البنك الدولي: حرب غزة قد تؤدي إلى «صدمة مزدوجة» في الأسواق العالمية

وضع 3 تصورات للمخاطر استناداً إلى التجارب السابقة

سيدة تسير أمام مقر البنك الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ب)
سيدة تسير أمام مقر البنك الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ب)
TT

البنك الدولي: حرب غزة قد تؤدي إلى «صدمة مزدوجة» في الأسواق العالمية

سيدة تسير أمام مقر البنك الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ب)
سيدة تسير أمام مقر البنك الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ب)

قال البنك الدولي إن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، بجانب الاضطرابات التي أحدثتها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قد يدفعان أسواق السلع الأولية العالمية صوب وضع مجهول.

 

وأضاف البنك في بيان حول أحدث تقرير له بشأن آفاق أسواق السلع الأولية يوم الاثنين، أنه وفقاً للتقييم الأولي للآثار المحتملة للصراع على أسواق السلع الأولية في الأمد القريب، فإن التأثيرات ستكون محدودة ما لم يتسع الصراع.

 

وبموجب التصور الأساسي للبنك، من المتوقع أن تبلغ أسعار النفط في المتوسط 90 دولاراً للبرميل قبل أن تنخفض إلى 81 دولاراً للبرميل في العام المقبل مع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

 

وتوقع البنك أيضاً انخفاض أسعار السلع الأولية بوجه عام 4.1 بالمائة في العام المقبل، وتراجع أسعار السلع الزراعية أيضاً مع ارتفاع الإمدادات. وبحسب تقديرات البنك، من المتوقع أيضاً انخفاض أسعار المعادن الأولية خمسة بالمائة في 2024، في حين من المتوقع استقرار أسعار السلع الأولية بوجه عام في 2024.

 

وقال البنك إن تأثيرات الصراع على أسواق السلع الأولية العالمية محدودة حتى الآن؛ إذ ارتفعت أسعار النفط بوجه عام نحو ستة بالمائة منذ اندلاع الصراع، في حين لم تتحرك أسعار السلع الزراعية الأولية، ومعظم المعادن وغيرها من السلع الأولية إلا قليلاً، لكن البنك قال إن آفاق أسعار السلع الأولية قد تتدهور سريعاً إذا تصاعد الصراع، محدداً ثلاثة تصورات للمخاطر استناداً إلى التجارب السابقة منذ السبعينات، مشيراً إلى أن التأثيرات ستعتمد على درجة اضطراب إمدادات النفط.

 

وبحسب تصور يفترض حدوث «اضطراب محدود»، فإن إمدادات النفط العالمية ستنخفض بما يتراوح بين 500 ألف إلى مليوني برميل يومياً، ما يعادل تقريباً الانخفاض الذي وقع خلال الحرب الأهلية الليبية في 2011. وبموجب ذلك التصور، فإن سعر النفط سيرتفع في البداية بين 3 و13 بالمائة مقارنة مع متوسطه في الربع الحالي إلى نطاق بين 93 و102 دولار للبرميل.

 

أما في التصور الذي يفترض حدوث «اضطراب متوسط»، ما يعادل التأثير الحادث خلال حرب العراق في 2003، فإن إمدادات النفط العالمية ستتقلص بما يتراوح بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين برميل يومياً. ومن شأن ذلك دفع أسعار الخام للارتفاع 21 إلى 35 بالمائة بشكل أولي إلى ما يتراوح بين 109 دولارات و121 دولاراً للبرميل.

 

وفي تصوره الثالث الذي يفترض حدوث «اضطراب كبير» مماثل لحظر النفط العربي خلال 1973، فإن إمدادات الخام العالمية ستتراجع بما يتراوح بين ستة ملايين وثمانية ملايين برميل يومياً، مما سيقود الأسعار للارتفاع 56 إلى 75 بالمائة لتسجل ما يتراوح بين 140 و157 دولاراً للبرميل.

 

وقال إندرميت جيل، رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي لاقتصاديات التنمية: «يأتي الصراع الأحدث في الشرق الأوسط في أعقاب أكبر صدمة لأسواق السلع الأولية منذ السبعينات، وهي حرب روسيا وأوكرانيا».

