و«ستاندرد آند بورز».

وتوقع سمير أن «يصل قيمة القرض من صندوق النقد الدولي إلى 12 مليار دولار» من مناقشات حالية بين 6 و8 مليارات دولار، مشيراً إلى أهمية ترشيد «مشروعات البنية التحتية» في الوقت الحالي وعدم التوسع بشكل غير مدروس.

السيناريو الأرجح

من جهته، أوضح هيثم الجندي المحلل الاقتصادي أن «السيناريو الأمثل حالياً هو أن تتمكن السلطات المصرية من تدبير سيولة كبيرة بالنقد الأجنبي، تتضمن قرضاً يصل حجمه إلى 10 مليارات دولار على الأقل من صندوق النقد الدولي، وتمويلاً من الشركاء الخليجيين والغربيين لتنفيذ تخفيض رابع ناجح للجنيه يقضي على السوق السوداء».

وعن السيناريو الأرجح، يرى الجندي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «يبقى الوضع على ما هو عليه باستمرار انتعاش السوق السوداء مع إعطاء الدولة الأولوية لسداد مستحقات الدين الخارجي على حساب الاستيراد، مع احتمالية مبادلة ديون باستثمارات مع الدائنين الثنائيين وسداد السندات الدولية التي لا يمكن التأخر عن سداد واحدة منها من دون إعادة هيكلة شاملة للدين».

أما عن السيناريو الأسوأ فـ«هو أن تتخلف الدولة عن السداد، وهو أمر فرصته تتزايد بعد قرار (موديز) بخفض نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني لمصر، وإشاراتها إلى أن التمويل الخارجي قد لا يكفي لتجنب إعادة هيكلة الدين، خاصة مع تضرر كافة مصادر دخل الدولة من النقد الأجنبي، وآخرها حركة الملاحة عبر قناة السويس».

وأشار الجندي هنا إلى أن رفع أسعار الفائدة «سيكون مفيداً فقط بجذب مستثمري المحافظ الأجانب، في حال التمكن من إجراء الخفض الرابع للجنيه. لكن لن يساهم بدرجة تذكر في السيطرة على التضخم الناتج عن نقص المعروض، وليس زيادة في الطلب».

البنك المركزي

تتوقع مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» البحثية أن يبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل، الخميس المقبل، ما لم يتم الإعلان عن اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي.

وتباطأ معدل التضخم السنوي في مصر ليصل إلى 33.7 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) من 34.6 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وفقاً للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما توقعت شركة «إتش سي» للأوراق المالية أن يثبت «المركزي» سعر الفائدة أيضاً في الاجتماع المقبل.

وقالت هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في شركة «إتش سي»: «نتوقع أن تبقي لجنة السياسات النقدية على أسعار الفائدة للإيداع والإقراض لليلة واحدة في اجتماعها في 1 فبراير (شباط)، في ظل عدم حدوث تغيير في سعر الصرف الرسمي»، مضيفة: «لا نستبعد رفع سعر الفائدة في حال تغير سعر الصرف الرسمي».

وبحسب جدول اجتماعات لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري، من المقرر أن تعقد اللجنة نحو 8 اجتماعات على النحو التالي؛ أول فبراير - 28 مارس (آذار) - 23 مايو (أيار) - 18 يوليو (تموز) - 5 سبتمبر (أيلول) - 17 أكتوبر (تشرين الأول) - 21 نوفمبر - 26 ديسمبر.

كانت لجنة السياسات النقدية قد قررت في اجتماعها الأخير في 21 ديسمبر 2023 الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند مستوى 19.25 في المائة، و20.25 في المائة، و19.75 في المائة على الترتيب، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 19.75 في المائة.


