البنك الدولي: النمو في تونس يتراجع إلى 1.2 % بالنصف الأول من 2023

اقتصادها يعاني بسبب الجفاف والحرب ومخاطر السيولة والملاءة

علم تونس (رويترز)
علم تونس (رويترز)
TT

البنك الدولي: النمو في تونس يتراجع إلى 1.2 % بالنصف الأول من 2023

علم تونس (رويترز)
علم تونس (رويترز)

تواجه تونس منذ سنوات، تحديات اقتصادية كبيرة، تفاقمت بسبب جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. وقد أدى ذلك إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وزيادة الدين العام. وفي محاولة للتغلب على هذه التحديات، بدأت تونس مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض مالي شرط تنفيذ الحكومة التونسية برنامج إصلاحات اقتصادية ومالية، إلا أن هذه المفاوضات تعثرت بسبب رفض رفع الدعم وبيع مؤسسات عمومية.

ومع استمرار التحديات الاقتصادية وعدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، يتجه النمو في تونس إلى التباطؤ، وهذا ما أظهره تقرير «المرصد الاقتصادي لتونس لخريف 2023»، الصادر عن البنك الدولي، الذي أشار إلى أن الاقتصاد التونسي تباطأ في النصف الأول من عام 2023، حيث نما بنسبة 1.2 في المائة فقط، وهو تباطؤ كبير مقارنة بالفترة 2021 - 2022 بسبب استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد، بما في ذلك الجفاف المستمر، وتحديات التمويل الخارجي، وتواصل تراكم الديون المحلية لأهم المؤسسات العمومية، والعقبات التشريعية. وبحسب التقرير، فإن تحقيق نسبة نمو تبلغ 3 في المائة عام 2024، أمر يخضع للتطورات الناجمة عن كل من تواصل الجفاف، وظروف التمويل، ووتيرة الإصلاحات.

اقتصاد متباطئ وارتفاع التضخم

ركز الجزء الأول من التقرير على التحديات الاقتصادية التي تواجه تونس، مشيراً إلى أن الجفاف الممتد لفترة طويلة في القطاع الزراعي أدى إلى نمو محدود، وارتفاع طفيف في البطالة، لتصل إلى 15.6 في المائة في الربع الثاني من عام 2023 مقارنة مع 15.3 في المائة العام الماضي. وعلى الرغم من انخفاض العجز التجاري بنسبة 39 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2023 إلى 12.2 مليار دينار تونسي (7.5 في المائة من النتاج الداخلي الخام لعام 2023)، مدعوماً بأسعار الطاقة والغذاء الدولية التي اتخذت منحى تنازلياً، وهو أكثر ملاءمة للاقتصاد وبانتعاش عائدات السياحة (ارتفاع بنسبة 47 في المائة على أساس سنوي حتى نهاية أغسطس/ آب 2023)، إلا أن تونس لا تزال تواجه تحديات في تأمين التمويل الخارجي، وذلك في ظل جدول زمني مهم على مستوى سداد الديون الخارجية على المدى القصير. ويعكس ذلك ارتفاع الدين العام، الذي ارتفع من 66.9 في المائة إلى 79.4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، بين عامي 2017 و2022. ونتيجة لاستمرار ضيق شروط التمويل الخارجي، استمر الضغط على الواردات، وهذا ينطبق بشكل خاص على المؤسسات العمومية ذات المديونية العالية، التي تحتكر توريد وتوزيع منتجات محددة. ويعد نظام التحكم في الأسعار الذي ينظم الأسواق الرئيسية للسلع الأساسية أحد الدوافع الرئيسية لزيادة المديونية لدى تلك المؤسسات العمومية، وكذلك نقص بعض السلع.

وفي الوقت نفسه، سجل تراجع طفيف في نسبة التضخم ولكنه ظل مرتفعاً، خصوصاً بالنسبة للمواد الغذائية. فقد بدأ التضخم بالانخفاض من الذروة التي بلغها عند 10.4 في المائة في فبراير (شباط) 2023، إلى 9 في المائة في سبتمبر (أيلول) 2023، على خلفية انخفاض الأسعار العالمية وضعف الطلب المحلي. ومع ذلك، لا يزال التضخم مرتفعاً بالنسبة للأغذية عند 13.9 في المائة، حيث أدى الجفاف وضغط الواردات إلى انخفاض العرض في أسواق المواد الغذائية المحلية. من جهة أخرى، أدى التطور المعتدل في نسق ارتفاع الأجور في القطاع العام إلى احتواء عجز الموازنة خلال النصف الأول من عام 2023.

الهجرة فرصة للنمو الاقتصادي

ناقش التقرير في الجزء الثاني وانطلاقاً من عنوانه «الهجرة في ظل ظروف اقتصادية معقّدة»، الأهمية المزدادة للهجرة بالنسبة لتونس، من منظور تنموي. وأشار إلى أن الهجرة أصبحت خلال العقود الأخيرة أمراً حيوياً بالنسبة للتونسيين، خصوصاً أولئك الذين يواجهون صعوبات اقتصادية. وقد أدى ذلك إلى زيادة تدفقات التحويلات المالية الواردة، التي تعادل 6.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الفترة بين 2021 - 2022. كما أدت الهجرة إلى انتقال المهارات القيّمة ورؤوس الأموال. وعلى العكس من ذلك، لا تزال هجرة الأجانب إلى تونس ضئيلة، حيث تبلغ نحو 0.5 في المائة من تعداد السكان. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت تونس نقطة عبور مهمة للهجرة غير الشرعية وغير النظامية في منطقة وسط البحر الأبيض المتوسط.