 

وأضاف: «كان لذلك آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي لا تزال قائمة إلى اليوم. يتعين على صناع السياسات التحلي باليقظة. وإذا تصاعد الصراع، فإن الاقتصاد العالمي سيواجه صدمة طاقة مزدوجة للمرة الأولى في عقود، ليس فقط من الحرب في أوكرانيا، ولكن أيضاً من الشرق الأوسط».

 

من جانبه، قال أيهان كوسي، نائب رئيس الخبراء الاقتصاديين لدى البنك الدولي ومدير مجموعة الآفاق: «إذا استمر ارتفاع أسعار النفط، فإن ذلك يعني حتمية صعود أسعار الأغذية... وإذا حدثت صدمة حادة في أسعار النفط، فمن شأن ذلك زيادة تضخم أسعار المواد الغذائية الذي يسجل مستويات مرتفعة بالفعل في العديد من الدول النامية».

 

وأضاف أنه «بنهاية 2022، كان ما يزيد على 700 مليون شخص يعانون من نقص التغذية. ومن شأن تصعيد الصراع الأحدث تفاقم انعدام الأمن الغذائي، ليس فقط داخل المنطقة، ولكن أيضاً في أنحاء العالم».

 

* تحسن قدرة الاقتصاد

 

وقال البنك إن حقيقة أن الصراع كان له آثار متواضعة فقط على أسعار السلع الأولية، ربما تعكس تحسن قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب صدمات أسعار النفط.

 

ويقول التقرير إنه منذ أزمة الطاقة في السبعينات، عززت الدول في جميع أنحاء العالم دفاعاتها في مواجهة مثل تلك الصدمات، لتخفض اعتمادها على النفط؛ إذ انخفضت كمية النفط اللازمة لتحقيق دولار في الناتج المحلي الإجمالي بواقع النصف منذ 1970.

 

وقال التقرير إن الدول بات لديها قاعدة أكثر تنوعاً من مصدري النفط، ووسعت مواردها للطاقة بما في ذلك تلك المتجددة. كما كونت بعض الدول احتياطيات نفط استراتيجية، ووضعت ترتيبات لتنسيق الإمدادات، وطورت أسواق العقود الآجلة للتخفيف من تأثير نقص النفط على الأسعار.

 

وخلص التقرير إلى أن «هذه التحسينات تشير إلى أن تصاعد الصراع قد تكون تأثيراته أكثر اعتدالاً مما كان عليه الحال في الماضي»، ولكن التقرير يؤكد أنه على الرغم من ذلك يتعين على صانعي السياسات أن يظلوا في حالة تأهب.

 

وقال التقرير إن بعض السلع الأولية، والذهب على وجه الخصوص، يدق ناقوس الخطر بشأن الآفاق. وزادت أسعار الذهب ثمانية بالمائة تقريباً منذ اندلاع الصراع. وأشار التقرير إلى أن المعدن الأصفر يرتبط بعلاقة فريدة من نوعها بالمخاوف الجيوسياسية؛ إذ ترتفع أسعاره في فترات الصراع وعدم اليقين، مما يشير في كثير من الأحيان إلى تراجع ثقة المستثمرين.


مقالات ذات صلة

الفلبين تحذِّر من صدمة تضخمية وتباطؤ اقتصادي مع ارتفاع أسعار النفط

الاقتصاد عامل يقوم بتعبئة خزان دراجة نارية بينما يصطف السائقون في محطة وقود بمدينة كويزون- مترو مانيلا (رويترز)

الفلبين تحذِّر من صدمة تضخمية وتباطؤ اقتصادي مع ارتفاع أسعار النفط

تستعد الفلبين لمواجهة تداعيات محتملة لارتفاع أسعار النفط، وسط تحذيرات من سيناريوهات قد تدفع التضخم إلى مستويات حادة، وتُقوّض وتيرة النمو الاقتصادي خلال 2026.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
الاقتصاد مصفاة أولميكا التابعة لشركة النفط الحكومية «بيميكس» في دوس بوكاس بالمكسيك (رويترز)

لغز الـ15 دقيقة... هل تسربت «مفاجأة ترمب» لمتداولي النفط قبل إعلانها؟

شهدت سوق النفط «تداولات مشبوهة» بقيمة تقارب 580 مليون دولار قبيل هبوط الأسعار بسبب حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الهدنة مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)

