الصين تواجه «عاماً حاسماً» في معركتها ضد الانكماش

أزمة العقارات تستمر في التأثير على الاقتصاد

يعتقد الاقتصاديون أن الحكومة الصينية بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة أزمة العقارات مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإقراض العقاري (رويترز)
يعتقد الاقتصاديون أن الحكومة الصينية بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة أزمة العقارات مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإقراض العقاري (رويترز)
TT

الصين تواجه «عاماً حاسماً» في معركتها ضد الانكماش

يعتقد الاقتصاديون أن الحكومة الصينية بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة أزمة العقارات مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإقراض العقاري (رويترز)
يعتقد الاقتصاديون أن الحكومة الصينية بحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمعالجة أزمة العقارات مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإقراض العقاري (رويترز)

يواجه الاقتصاد الصيني تحديات كبيرة في عام 2024، مع استمرار الانكماش العقاري وابتعاد المستثمرين الحذرين عن الأسواق المالية في البلاد.

ويشير الرئيس التنفيذي لشركة «تشاو تاي فوك»، كينت وونغ، أكبر شركة تجزئة للمجوهرات في الصين، إلى أن المستهلكين الصينيين في ثاني أكبر اقتصاد بالعالم قلقون بشأن المستقبل، وفق تقرير لصحيفة «فايننشيال تايمز».

يقول وونغ إن عملاء الشركة تحوّلوا من الماس والأحجار الكريمة الأخرى إلى الذهب، وهو مخزن للثروة في الأوقات الصعبة. ويضيف أنه على المدى القصير، سيستمر الناس في توخي مزيد من الحذر بغض النظر عن الاستهلاك أو الاستثمار، متوقعاً عودة ثقة المستهلك خلال عام أو عامين.

عام حاسم

وتأتي توقعات وونغ الضعيفة لعام 2024، والتي يتشاطرها كثير من المحللين، في الوقت الذي يستعد فيه صانعو السياسات في بكين لعام حاسم في معركتهم لاستعادة الروح للاقتصاد والهروب من خطر دوامة الديون والانكماش.

ومن المتوقع أن تكشف الحكومة الصينية يوم الأربعاء، أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنحو 5.2 في المائة العام الماضي، بحسب استطلاع أجرته «رويترز» لآراء المحللين.

وفي حين أن ذلك سيتجاوز قليلاً الهدف الرسمي البالغ 5 في المائة، إلا أن الاقتصاديين قالوا إنه من المتوقع أن يكون عام 2024 أكثر صعوبة، حيث توقع الاستطلاع نفسه أن يتباطأ النمو إلى 4.6 في المائة.

ودخل الانكماش العقاري عامه الثالث، والصادرات ضعيفة، والمستثمرون الحذرون يبتعدون عن الأسواق المالية في الصين، ويكافح صناع السياسات ما يقول محللو «مورغان ستانلي»، إنها أطول فترة من الضغوط الانكماشية في البلاد منذ الأزمة المالية الآسيوية في الفترة من 1997 إلى 1998.

وقال كبير الاقتصاديين الصينيين في «مورغان ستانلي»، روبن شينغ: «أعتقد أنها سنة حاسمة بالنسبة للاقتصاد الصيني، بمعنى أن الانكماش قد يدخل في حلقة مفرغة».

وأوضح شينغ أن الشركات بدأت في خفض الديون والامتناع عن الإنفاق الرأسمالي والتوظيف، في حين كانت سوق العمل صعبة وتوقعات الرواتب تتدهور. وأضاف: «لكسر هذه الحلقة، نحتاج إلى بذل بعض الجهود السياسية الهادفة للغاية».

ويتوقع المحللون أن يحدد الاجتماع السنوي للمجلس الوطني لنواب الشعب (البرلمان) مرة أخرى، هدف النمو الاقتصادي بنحو 5 في المائة عندما يجتمع في أوائل مارس (آذار).

وعلى الرغم من قوته مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، فإن هدف العام الماضي كان الأدنى في الصين منذ عقود.

وقال محللون إنه بعد أن أضرت عمليات الإغلاق القاسية بالاقتصاد في عام 2022، كان من السهل تحقيق ذلك، لكن الحكومة اضطرت إلى زيادة الدعم المالي بعد تذبذب النمو في منتصف العام.

وبحسب كبير الاقتصاديين الصينيين في بنك «غولدمان ساكس»، هوي شان، فإن التأثير الأساسي للمقارنة مع عام 2022، ربما أدى إلى إضعاف نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين العام الماضي، بنحو نقطتين مئويتين.

الخطر الأكبر

وقال محللون، كما الحال في العام الماضي، إن قطاع العقارات هو أكبر حالة من عدم اليقين التي تواجه الاقتصاد في عام 2024.

وأعلنت الحكومة عن مبادرات متعددة، وكشفت مؤخراً أن المصرف المركزي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قام بتحويل 350 مليار يوان (49 مليار دولار) إلى المصارف من خلال تسهيل يعرف باسم «الإقراض التكميلي المتعهد به».