مقالات ذات صلة

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

شمال افريقيا جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأربعاء، زيادة الحد الأدنى للأجور في الموازنة المالية الجديدة، التي يبدأ العمل بها في يوليو (تموز) المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

تحليل إخباري ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

تدفع توجهات الحكومة المصرية نحو تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» مؤقتاً خلال أعياد المسيحيين تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانها اتخاذ قرارات بديلة لترشيد الطاقة.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، خلال معرض «إيجبس 2026» يوم الاثنين، المنعقد في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

تثير التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر، تساؤلات بشأن مدى لجوء القاهرة لتمديد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء «الاتفاق» بنهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تهديد «ترمب» بتكثيف الضربات ضد إيران يهبط بالأسهم الأوروبية 1 %

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

تهديد «ترمب» بتكثيف الضربات ضد إيران يهبط بالأسهم الأوروبية 1 %

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

انخفضت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشرات الأسهم الرئيسية في أوروبا بأكثر من 1 في المائة، يوم الخميس، وسط تراجع التفاؤل بإمكانية احتواء النزاع، وذلك عقب تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتكثيف الضربات ضد إيران.

وبحلول الساعة 06:36 بتوقيت غرينتش، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنحو 2 في المائة، في حين انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داكس» الألماني ومؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.7 في المائة و1.6 في المائة على التوالي، وفق «رويترز».

وجاء هذا التراجع في معنويات المستثمرين بعد تصريحات ترمب التي قال فيها: «سنوجِّه لهم ضربات قاسية خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وسنعيدهم إلى العصر الحجري حيث ينتمون».

في المقابل، تجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، مسجِّلاً ارتفاعاً يقارب 7 في المائة، مما يضع أسهم شركات الطاقة والقطاعات الدورية، مثل الصناعات والبنوك، في دائرة اهتمام المستثمرين مع افتتاح التداولات.

وكان مؤشر «ستوكس 600» قد قفز بأكثر من 2 في المائة يوم الأربعاء، عقب تصريحات سابقة لترمب أشار فيها إلى أن واشنطن قد تنهي عملياتها العدائية مع إيران قريباً، في دلالة واضحة على حالة التقلب الحاد التي تهيمن على الأسواق منذ أكثر من شهر.

ومن المتوقع أن يستمر التأخير في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لواردات أوروبا، في ممارسة ضغوط إضافية على أسواق الأسهم، مع تغذية المخاوف المتصاعدة بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وفي السياق ذاته، تُظهر بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن أن أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة باتت تسعّر احتمال تنفيذ زيادتين على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما بحلول نهاية العام، في تحوُّل ملحوظ، مقارنة بالتوقعات السابقة التي رجَّحت تثبيت السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي قبل اندلاع الحرب.

وعلى صعيد الشركات، تترقَّب الأسواق تحركات سهم شركة «نوفو نورديسك»، عقب حصول الحبوب المخصصة لإنقاص الوزن التي تنتجها شركة «إيلي ليلي» الأميركية المنافسة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية.


قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
TT

قفزة في عوائد السندات الأميركية مع تبدد آمال التهدئة وتصاعد مخاوف التضخم

منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)
منزل معروض للبيع في فرجينيا في ظل تنامي الخوف من ارتفاع التضخم (إ.ب.أ)

سجلت عوائد السندات الأميركية قفزة ملموسة خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بتبدد الآمال في نهاية قريبة لحرب إيران، مما أدى إلى اشتعال أسعار النفط وإثارة مخاوف واسعة من موجة تضخمية جديدة قد تقضي على أي فرص لتخفيف السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساس لتصل إلى 4.376 في المائة، بعد أن قدم الرئيس دونالد ترمب رؤية ضبابية حول موعد إنهاء الصراع، وتنصل من مسؤولية إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي.

وأدت القفزة التي بلغت 6 في المائة في العقود الآجلة لخام برنت إلى إعادة تسعير الأسواق لتوقعات الفائدة؛ حيث استبعد المستثمرون تماماً خيار خفض الفائدة لهذا العام، بعد أن كانت التوقعات تشير إلى خفض بمقدار 50 نقطة أساس قبل اندلاع الحرب.

ويرى خبراء الاستراتيجية أن خطاب ترمب لا يوحي بقرب انفراج أزمة مضيق هرمز كما كانت تتوقع الأسواق، بل إن مخاطر الهجمات المضادة تشير إلى احتمال استمرار إغلاق المضيق لشهر إضافي على الأقل، وهو ما يضع سلاسل التوريد العالمية للمنتجات الحيوية - من البنزين والغاز إلى الأسمدة والأدوية - في حالة شلل تام.