الأسواق الآسيوية تقلص مكاسبها المبكرة وسط تذبذب النفط والنفي الإيراني

قلّصت الأسهم في الأسواق الناشئة بآسيا مكاسبها المبكرة خلال تعاملات، الثلاثاء، حيث سيطر القلق على المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية لصدمة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد خزانات التخزين في مصفاة نفط في كاواساكي (أ.ف.ب)

اليابان تفرج عن كميات إضافية من احتياطي النفط الحكومي في الأسواق

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم الثلاثاء، أن اليابان ستفرج عن جزء آخر من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية ابتداءً من الخميس.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مصفاة النفط في مصفاة النفط العالمية في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

النفط يعاود الارتفاع بعد نفي إيراني للتفاوض مع واشنطن

ارتفعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، يوم الثلاثاء، وسط مخاوف بشأن الإمدادات، حيث نفت إيران إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

الفلبين تحذِّر من صدمة تضخمية وتباطؤ اقتصادي مع ارتفاع أسعار النفط

عامل يقوم بتعبئة خزان دراجة نارية بينما يصطف السائقون في محطة وقود بمدينة كويزون- مترو مانيلا (رويترز)
عامل يقوم بتعبئة خزان دراجة نارية بينما يصطف السائقون في محطة وقود بمدينة كويزون- مترو مانيلا (رويترز)
TT

الفلبين تحذِّر من صدمة تضخمية وتباطؤ اقتصادي مع ارتفاع أسعار النفط

عامل يقوم بتعبئة خزان دراجة نارية بينما يصطف السائقون في محطة وقود بمدينة كويزون- مترو مانيلا (رويترز)
عامل يقوم بتعبئة خزان دراجة نارية بينما يصطف السائقون في محطة وقود بمدينة كويزون- مترو مانيلا (رويترز)

تستعد الفلبين لمواجهة تداعيات محتملة لارتفاع أسعار النفط، وسط تحذيرات من سيناريوهات قد تدفع التضخم إلى مستويات حادة، وتُقوّض وتيرة النمو الاقتصادي خلال العام الحالي.

وقبل اندلاع التوترات في الشرق الأوسط، كانت الحكومة تتوقع ارتفاع التضخم إلى 3.6 في المائة في عام 2026، مقارنة بـ1.7 في المائة في 2025، مع بقائه ضمن النطاق المستهدف بين 2 في المائة و4 في المائة. كما كانت ترجّح تحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين 5 في المائة و6 في المائة، مقابل 4.4 في المائة في العام الماضي.

وفي عرض أمام مجلس الشيوخ، قدّم وزير التخطيط الاقتصادي أرسينيو باليساكان 5 سيناريوهات متفاوتة الحدة، تستند إلى مسارات مختلفة لأسعار النفط ومدى استمرارها.

وفي أسوأ السيناريوهات؛ حيث قد يصل سعر النفط إلى مائتي دولار للبرميل ويستقر عند هذا المستوى لمدة 6 أشهر، يُتوقع أن يقفز التضخم إلى ما بين 7.3 في المائة و8.6 في المائة خلال العام، مع إمكانية بلوغه ذروة تصل إلى 14.3 في المائة، وفق «رويترز».

أما على صعيد النمو، فقد ينكمش الاقتصاد بنحو 1.47 إلى 1.95 نقطة مئوية، ليتراجع إلى نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و4 في المائة، في سيناريو وصفه باليساكان بأنه «منخفض الاحتمالية»، ولكنه «مقلق للغاية» في حال تحققه، نظراً لاحتمال دخول البلاد في تضخم مزدوج الرقم، وهو أمر لم تشهده خلال العامين الماضيين.

وفي المقابل، حتى السيناريو الأقل حدة -الذي يفترض بقاء أسعار النفط عند مائة دولار للبرميل لمدة شهر واحد- قد يدفع التضخم إلى تجاوز 4 في المائة، مع تقليص النمو بشكل طفيف ليهبط دون المستوى الأساسي الذي تستهدفه الحكومة عند 5.5 في المائة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت استقرت فيه أسعار النفط فوق مستوى مائة دولار للبرميل، وسط تهديدات من إيران بإمكانية دفعها نحو مائتي دولار، ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

وتعتمد الفلبين بشكل كبير على واردات الوقود لتلبية احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الطاقة شارون غارين أن لدى البلاد إمدادات وقود «يمكن التحكم بها»، مشيرة إلى الجهود المستمرة لتأمين ما يقرب من مليون برميل من النفط من مصادر داخل وخارج جنوب شرقي آسيا.

