هجمات الحوثيين في البحر الأحمر تبطئ حركة العبور بقناة السويس

حركة النقل انخفضت الأسبوع الماضي 35 % مقارنة بالفترة نفسها من 2023

سفينة حاويات تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن «MSC» تعبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر في الإسماعيلية (إ.ب.أ)
سفينة حاويات تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن «MSC» تعبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر في الإسماعيلية (إ.ب.أ)
TT

هجمات الحوثيين في البحر الأحمر تبطئ حركة العبور بقناة السويس

سفينة حاويات تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن «MSC» تعبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر في الإسماعيلية (إ.ب.أ)
سفينة حاويات تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن «MSC» تعبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر في الإسماعيلية (إ.ب.أ)

دفعت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر شركات نقل بحري إلى تغيير مساراتها، فبات عدد متزايد من السفن يتجنّب قناة السويس، ما سيؤثر سلبا على الاقتصاد المصري مع مرور الوقت، وفقا لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» عن خبراء.

ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، انخفضت حركة نقل البضائع عبر قناة السويس الأسبوع الماضي بنسبة 35 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ورصد الصندوق خلال الفترة نفسها زيادة في نقل البضائع عبر طريق رأس الرجاء الصالح في أفريقيا بنسبة 67.5 في المائة.

ويقول المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران إنهم يستهدفون إسرائيل والسفن المرتبطة بها للضغط لوقف الهجوم على قطاع غزة، حيث تخوض الدولة العبرية حرباً ضد «حركة حماس» منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

ومنذ 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، تعرّضت 25 سفينة تجارية كانت تبحر في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن إلى هجمات.

وتعرّض الهجمات الممر الذي ينقل من خلاله ما يصل إلى 12 في المائة من التجارة العالمية للخطر، ما دفع الولايات المتحدة إلى تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات حذّرت المتمردين الحوثيين من عواقب لم تحدّدها ما لم يوقفوا هجماتهم في البحر الأحمر على الفور.

سفينة الشحن «Galaxy Leader» ترافقها قوارب الحوثيين في البحر الأحمر في هذه الصورة التي تم نشرها في 20 نوفمبر 2023 (رويترز)

«نفس التكلفة»

في 17 ديسمبر (كانون الأول)، أعلنت هيئة قناة السويس في بيان «تحوّل 55 سفينة للعبور عبر طريق رأس الرجاء الصالح منذ 19 نوفمبر».

وأعلنت شركة الشحن الدنماركية العملاقة «ميرسك» الجمعة أنه نظرا للوضع غير المستقر، ستحوّل جميع سفنها لتدور حول أفريقيا بدلاً من استخدام البحر الأحمر وقناة السويس في «المستقبل المنظور».

ولم يطمئن انتشار البوارج الغربية في البحر الأحمر لحماية حركة الملاحة على ما يبدو القطاع. ويرى مدير المعهد العالي للتجارة البحرية بفرنسا بول توريه أن شركات الشحن مستعدة لتحمّل تكلفة الطريق الأطول.

وقال توريه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «اتضح أن الرحلتين حول أفريقيا وعبر قناة السويس تكلّفان السعر نفسه تقريباً». وأشار إلى ارتفاع نفقات الوقود في الطريق الأطول، ورسوم المرور الباهظة في الممر الملاحي المصري.

وقال مركز صوفان للأبحاث الاستراتيجية ومقره نيويورك في تقرير حديث، إنه رغم «تضاعف أسعار الشحن ثلاث مرات تقريباً منذ بدء هجمات الحوثيين، فإن التكاليف لا تزال أقل بكثير مما كانت عليه خلال فترة جائحة (كوفيد - 19)».

ووفق الخبراء، مع الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، تزداد مدة رحلة السفن بين آسيا وأوروبا ما بين 10 أيام و20 يوما أكثر مما يلزم من الوقت في حال عبور قناة السويس التي تربط بين البحرين المتوسط والأحمر، وتمرّ عبرها 12 في المائة من حركة التجارة البحرية الدولية.

مصدر للنقد الأجنبي

على المدى القصير، تقول المصادر المصرية إن عائداتها من القناة لم تتأثر، لكن ماذا إن طالت الأزمة؟

وعدّ مصدر ملاحي مصري أن «قيام بعض الخطوط بتغيير مسارها أزمة مؤقتة سيظهر تأثيرها بصورة أكبر كلما طالت المدة»، مشيرا إلى «ارتفاع عائدات القناة لشهر ديسمبر بزيادة قدرها 12 مليون دولار عن الشهر نفسه من عام 2022، لتسجل 748.9 مليون دولار على الرغم من هجمات الحوثيين».