ولم يوضح الهدف من القروض، لكن المحللين يتوقعون أنها قد تكون مخصصة لـ«المشروعات الثلاثة الكبرى»؛ وهي عبارة عن برنامج تحفيز لمساعدة صناعة بناء المساكن.

وقال نائب مدير أبحاث الصين في «غافيكال»، كريس بيدور: «إن هذا المخطط يمكن أن يكون كافياً لوضع أرضية تحت نشاط البناء المحتضر، لكن مبيعات العقارات ستكون مجهولة بشكل أكبر».

وفي ديسمبر (كانون الأول)، كانت مبيعات العقارات في الصين لا تزال تمثل 60 في المائة فقط من مستويات ما قبل الوباء في عام 2019، بـ30 مدينة رئيسية.

وأشار كبير الاقتصاديين في بنك «مورغان ستانلي» بآسيا، بيدرو سيلفا، إلى أن أزمة العقارات هي الخطر الأكبر الذي يواجه الاقتصاد الصيني في الوقت الحالي.

وأضاف أنه إذا تفاقمت الأزمة بشكل أكبر، فقد تضطر السلطات إلى إطلاق حزمة تحفيز «بازوكا» من شأنها أن تفاجئ السوق في الاتجاه الصعودي.

ويستخدم مصطلح «بازوكا» للإشارة إلى حزمة تحفيز واسعة النطاق، كانت أطلقتها بكين خلال الأزمة المالية العالمية لعام 2008.

ومع ذلك، عدّ سيلفا أن حجته الأساسية هي تحقيق الاستقرار وليس الانتعاش. وقال: «سيكون هناك بعض التحسن المتواضع هذا العام، وبعبارة أخرى على الأقل تتوقف الأمور عن التدهور».

حزمة تحفيز واسعة النطاق

وبعيداً عن قطاع العقارات، يرى الاقتصاديون أن هناك حاجة ماسة إلى حزمة تحفيز أوسع نطاقاً، مقترنة بالإصلاحات، لإنعاش الاقتصاد.

وفي هذا الإطار، قالت كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في «ناتيكسيس»، أليسيا جارسيا هيريرو، إن «الانكماش مقلق للغاية بالنسبة لدولة مثل الصين التي تراكم الديون العامة بشكل أسرع من اليابان على الإطلاق».

وأضافت أنه في أوقات الانكماش، تنخفض الأسعار والأجور، ولكن قيمة الدين لا تنخفض، مما يزيد من أعباء السداد.

وقال كبير الاقتصاديين بالصين في «مورغان ستانلي»، شينغ يو، إن الحكومة المركزية بحاجة إلى تقديم حزمة مالية تستهدف الاستهلاك بدلاً من زيادة الاستثمار في التصنيع.

وأضاف: «نحن بحاجة إلى تحول حاسم نحو التيسير المالي. بالطبع الحجم مهم والسرعة مهمة. وإذا استمرت السياسة في تحقيق أهدافها دون المستوى المطلوب، فإن مطالبة السياسة في نهاية المطاف بكسر فخ الديون والانكماش قد تكون أكبر».

ويقول الاقتصاديون إن الصادرات، التي تقلصت بالقيمة الدولارية العام الماضي، لا يمكن الاعتماد عليها لإنقاذ الاقتصاد، في ضوء الطلب العالمي الضعيف. وقد أدت سياسات التحفيز التي تنتهجها الصين، والتي تعطي الأولوية للتوسع في الإقراض المصرفي الحكومي للمصنعين، إلى زيادة القدرة الفائضة وزيادة الاحتكاك مع الشركاء التجاريين مثل الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من دعوات السوق لبكين لتخفيف السياسة والجهود التي تبذلها الصين لتقديم وجه صديق للمستثمرين، قال المحللون إن صناع السياسات واصلوا إرسال إشارات متضاربة.

مهمة صعبة

تجدر الإشارة إلى أن بنك الشعب الصيني ترك سعر الإقراض المهم دون تغيير يوم الاثنين، على الرغم من توقعات السوق بخفضه. وفي الشهر الماضي، صدمت الحكومة المستثمرين بإعلانها قيوداً صارمة على ألعاب الفيديو، بعد أن قدمت في السابق تطمينات بأن الحملة القمعية على التكنولوجيا قد انتهت.

وحاولت الحكومة تهدئة المخاوف من خلال إقالة المسؤول عن مسودة القواعد، لكن المحللين قالوا إن الضرر قد وقع.

وقال اقتصاديون إن كل هذا من شأنه أن يجعل تحقيق هدف نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5 في المائة هذا العام أمراً طموحاً. وقال كبير الاقتصاديين في الصين ببنك «غولدمان ساكس»، شان يو، إن «الحكومة ستحتاج إلى تقليل السحب من قطاع العقارات، وتنفيذ تدابير مالية أكثر توسعية، وأن تكون محظوظة فيما يتعلق بالصادرات».

وتابع: «إذا كانت الحكومة تريد ذلك حقاً، فسوف تتوصل بطريقة أو بأخرى إلى طريقة للوصول إلى نسبة 5 في المائة. لكنها ستكون مهمة صعبة».