وأضافت أن الفلبين تلقَّت تطمينات من دول مثل كوريا الجنوبية والصين بشأن استمرار الإمدادات، ولكنها حذَّرت في الوقت نفسه من أن «حالة عدم اليقين ستظل قائمة خلال جولات التوريد المقبلة».


بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
TT

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات، في خطوة تعكس سعي الجانبين لتعزيز الشراكة الاقتصادية والدفاعية في ظل تصاعد حالة عدم اليقين في التجارة العالمية.

وجاء توقيع الاتفاق بالتزامن مع زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أستراليا، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى مواجهة تحديات متزايدة في قطاع الطاقة، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الاتفاقية الأحدث ضمن جهود بروكسل لتنويع شراكاتها التجارية، في ظل الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة والصين. وقد نجح الجانبان في تجاوز نقاط خلاف رئيسية، لا سيما تلك المتعلقة باستخدام الأسماء الجغرافية الأوروبية، وحصص صادرات لحوم الأبقار الأسترالية إلى الأسواق الأوروبية.

وفي خطابها أمام البرلمان الأسترالي، وصفت فون دير لاين العالم بأنه «أكثر قسوة ووحشية»، مشددة على أهمية التعاون بين الجانبين للحد من الاعتماد المفرط على مورّدين محددين، في إشارة ضمنية إلى الصين.

وقالت: «لا يمكننا الاعتماد بشكل مفرط على أي مصدر لهذه المكونات الحيوية، ولهذا يحتاج بعضنا إلى بعض»، مضيفة: «أمننا هو أمنكم، ومن خلال شراكتنا الأمنية والدفاعية الجديدة، سندعم بعضنا بعضاً».

ووُصفت الاتفاقية بأنها «صفقة عادلة» تحقق مكاسب متبادلة للشركات في كلا الجانبَيْن، مع توقعات بزيادة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى أستراليا بنحو الثلث خلال عقد.

وعلى صعيد الأرقام، صدّرت شركات الاتحاد الأوروبي سلعاً إلى أستراليا بقيمة 37 مليار يورو (42.9 مليار دولار) خلال العام الماضي، إلى جانب خدمات بقيمة 31 مليار يورو في عام 2024. في المقابل، تتوقع أستراليا أن تضيف الاتفاقية نحو 7.8 مليار دولار أسترالي (5.4 مليار دولار) إلى ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

وتبقى الصين أكبر سوق لصادرات أستراليا، في حين تُعدّ الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار فيها. إلا أن كانبرا كثّفت جهودها لتنويع أسواقها منذ النزاع التجاري مع بكين عام 2020، الذي أدى إلى تعطّل صادرات زراعية لعدة سنوات، إلى جانب تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة.

وبالمثل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع شبكة شراكاته التجارية في ظل القيود الصينية والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

وقد طغت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على زيارة فون دير لاين، مع ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مما أعاد تسليط الضوء على هشاشة أمن الطاقة العالمي.

وفي هذا السياق، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية الصراع بأنه «تذكير صارخ» بنقاط ضعف أوروبا، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية في ظل الوضع «الحرج» الذي تواجهه سلاسل إمداد الطاقة عالمياً.

كما تأثرت أستراليا، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، بضغوط أزمة الطاقة العالمية، ما يعزّز أهمية هذه الشراكة الجديدة في مواجهة التحديات المستقبلية.

أبرز ما تجب معرفته عن الاتفاقية التجارية

كانت المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة قد انطلقت عام 2018، قبل أن تنهار في 2023 بسبب تمسّك الاتحاد الأوروبي بموقفه الرافض لتوسيع وصول المنتجات الزراعية الأسترالية، ولا سيما لحوم الأبقار والأغنام، إلى أسواقه.

وتأتي اتفاقية الثلاثاء بوصفها حلاً وسطاً بين الطرفَين؛ فبموجبها، سترتفع حصة لحوم الأبقار الأسترالية المسموح بدخولها إلى الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من عشرة أضعاف مستواها الحالي خلال العقد المقبل.