ونشر مشروع «حلول السياسات البديلة» التابع للجامعة الأميركية في القاهرة في تقرير له هذا الأسبوع أنه «من المتوقع أن يكون الاقتصاد المصري من أكثر المتضررين من تباطؤ حركة الملاحة البحرية في باب المندب».

وتشكّل عائدات القناة أحد أبرز خمسة مصادر للنقد الأجنبي في مصر بين الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج.

وكانت تحويلات المصريين بالخارج بدورها سجلت انخفاضا خلال الربع الأول من العام المالي 2023 - 2024 بنسبة حوالي 30 في المائة لتسجّل نحو 4.5 مليار دولار مقارنة بالمدة نفسها من العام المالي السابق.

وحقّقت القناة في العام المالي 2022 - 2023 عائدات مالية بلغت 9.4 مليار دولار، وهي أعلى إيرادات سنوية تسجّلها، وبزيادة قدرها نحو 35 في المائة عن العام السابق، وفق ما أعلنت الهيئة في يونيو (حزيران) الماضي.

وعن تأثر القناة بالأزمة الحالية، قال توريه: «قد يكون شهر واحد مقبولا... لكن لمدة شهرين فالأمر مقلق».


مقالات ذات صلة

اقتصاد مصر غير النفطي يقترب من الاستقرار... والانكماش يتراجع لأدنى مستوى منذ يناير

الاقتصاد تمر سيارات أسفل شاشة عرض كبيرة تعرض صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ في القاهرة (أ.ف.ب)

اقتصاد مصر غير النفطي يقترب من الاستقرار... والانكماش يتراجع لأدنى مستوى منذ يناير

أظهر القطاع الخاص غير النفطي في مصر خلال أغسطس (آب)، مؤشرات جديدة على تحسن النشاط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)

مصر: «بي بي» تبدأ الإنتاج من بئر «فيوم 4» في غرب دلتا النيل

أعلنت شركة «بي بي»، الاثنين، أنها نجحت في بدء الإنتاج من بئر «فيوم 4»، متوقعةً أن تُنتج البئر نحو 80 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات داخل مدن جديدة في مصر (وزارة الإسكان المصرية)

المدن المصرية الجديدة... «إقبال محدود» رغم تقديرات حكومية بـ«إشغال تدريجي»

مع التوسع العمراني الملحوظ في مصر، طُرحت تساؤلات بشأن قدرة المدن الجديدة على أن تكون بيئة جاذبة للمواطنين

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا هبّة شعبية ضد مقترح لمقايضة قناة السويس لتسوية الديون (هيئة قناة السويس)

مصر تنفي مقايضة قناة السويس بالديون

نفت الحكومة المصرية الأحد طرح قناة السويس ضمن أي صفقات لتصفية الدين إثر جدل واسع حول مقترح  بنقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم العربي مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)

«بنك مصر» بالإمارات في مرمى الإجراءات الأميركية

قلل مصدر مصرفي مصري وخبير اقتصادي من تداعيات الإجراء الأميركي ضد فرع «بنك مصر» في الإمارات على القطاع المصرفي المصري والاقتصاد المصري عموماً.

هشام المياني (القاهرة)

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
TT

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)

تتوقع الشركات البريطانية رفع أسعارها بوتيرة أبطأ قليلاً خلال العام المقبل، وفقاً لمسح نشره «بنك إنجلترا»، الجمعة.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الشهري الذي تجريه «لجنة صناع القرار» أن الشركات توقعت، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أغسطس (آب)، ارتفاع أسعارها بنسبة 3.8 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، انخفاضاً من 3.9 في المائة في المسح السابق الذي غطى الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو (تموز).

واستقر معدل نمو الأجور المتوقع للعام المقبل عند 3.4 في المائة، وفق «رويترز».

استقرار الجنيه الإسترليني

استقر الجنيه الإسترليني، الجمعة، قبيل صدور بيانات التوظيف الأميركية الشهرية التي قد تكون حاسمة في تحديد مسار الدولار خلال الأسابيع المقبلة.

وبلغ سعر صرف الجنيه الإسترليني 1.3525 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، بعد ارتفاعه بنسبة 0.3 في المائة، الخميس.