مقالات ذات صلة

السداد المبكر يقلص سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري في الصين

الاقتصاد أشخاص يقفون أمام سوق بكين المالية (رويترز)

السداد المبكر يقلص سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري في الصين

انكمشت سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري السكني في الصين بنحو الثلثين خلال العام الماضي بعد موجة من السداد المبكر من أصحاب العقارات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشروع «المنار» لمجموعة «روشن» في مكة المكرمة (واس)

«روشن» المملوكة لـ«السيادي السعودي» توقع مذكرات تفاهم مع 4 بنوك محلية

أبرمت مجموعة «روشن» العقارية، إحدى مشاريع السعودية الكُبرى، والمملوكة بالكامل لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، مذكرات تفاهم مع أربعة بنوك محلية رئيسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبان تابعة لـ«الشركة الوطنية للإسكان» في جدة غرب السعودية (واس) 

4 عوامل وراء ارتفاع إيجارات المساكن في السعودية

في الأشهر الـ24 الماضية ارتفعت إيجارات المساكن في السعودية وهو ما أظهره الرقم القياسي لإيجارات المساكن الذي سجل نمواً سنوياً بأبريل بنسبة 10.4 %

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد صورة لبنايات في منطقة جدة (غرب السعودية) مارس 2022 (رويترز)

القروض العقارية في السعودية إلى أعلى مستوياتها منذ 2022

واصلت القروض العقارية الممنوحة من المصارف التجارية نموها في الربع الأول من العام الحالي لتقفز إلى أعلى مستوياتها خلال عامين

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق المنزل في لقطة من الفيلم

منزل فيلم «هوم ألون» الشهير يطرح للبيع

طُرح المنزل الشهير الخاص بفيلم «هوم ألون home alone» للبيع مقابل 5.25 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«الأونكتاد»: الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي انخفض إلى 1.3 تريليون دولار في 2023

الأمينة العامة لـ«الأونكتاد» ريبيكا غرينسبان تتحدث خلال حفل مرور 60 عاماً على تأسيس «الأونكتاد»... (رويترز)
الأمينة العامة لـ«الأونكتاد» ريبيكا غرينسبان تتحدث خلال حفل مرور 60 عاماً على تأسيس «الأونكتاد»... (رويترز)
TT

«الأونكتاد»: الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي انخفض إلى 1.3 تريليون دولار في 2023

الأمينة العامة لـ«الأونكتاد» ريبيكا غرينسبان تتحدث خلال حفل مرور 60 عاماً على تأسيس «الأونكتاد»... (رويترز)
الأمينة العامة لـ«الأونكتاد» ريبيكا غرينسبان تتحدث خلال حفل مرور 60 عاماً على تأسيس «الأونكتاد»... (رويترز)

قال «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)» إن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي انخفض في عام 2023 بنسبة اثنين في المائة، ليصل إلى 1.3 تريليون دولار.

وكشف «الأونكتاد»، وفقاً لأحدث تقرير له للاستثمار العالمي، عن انخفاض حاد يزيد على 10 في المائة في الاستثمارات الأجنبية العالمية للعام الثاني على التوالي. وأرجع هذا الانخفاض إلى زيادة التوترات التجارية والجيوسياسية في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي.

وفي حين أن آفاق الاستثمار الأجنبي المباشر لا تزال صعبة في عام 2024، فإن التقرير قال إن «النمو المتواضع للعام بأكمله يبدو ممكناً»، مشيراً إلى تخفيف الظروف المالية، والجهود المتضافرة نحو تيسير الاستثمار؛ وهي سمة بارزة للسياسات الوطنية والاتفاقيات الدولية.

بالنسبة إلى البلدان النامية، قال التقرير إن الرقمنة لا توفر حلاً تقنياً فقط؛ بل توفر أيضاً نقطة انطلاق لتنفيذ «الحكومة الرقمية» على نطاق أوسع لمعالجة نقاط الضعف الأساسية في الحوكمة والمؤسسات، التي غالباً ما تعوق الاستثمار.

وقالت الأمينة العامة لـ«الأونكتاد»، ريبيكا غرينسبان، في بيان، إن «الاستثمار لا يتعلق فقط بتدفقات رأس المال. الأمر يتعلق بالإمكانات البشرية، والرعاية البيئية، والسعي الدائم لتحقيق عالم أكثر إنصافاً واستدامة».

وانخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية بنسبة 7 في المائة لتصل إلى 867 مليار دولار العام الماضي، مما يعكس انخفاضاً بنسبة 8 في المائة بآسيا النامية.

وانخفض هذا الرقم بنسبة 3 في المائة بأفريقيا، وبنسبة واحد في المائة بأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

من ناحية أخرى، تأثرت التدفقات إلى البلدان المتقدمة بشدة بالمعاملات المالية للشركات متعددة الجنسية، ويرجع ذلك جزئياً إلى الجهود المبذولة لتطبيق حد أدنى عالمي للضريبة على أرباح هذه الشركات.