وتبلغ الحصة الجديدة 30 ألفاً و600 طن، منها 55 في المائة من اللحوم المعتمدة على الأعلاف الطبيعية تدخل معفاة من الرسوم الجمركية، في حين تُفرض رسوم مخفضة بنسبة 7.5 في المائة على 45 في المائة منها. وسيتم تطبيق ثلث هذه الحصة خلال السنوات الخمس الأولى، قبل بلوغ المستوى الكامل لاحقاً.

ويُعدّ هذا الرقم أقرب إلى مطلب الاتحاد الأوروبي البالغ 30 ألف طن، مقارنة بمطلب أستراليا الذي بلغ 40 ألف طن، وهو ما شكّل نقطة خلاف محورية خلال المفاوضات.

زيادة الإنتاج والجدل الزراعي

من المتوقع أن يثير الاتفاق استياءً واسعاً لدى نقابات المزارعين الأوروبيين. فقد حذّرت منظمة «كوبا-كوجيكا» سابقاً من أن الاتفاق قد يفرض «عبئاً غير متناسب» على المزارعين داخل الاتحاد.

في المقابل، لم يُخفِ المزارعون الأستراليون خيبة أملهم؛ إذ يرى رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين، هاميش ماكنتاير، أن الاتفاق لم يحقق تقدماً ملموساً مقارنة بالعرض الذي رفضته كانبرا في عام 2023، مضيفاً أن الوصول إلى الأسواق لا يزال دون المستوى المطلوب.

كما ينص الاتفاق على تخصيص حصة تبلغ 25 ألف طن من لحوم الأغنام والماعز الأسترالية، يتم إدخالها تدريجياً على مدى سبع سنوات.

ورغم هذه التحفظات، وصف تيم هاركورت، كبير الاقتصاديين في جامعة سيدني للتكنولوجيا، الاتفاق بأنه «إيجابي للغاية» للمصدرين الأستراليين بشكل عام.

أورسولا فون دير لاين تخاطب أعضاء «النواب» و«الشيوخ» خلال جلسة مشتركة في مبنى البرلمان في كانبرا (إ.ب.أ)

حقوق التسمية والمؤشرات الجغرافية

شكّلت حقوق التسمية إحدى أبرز نقاط الخلاف، في ظل تمسّك أوروبا بحماية المؤشرات الجغرافية لمنتجاتها الغذائية. وبموجب الاتفاق، سيسمح لأستراليا باستخدام بعض الأسماء الجغرافية مثل «فيتا» و«غرويير»، شريطة أن يكون المنتجون قد استخدموا هذه التسميات لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

في المقابل، سيتعيّن على بعض المنتجات تغيير أسمائها، مثل «أوزو» و«فونتينا» الأستراليين.

تعزيز نفاذ الصادرات الأوروبية

سيحصل المزارعون الأوروبيون والشركات على فرص أوسع لدخول السوق الأسترالية، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات رئيسية تشمل الجبن، والفواكه، والخضراوات، والشوكولاتة.

ووفقاً لرئيسة المفوضية الأوروبية، فإن هذه الخطوة ستوفر نحو مليار يورو سنوياً للمزارعين الأوروبيين من الرسوم الجمركية.

الرسوم على المركبات

كان الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إلغاء ضريبة السيارات الفاخرة في أستراليا، التي تبلغ 33 في المائة على المركبات التي تتجاوز سعراً معيناً، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل.

وبدلاً من ذلك، نص الاتفاق على رفع الحد الأدنى الخاضع لهذه الضريبة إلى أكثر من 120 ألف دولار أسترالي للسيارات الكهربائية، مما يعفي نحو 75 في المائة من السيارات الكهربائية الأوروبية.

كما سيتم إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 5 في المائة على جميع واردات السيارات الأوروبية، في خطوة تهدف إلى خفض التكاليف وتعزيز الطلب على المركبات الكهربائية، دعماً لأهداف الحياد الكربوني.

المعادن الحيوية

يشمل الاتفاق أيضاً جانباً استراتيجياً يتعلق بالمعادن الحيوية اللازمة للتقنيات النظيفة، مثل توربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية.

وفي ظل هيمنة الصين على إنتاج هذه المعادن وتهديدها بتقييد الإمدادات في سياق التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، تسعى أوروبا إلى تنويع مصادرها.

وبموجب الاتفاق، ستحصل دول الاتحاد الأوروبي على وصول أفضل إلى موارد أستراليا من الألمنيوم والليثيوم والمنغنيز، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات هذه المعادن.