وكانت التقلبات محدودة قبيل صدور تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركية لشهر أغسطس في وقت لاحق من الجمعة، والذي قد يدفع الدولار إلى الارتفاع إذا تجاوزت البيانات التوقعات، أو إلى مزيد من الانخفاض إذا جاء نمو الوظائف دون التوقعات.

وقال كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، هيو بيل، الخميس، إن رفع أسعار الفائدة الآن من شأنه أن يقلل من احتمالية اضطرار البنك المركزي إلى اتباع سياسة نقدية أكثر تشدداً في المستقبل لكبح جماح التضخم، الذي ارتفع نتيجة للحرب الإيرانية.

وتشير أسواق المال إلى أن المتداولين يتوقعون أن يرفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة مرتين خلال الأشهر الستة المقبلة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير في وقت لاحق من هذا الشهر، في ظل مراقبته قوة تسعير الشركات ونمو الأجور، مع ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الإيرانية.

وقال محللو استراتيجيات بنك «بي بي في إيه»: «ما زلنا نشك في أن يتبنى (بنك إنجلترا) سياسة نقدية متشددة للغاية في ظل صدمات العرض الحالية، وأسعار الفائدة عند 3.75 في المائة، وضعف سوق العمل في المملكة المتحدة والوضع المالي المعقد؛ ما يجعلنا نتوقع انخفاضاً طفيفاً في قيمة الجنيه الإسترليني خلال الفترة المقبلة».

وأضافوا: «مع ذلك، قد يؤدي الارتفاع الجديد في أسعار الطاقة في نهاية المطاف إلى إعادة تقييم السياسة النقدية؛ ما سيعزز دعم الجنيه الإسترليني وجاذبيته، لكن من غير المتوقع أن يتسبب ذلك في ارتفاع كبير في قيمة العملة؛ إذ إن أكثر من زيادتين في أسعار الفائدة قد تم استيعابهما بالفعل».

وعلى الصعيد الجيوسياسي، قال الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في خطاب متلفز للأمة، الخميس، إنه سيفرض عقوبات على شركات النفط التي تنقب في جزر فوكلاند، وهي إقليم بريطاني ما وراء البحار تطالب به الأرجنتين، في خطوة قد تصعّد التوترات مع لندن.

وقبل ذلك بأيام، قال الرئيس دونالد ترمب إنه يراجع موقف الولايات المتحدة المحايد بشأن الأرخبيل النائي في جنوب المحيط الأطلسي.

وكتب وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ في منشور على موقع «إكس»، الجمعة: «التزامنا تجاه جزر فوكلاند مطلق وثابت».

وفي غضون ذلك، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، في مقابلة نُشرت الجمعة، إن بريطانيا تفضّل «بروكسل على أميركا»؛ وهو ما يشكل «مشكلة» لجهود لندن الرامية إلى توسيع اتفاقها التجاري مع واشنطن.

ومع ذلك، لم تُظهر الأسواق البريطانية مؤشرات تُذكر على وجود ضغوط. فقد بلغ عائد السندات الحكومية البريطانية القياسية لأجل 10 سنوات، والذي تأثر بشدة بالانخفاض الحاد الذي شهدته ديون الحكومات العالمية خلال الأسبوعين الماضيين، 5.1431 في المائة، دون تغيير يُذكر حتى الآن.


اليابان بين إنفاق قياسي وين ضعيف واستهلاك متراجع

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
TT

اليابان بين إنفاق قياسي وين ضعيف واستهلاك متراجع

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)

تدخل السياسة الاقتصادية اليابانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة تحديات؛ هي تضخم طلبات الإنفاق الحكومي إلى مستويات تقترب من حقبة الجائحة، واستمرار الضغوط على الين، وتراجع إنفاق الأسر بأسرع وتيرة في عامين ونصف العام. وبينما تراهن حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي على الاستثمار لتحفيز النمو، تراقب الأسواق قدرتها على ضبط الدين ومنع ضعف العملة من تغذية التضخم، من دون إضعاف الاستهلاك الهش.

وبلغت طلبات الجهات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 نحو 143.1 تريليون ين (917.8 مليار دولار)، وفق وزارة المالية، بعدما اعتمدت الحكومة إطاراً يجمع الإنفاق في الموازنتين الأساسية والتكميلية. ويقترب هذا الحجم من مستويات الإنفاق الاستثنائية التي شهدتها اليابان خلال جائحة «كوفيد - 19».