ومن أجل تعزيز فوائد الهجرة على المدى الطويل، يمكن لتونس أن تركز على مجموعة من السياسات، بما في ذلك المواءمة بين مهارات المهاجرين واحتياجات البلدان التي يتوجهون إليها، والاعتراف بالمؤهلات التعليمية والمهنية للمهاجرين، وتعزيز وضع المهاجرين النظاميين. وقال التقرير إن توسيع خطط الانتقال، وتصميم اتفاقيات العمل، من شأنهما أن يعززا الفوائد الاقتصادية للهجرة، وفي الوقت نفسه، يوفرا ظروفاً ملائمة للمهاجرين مع الحفاظ على حقوقهم.

وفي تعليق له على التقرير، قال مدير مكتب البنك الدولي في تونس، ألكسندر أروبيو، إن الاقتصاد التونسي أظهر بعض المرونة، على الرغم من التحديات المستمرة. وقد أسهمت زيادة الصادرات في قطاع النسيج والصناعات الآلية وزيت الزيتون، جنباً إلى جنب مع نمو الصادرات السياحية، في تخفيف حدة العجز الخارجي. وأشار أروبيو إلى أن تعزيز المنافسة، وزيادة الحيز المالي، والتكيف مع تغير المناخ، هي إجراءات حاسمة لاستعادة النمو الاقتصادي وبناء القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية المستقبلية.

زيادة أرباح البنوك تخفي مخاطر

على صعيد آخر، قالت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني إن ارتفاع أرباح البنوك التونسية يخفي مخاطر تتعلق بالسيولة والملاءة المالية، متوقعة ارتفاع تكاليف التمويل على البنوك التونسية في وقت من غير المرجح فيه أن تتحسن الربحية أكثر في النصف الثاني من عام 2023 إلى 2024، بسبب ارتفاع رسوم انخفاض القيمة والضريبة الإضافية على أرباح البنوك التي تم الإعلان عنها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وبحسب الوكالة، فإن التأخير في توصل تونس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشأن حزمة دعم بقيمة 1.9 مليار دولار، يجعل الحكومة تعتمد بشكل مزداد على البنوك لتمويل احتياجاتها التمويلية الكبيرة، مما قد يضعف سيولة الأخيرة ويزيد من مخاطر الملاءة المالية.

كذلك توقعت «فيتش» أن يبلغ التمويل الحكومي في تونس نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 7.7 مليار دولار) في عام 2024، وهي نسبة مرتفعة. وتشير الوكالة إلى أن قدرة البنوك على استيعاب هذه الفجوة التمويلية محدودة بسبب ضعف تدفق الودائع، حيث زادت الودائع المصرفية بأقل من 850 مليون دولار في عام 2023. ويؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على تمويل البنك المركزي من خلال عمليات السوق المفتوحة، التي شكلت 8.8 في المائة من التمويل غير السهمي للقطاع المصرفي في نهاية مايو (أيار) 2023.

بالإضافة إلى ذلك، توقعت الوكالة زيادة تكاليف تمويل البنوك بسبب المنافسة على السيولة الشحيحة. كما أن التمويل الحكومي المرتفع باستمرار يزاحم إقراض القطاع الخاص، مما يقلل من فرص النمو الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

ميرتس: تداعيات حرب الشرق الأوسط على ألمانيا ستستمر «فترة طويلة»

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس (الثاني يساراً) من حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المحافظ ومسؤولون ألمان خلال مؤتمر صحافي بالمستشارية في برلين اليوم (أ.ف.ب)
p-circle 00:37

ميرتس: تداعيات حرب الشرق الأوسط على ألمانيا ستستمر «فترة طويلة»

حذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، من أن اقتصاد بلاده سيعاني لمدة طويلة من تداعيات أزمة الطاقة التي تسببت بها حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد موظف يعدُّ أوراق الروبية الباكستانية داخل أحد البنوك في بيشاور (رويترز)

«فيتش» تثبِّت تصنيف باكستان عند «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، يوم الاثنين، تصنيف باكستان بالعملة الأجنبية عند مستوى «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد )
الاقتصاد أجاي بانغا يُجري مقابلة مع وكالة «رويترز» بمقر البنك الدولي في واشنطن (رويترز)

رئيس البنك الدولي يحذّر من فجوة 800 مليون وظيفة تهدد الدول النامية

حذّر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أزمة وشيكة بسوق العمل العالمية، مشيراً إلى فجوة هائلة في فرص العمل تهدد الدول النامية خلال السنوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو ترتفع مع تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، يوم الاثنين، عقب تعثر المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بانغا يلقي كلمة في منتدى عُقد بمبنى المجلس الأطلسي بواشنطن في 7 أبريل (رويترز)

رئيس البنك الدولي: تداعيات الحرب «متسلسلة» حتى لو صمد وقف إطلاق النار

حذر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متسلسل على الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.