صندوق النقد الدولي: الصراع يلقي بظلاله على نمو اقتصاد المغرب

سفينة حاويات تعبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة بالمغرب (أرشيفية - رويترز)
سفينة حاويات تعبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة بالمغرب (أرشيفية - رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الصراع يلقي بظلاله على نمو اقتصاد المغرب

سفينة حاويات تعبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة بالمغرب (أرشيفية - رويترز)
سفينة حاويات تعبر مضيق جبل طارق من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الطرف الشمالي لميناء طنجة بالمغرب (أرشيفية - رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي من أن الآفاق الاقتصادية للمغرب في المدى القريب، تظل رهينة بتداعيات الصراع المستمر في الشرق الأوسط، الذي يؤثر على الاقتصاد الوطني بشكل رئيسي عبر اضطراب أسواق السلع الأساسية العالمية وضعف الطلب الخارجي وسط حالة من اليقين العالمي. ورغم هذه التحديات، توقع الصندوق في ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، أن يحقق المغرب نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بقوة الإنتاج الزراعي والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية العامة.

وأشار البيان الصادر عن المجلس التنفيذي للصندوق في ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، والمراجعة نصف السنوية لخط الائتمان المرن (FCL)، إلى أن النمو الاقتصادي في المغرب تسارع خلال عام 2025، ليصل إلى تقديرات بنسبة 4.9 في المائة، بفضل انتعاش المخرجات الزراعية وزخم المشاريع الإنشائية الكبرى. وعلى صعيد الاستقرار السعري، ظل متوسط التضخم عند مستوى منخفض بلغ 0.8 في المائة، مما سمح لـ«بنك المغرب» بالحفاظ على موقف محايد لسياساته النقدية بعد قرارات سابقة بخفض أسعار الفائدة، رغم التوقعات بارتفاع «مؤقت» للتضخم خلال العام الحالي، نتيجة زيادة أسعار الطاقة المرتبطة بالنزاع الإقليمي.

المالية العامة وتقليص المديونية

أثنى الصندوق على الأداء القوي للإيرادات الضريبية التي أسهمت في تقليص العجز المالي الكلي، ليصل إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، متجاوزاً التوقعات السابقة. ووفقاً للبيان، فإن العجز المالي المتوقع لعام 2026 والمدى المتوسط، يتماشى مع خطة تدريجية تهدف لخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 60.5 في المائة بحلول عام 2031، مما سيعزز من قدرة الاقتصاد على بناء هوامش مالية وقائية وتسريع الإنفاق الاجتماعي النوعي.

الحساب الجاري والاحتياطيات الدولية

سجل الحساب الجاري للمغرب اتساعاً ليصل إلى عجز بنسبة 2.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مدفوعاً بزيادة الواردات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى، وهو ما تم تعويضه جزئياً من خلال التدفقات القوية لقطاع السياحة.

ويتوقع الصندوق أن يظل عجز الحساب الجاري «معتدلاً» في المدى القريب، نتيجة ارتفاع تكاليف استيراد السلع الأساسية، مؤكداً في الوقت ذاته، أن مستويات الاحتياطيات الدولية لدى المملكة ستظل كافية ومطمئنة.

تحديات سوق العمل

شدد الصندوق على أن خلق فرص عمل مستدامة يظل «أولوية ملحة»، خصوصاً في ظل استمرار تحدي البطالة المرتفعة. ودعا البيان إلى ضرورة تعزيز ديناميكية القطاع الخاص، وضمان تكافؤ الفرص بين الشركات العامة والخاصة، مع المضي قدماً في إصلاحات سوق العمل والاستثمار في رأس المال البشري، لضمان تحويل نمو البنية التحتية إلى عوائد اقتصادية ملموسة وفرص عمل شاملة.

خط الائتمان المرن صمامَ أمان جيوسياسي

أكد كنجي أوكامورا، نائب المديرة العامة للصندوق، أن المغرب يواصل استيفاء جميع معايير التأهل لخط الائتمان المرن (FCL) الذي تم إقراره في أبريل (نيسان) 2025. واعتبر الصندوق أن هذا الخط يمثل درعاً وقائية تساعد الاقتصاد في التكيف بسلاسة في حال تحقق المخاطر النزولية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية العالمية، مؤكداً التزام السلطات المغربية بالحفاظ على سياسات ماكرو-اقتصادية قوية للغاية.