ويتجاوز الرقم حزمة الإنفاق البالغة 140.61 تريليون ين التي أقرَّت خلال السنة الأولى لتاكايتشي في السلطة، والتي شملت موازنة تكميلية بقيمة 18.3 تريليون ين للسنة المالية 2025 وموازنة أساسية قدرها 122.3 تريليون ين للسنة المالية 2026.

وقد يرتفع الحجم النهائي أكثر؛ إذ تتضمن الطلبات بنوداً لم تحدد قيمتها بعد، بينها الإنفاق الدفاعي في وقت تراجع فيه الحكومة استراتيجيتها الدفاعية بما قد يقود إلى مشتريات واستثمارات عسكرية إضافية.

ويأتي جزء مهم من الزيادة من برنامج استثماري جديد للقطاعات الاستراتيجية، بلغت طلباته 12.2 تريليون ين، ويشمل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن الاقتصادي. وتراهن تاكايتشي على أن هذه الاستثمارات سترفع القدرة الإنتاجية ومعدل النمو على المدى الطويل.

لكن الأسواق تنظر أيضاً إلى الجانب الآخر من المعادلة: تكلفة تمويل هذا الإنفاق. فقد رفعت وزارة المالية سعر الفائدة المفترض في حسابات الموازنة إلى 3.8 في المائة، من 3 في المائة في موازنة 2026، بعدما لامس عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ 1996.

وأدى ذلك إلى ارتفاع طلبات خدمة الدين، بما فيها مدفوعات الفائدة واسترداد السندات، إلى مستوى قياسي يبلغ 36.64 تريليون ين، بزيادة 5.36 تريليون ين عن السنة المالية الحالية.

وتؤكد وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أن الحكومة ستفحص الطلبات بعناية، وستدقق الإنفاق وإصدارات السندات بما يتوافق مع هدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً. وتسعى تاكايتشي إلى إبقاء إصدارات السندات الجديدة حول 40 تريليون ين، في محاولة لطمأنة سوق تخشى أن يؤدي التوسع المالي إلى مزيد من ارتفاع العوائد.

ويرى سايسوكي ساكاي، كبير الاقتصاديين في «ميزوهو ريسيرش إنستيتيوت»، أن الأسواق تريد دليلاً على أن الإنفاق الأكبر سيتحول فعلاً نمواً أقوى، مدعوماً بإصلاحات تعالج القيود الهيكلية مثل نقص العمالة والأراضي والطاقة.

حساسية الين

ويتزامن اختبار الموازنة مع استمرار حساسية السلطات تجاه الين. فقد أكد كبير مسؤولي العملة أتسوشي ميمورا أن طوكيو لا تزال في حالة تأهب لتحركات سوق الصرف، وأنها على اتصال مستمر بالسلطات الأميركية، في رسالة تبقي احتمال التدخل قائماً إذا عاد الين إلى الهبوط بصورة مفرطة.

وتراجع الدولار بعد تصريحاته إلى 155.305 ين قبل أن يرتفع لاحقاً إلى 156.43 ين، في مؤشر إلى استمرار الضغوط الأساسية على العملة رغم قفزتها بأكثر من 2 في المائة في الجلسة السابقة.

وتسعر الأسواق بصورة شبه كاملة رفع «بنك اليابان» الفائدة هذا الشهر، بعد سلسلة إشارات متشددة من مسؤوليه، إلى جانب تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشأن ضعف الين. وأكدت كاتاياما أن بيسنت لم يقدم أي مطالب بشأن السياسة النقدية اليابانية خلال محادثاتهما، موضحة أن اعتقاده بأن الين مُقوَّم بأقل من قيمته نتيجة فجوة أسعار الفائدة بين البلدين يمثل موقفاً معروفاً منذ فترة.

وكانت اليابان والولايات المتحدة قد نفذتا تدخلاً مشتركاً نادراً لشراء الين في 31 يوليو (تموز)، في إشارة إلى القلق من انتقال موجة بيع العملة والسندات اليابانية إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، لم ينجح التدخل في وضع حد دائم لضعف العملة.

إنفاق الأسر

ويزيد من تعقيد مهمة «بنك اليابان» ضعف الاستهلاك. فقد أظهرت البيانات أن إنفاق الأسر هبط 3.6 في المائة على أساس سنوي في يوليو، مقابل توقعات بانخفاض 1.6 في المائة، مسجلاً ثامن تراجع شهري متتالٍ وأكبر انخفاض منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وعلى أساس شهري معدل موسمياً، ارتفع الإنفاق 0.5 في المائة فقط، مقابل توقعات بزيادة 2.6 في المائة. وأظهرت البيانات أن المستهلكين أصبحوا أكثر انتقائية، فزادوا الإنفاق على الترفيه والسلع المنزلية، في حين قلّصوا مصروفاتهم على الغذاء والنقل.