وبدأت آثار هذه الموجة التضخمية في الظهور فعلياً مع تجاوز أسعار البنزين حاجز 4 دولارات للغالون في بعض الولايات الأميركية، في حين أظهرت مسوحات التصنيع الأخيرة قفزة هائلة في مؤشر الأسعار المدفوعة، وصلت إلى مستويات تتسق مع معدل تضخم سنوي يبلغ 4 في المائة. هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار سيجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي التفكير في خفض الفائدة، حتى مع تحول تكاليف الطاقة المرتفعة إلى «ضريبة» تنهك المستهلكين وتحد من الطلب المحلي، وهو ما دفع عوائد السندات لأجل عامين للارتفاع إلى 3.856 في المائة، بزيادة قدرها 48 نقطة أساس منذ بداية النزاع.

وتتجه الأنظار الآن بترقب شديد نحو تقرير الوظائف لشهر مارس (آذار)، حيث تشير التوقعات إلى نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة بعد القراءة الضعيفة لشهر فبراير (شباط). ويعتقد المحللون أن أي تعافٍ في وتيرة خلق الوظائف قد يدفع الأسواق إلى تغيير بوصلتها بشكل جذري نحو ترجيح كفة رفع أسعار الفائدة لمرة أو مرتين، تماشياً مع التوجهات السائدة في الاقتصادات المتقدمة الأخرى التي تواجه ضغوطاً مماثلة، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام خيارات صعبة للموازنة بين ركود محتمل وتضخم جامح.


بورصة سيول تهوي بأكثر من 3% مع تبدد آمال الهدنة

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
TT

بورصة سيول تهوي بأكثر من 3% مع تبدد آمال الهدنة

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

شهدت الأسواق المالية في كوريا الجنوبية تحولات دراماتيكية خلال تعاملات يوم الخميس؛ حيث تراجع المؤشر الرئيسي «كوسبي» بنسبة تجاوزت 3.4 في المائة، ليفقد أكثر من 188 نقطة ويستقر عند مستوى 5290.36 نقطة.

وجاء هذا الهبوط الحاد بعد أن بدد خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب آمال المستثمرين في نهاية وشيكة للحرب مع إيران، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية لأسابيع قادمة، مما دفع المؤسسات الأجنبية إلى تنفيذ عمليات بيع مكثفة في بورصة سيول.

وقاد قطاع أشباه الموصلات موجة التراجع، حيث هبط سهم شركة «سامسونغ للإلكترونيات» بنسبة 5.17 في المائة، كما فقد سهم «إس كيه هاينكس» 4.82 في المائة من قيمته، وسط مخاوف من تأثر سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتزامن هذا النزيف مع ضغوط تضخمية متزايدة في البلاد، حيث حذر خبراء الاقتصاد من أن المخاطر تظل مائلة نحو الارتفاع مع تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، وهو ما قد يربك حسابات السياسة النقدية المحلية رغم محاولات الحكومة كبح أسعار الوقود.

وفي محاولة لامتصاص الصدمة، كشف وزير المالية الكوري الجنوبي، كو يون تشول، عن تدفقات أجنبية ضخمة نحو سوق السندات المحلية، بلغت قيمتها 4.4 تريليون وون (نحو 2.91 مليار دولار) خلال الأيام القليلة الماضية، بقيادة مستثمرين من اليابان. وأوضح أن هذا الإقبال الأجنبي يأتي مدفوعاً بإدراج السندات الكورية في مؤشر عالمي رئيسي، مشيراً إلى أن هذه التدفقات ستلعب دوراً حيوياً في توفير السيولة اللازمة واستقرار عوائد السندات والعملة المحلية (الوون) التي شهدت تراجعاً أمام الدولار لتصل إلى مستوى 1520 وون.

ورغم هذه التدفقات الداعمة في سوق السندات، إلا أن حالة الحذر تظل هي المهيمنة على المشهد العام؛ إذ سجلت السندات الحكومية لأجل ثلاث وعشر سنوات ارتفاعاً في العوائد بنحو 10.7 و8.5 نقطة أساس على التوالي. وتعكس هذه التحركات المتناقضة بين نزيف الأسهم وتدفقات السندات حالة الضبابية التي تفرضها التطورات الجيوسياسية في الخليج على أحد أكبر الاقتصادات الآسيوية المعتمدة على استيراد الطاقة.