ويرى ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في «سومبو إنستيتيوت بلس»، أن الزيادات الكبيرة في الأجور التي تحققت خلال مفاوضات الربيع لم تمنع ارتفاع الأسعار من الضغط على الاستهلاك، متوقعاً اشتداد هذه الضغوط مع اتساع التضخم. وتزداد أهمية ذلك بعدما تسارع التضخم الأساسي في طوكيو خلال أغسطس (آب) للشهر الثالث على التوالي.

وزيرة المالية مستمرة

وفي خضم هذه التحديات، تتجه تاكايتشي إلى الاحتفاظ بكاتاياما وزيرةً للمالية في التعديل الحكومي المتوقع لاحقاً هذا الشهر، في خطوة تعكس رغبة في ضمان استمرارية السياسة المالية والتنسيق مع واشنطن، خصوصاً مع استعداد الحكومة لدفع خطتها الرئيسية لخفض ضريبة الاستهلاك على الغذاء.

ولعبت كاتاياما دوراً رئيسياً في المحادثات مع بيسنت، بما فيها التنسيق بشأن التدخل المشترك في سوق العملات. كما عقد الطرفان نحو عشرة لقاءات ومحادثات، بما فيها اجتماعات عبر الإنترنت؛ ما يجعل استمرارها في المنصب إشارة إلى الأسواق بأن طوكيو لا تريد تغيير فريقها الاقتصادي في مرحلة شديدة الحساسية.

وتضع هذه التطورات حكومة تاكايتشي أمام معادلة صعبة: إنفاق أكبر لدعم النمو والاستثمار الاستراتيجي، مقابل ضرورة احتواء إصدارات الدين وارتفاع العوائد؛ وتشديد نقدي لدعم الين وكبح التضخم، مقابل استهلاك منزلي يتراجع بالفعل.

وسيكون نجاح السياسة الاقتصادية اليابانية مرهوناً بقدرة الحكومة على إثبات أن مئات المليارات من الدولارات من الإنفاق الجديد ستولد نمواً يبرر تكلفتها. فمع اقتراب عوائد السندات من مستويات لم تشهدها اليابان منذ ثلاثة عقود، لم تعد الأسواق تكتفي بوعود النمو، بل تبحث عن توازن واضح بين التحفيز المالي واستدامة الدين واستقرار الين وحماية القوة الشرائية للأسر.


«كوب 31» في أنطاليا... من الوعود إلى الاستثمارات

مراد كوروم وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31» خلال المؤتمر الصحافي اليوم في إسطنبول (الشرق الأوسط)
مراد كوروم وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31» خلال المؤتمر الصحافي اليوم في إسطنبول (الشرق الأوسط)
TT

«كوب 31» في أنطاليا... من الوعود إلى الاستثمارات

مراد كوروم وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31» خلال المؤتمر الصحافي اليوم في إسطنبول (الشرق الأوسط)
مراد كوروم وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31» خلال المؤتمر الصحافي اليوم في إسطنبول (الشرق الأوسط)

تتجه تركيا إلى جعل تنفيذ التعهدات المناخية والتمويل محوراً رئيسياً لرئاستها مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 31»، في محاولة لنقل المفاوضات من مرحلة الاتفاقات والتعهدات إلى مشاريع واستثمارات ملموسة، وسط تحديات عالمية تتداخل فيها أمن الطاقة والديون والظواهر المناخية المتطرفة مع احتياجات التنمية في الاقتصادات الناشئة.

وستتحرك الرئاسة التركية عبر ثلاثة محاور رئيسية هي، وفق ما شرحه وزير البيئة والتحضر والتغير المناخي التركي ورئيس «كوب 31»، مراد كوروم: «الحوار والتوافق والعمل»، مؤكداً أن نجاح مؤتمر أنطاليا لن يقاس فقط بالقرارات، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ وجذب التمويل إليها، وصولاً إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.

وأوضح كوروم، خلال مؤتمر صحافي الجمعة، أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبح مرتبطاً بالطاقة والصناعة والمدن والتجارة والمياه والتنمية، بالتزامن مع تزايد تأثير موجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة ومخاطر الأمن الغذائي والمائي.

وأضاف أن المجتمعات تريد رؤية أثر القرارات المناخية على أرض الواقع، وأن العالم مطالب بالانتقال من «الكلمات إلى التنفيذ»، مشيراً إلى أن اتفاق باريس رسم مساراً مهماً للعمل المناخي، لكن التحدي في عقده الثاني يتمثل في سرعة تنفيذ القرارات والتعهدات.

الحوار والتوافق والعمل

وقال كوروم إن الوصول إلى نتائج دائمة يتطلب الاستماع إلى مختلف الأطراف، ثم إيجاد أرضية مشتركة وتحويل التوافق إلى خطوات قابلة للتطبيق. وأضاف أن تركيا تريد أن يكون «كوب 31» نقطة تحول تقوم على «تحويل الكلمات إلى مشروعات، والمشروعات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى نتائج تمس حياة الناس».

وأشار إلى أن أنقرة بدأت مشاورات واسعة مع منظومة الأمم المتحدة والحكومات والمؤسسات المالية والمدن والقطاع الخاص، بهدف تحديد العقبات أمام التنفيذ. وأسهمت المشاورات في صياغة «أجندة العمل» التي تركز على مجالات من بينها الطاقة النظيفة والكهرباء والمدن والصناعة والشباب والغذاء.

التمويل في صدارة الأولويات

ووضع كوروم التمويل المناخي في صدارة ملفات الرئاسة التركية، مؤكداً أن التحدي لم يعد مقتصراً على إعلان حجم الأموال، وإنما ضمان وصولها في الوقت المناسب إلى الدول والمشروعات المحتاجة إليها.

واستشهد بالتأخير الذي رافق تحقيق التعهد السابق بتوفير 100 مليار دولار سنوياً للدول النامية، عادّاً أن التجربة أظهرت أن الثقة في منظومة التمويل ترتبط بوصول الأموال المعلنة فعلياً إلى المشروعات.

وكان «كوب 29» في باكو قد انتهى إلى اتفاق لرفع هدف التمويل المقدم للدول النامية إلى ما لا يقل عن 300 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، مع العمل على زيادة تدفقات التمويل المناخي من المصادر العامة والخاصة إلى 1.3 تريليون دولار سنوياً.

وقال كوروم إن العالم يواجه مفارقة تتمثل في وجود رؤوس أموال تبحث عن فرص استثمارية، مقابل احتياجات ضخمة للاستثمار المناخي، لكن الطرفين «لا يلتقيان دائماً». وأوضح أن دولاً نامية كثيرة تمتلك إمكانات ومشروعات، لكنها تحتاج إلى الدعم الفني والتكنولوجي وإعداد المشروعات لتصبح قادرة على استقطاب التمويل.

وتعمل الرئاسة التركية، وفق كوروم، على آليات لتحويل الاحتياجات المناخية إلى مشروعات قابلة للاستثمار، خصوصاً في المدن والمياه والبنية التحتية، وربطها بالمؤسسات المالية والمستثمرين.

القطاع الخاص والدول الأكثر هشاشة

وأكد كوروم أن تركيا تستهدف مشاركة قوية للقطاع الخاص في أنطاليا، خصوصاً الشركات التي تمتلك التقنيات والحلول المناخية، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة وضع احتياجات أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية في صلب المناقشات، ولا سيما فيما يتعلق بالوصول إلى التمويل.

وقال إن تركيا ستنقل تجربتها المحلية إلى «كوب 31»، مشيراً إلى هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2053، وسياسات الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات وكفاءة الطاقة والتوسع في الطاقة المتجددة.

كما استشهد بتجربة إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلازل، قائلاً إن تركيا أنجزت وسلمت نحو 455 ألف وحدة سكنية خلال عامين، مع التركيز على مقاومة الكوارث وكفاءة استهلاك الطاقة.

أهداف حتى 2035

وكشف كوروم عن توجه لربط أجندة العمل بأهداف قابلة للقياس حتى 2035، من بينها رفع حصة الكهرباء في الاستهلاك العالمي للطاقة إلى 35 في المائة، وخفض استهلاك الموارد المرتبط بالنفايات بنسبة 25 في المائة، ورفع استخدام المواد الثانوية والمعاد تدويرها في الصناعة إلى 15 في المائة.

وأكد أن تركيا تريد أن تجعل «كوب 31» بداية مرحلة ينتقل فيها العمل المناخي بصورة أكبر من المفاوضات إلى التطبيق، على أن يكون معيار النجاح هو تحويل «الكلمات إلى مشروعات، والمشروعات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى نتائج».