يعيش اللبنانيون الذين يمرون بإحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، حالة قلق عارمة جراء الخوف من أن يجرهم «حزب الله» إلى حرب جديدة مع إسرائيل، خصوصاً أن التداعيات الكارثية لحرب يوليو (تموز) 2006 لا تزال حية في أذهان كثيرين منهم.
وصعّد «حزب الله» وتنظيمات تابعة وحليفة له من استهداف مواقع إسرائيلية منذ اندلاع المواجهة بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة قبل أسبوعين. وحذرت تل أبيب الحزب، أمس (الأحد)، من «خراب لا يمكن تصوره» عليه وعلى لبنان، إذا قرر الانضمام إلى الحرب.
ويُجمع خبراء ومحللون على عدم قدرة لبنان على تحمّل حرب جديدة فيما يغرق في أزمة اقتصادية ونقدية ومالية مركّبة وعميقة تفاقمت بفعل تحلل مؤسساته، وسط فراغ في رئاسة الجمهورية منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي وحكومة شبه مشلولة وفراغ في موقع نقدي حساس هو حاكمية مصرف لبنان (البنك المركزي).

وفي وقت استفحلت مستويات الفقر -حيث إنّ 3 من أصل 5 أُسَر يعدّون أنفسهم اليوم إمّا فقراء وإمّا فقراء جدّاً- قال مصدر مالي في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن «الشلل السياسي الحالي لا يسمح للاقتصاد اللبناني بأي فرصة للتعافي، ولهذا يخشى لبنان من تفاقم الوضع في حالة نشوب الحرب».
وأضاف أن «لبنان يعاني منذ أربع سنوات تقريباً انهياراً اقتصادياً تسبب في تدهور عملته المحلية وفقدانها نحو 98 في المائة من قيمتها، في وقت سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً بنسبة فاقت 40 في المائة، ودفع التضخم إلى ثلاثة أرقام واستنزف ثلثي احتياطيات المصرف المركزي من العملات الأجنبية».
وبعدما كان الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 51 مليار دولار في عام 2019، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، انخفض إلى نحو 16 مليار دولار. فيما ارتفع التضخم بشكل جنوني من 7 في المائة في عام 2019 إلى أكثر من 250 في المائة هذا العام، ليكون لبنان واحداً من بين الأعلى عالمياً في معدلات التضخم.
أما احتياطيات المصرف المركزي، ففقدت نحو 25 مليار دولار بفعل محاولات التدخل لمنع تدهور الليرة ونتيجة لسياسة دعم غير مدروسة لتصل اليوم إلى نحو 8.6 مليار دولار من 33.6 مليار في عام 2019 (وهي أرقام مستثناة منها محفظة مصرف لبنان من سندات «يوروبوندز» التي كان المصرف المركزي يحتسبها بقيمة 5.03 مليار دولار).
ويضاف إلى هذا كله أن لبنان يعاني انهياراً في قطاعه الصحي، إذ يعجز عن توفير أدنى مقومات الرعاية الصحية، وإن أعلن وزير الصحة اللبناني فراس الأبيض، منذ أيام عن إجراءات لرفع جاهزية القطاع تحسباً لأي تصعيد عسكري. فموازنة وزارة الصحة لم تتعدَّ 35 مليون دولار فيما كانت تبلغ نحو 400 مليون دولار قبل الأزمة في 2019. في حين يواجه القطاع هجرة كوادر ومشكلات عميقة تتعلق بالأدوية والمستلزمات.
ويفاقم الوضع سوءاً أن لبنان يستضيف نحو مليوني نازح وسط أزمته الاقتصادية الحادة.
خسائر «لو كنت أعلم»
في 19 يوليو (تموز) 2005، تشكلت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة (استمرت حتى 11 يوليو 2008)، بهدف استيعاب تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري على لبنان واقتصاده، وإعادة التوازن الى المالية العامة.
كانت حكومة السنيورة تعوّل على موسم سياحي واعد في إطار مساعيها لرفع معدلات النمو الذي توقعت أن يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة. كما كانت تسعى لتعزيز المؤشرات الاجتماعية وخلق فرص عمل.
لكن «حزب الله» فاجأ الجميع بخطف جنديين إسرائيليين في يوليو 2006، ما دفع إسرائيل إلى شن حرب مدمرة على لبنان تسببت بمقتل أكثر من 1200 شخص وجرح نحو 4400 ألف آخرين وفرار نحو مليون لبناني من منازلهم، أي ما يقرب من ربع السكان.
لقد كانت خسائر «لو كنت أعلم» (وهو كان تبرير الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بعد الدمار الذي تسببت به الحرب) باهظة اقتصادياً ومالياً.
تخطت تكلفة هذه الحرب التي دامت 34 يوماً 7 مليارات دولار، منها 3.6 مليار خسائر مباشرة بفعل تدمير البنى التحتية من طرق وكهرباء واتصالات وجسور ومدارج المطار والمصانع ومنشآت عسكرية ومستشفيات ومدارس، وخسائر طالت الناتج المحلي ووصلت إلى حدود 2.4 مليار دولار.

كما كان للحرب تأثير سلبي على الوضع المالي في لبنان، إذ تسببت في انخفاض الإيرادات العامة وزيادة النفقات العامة.
وأشارت وزارة المالية إلى أن الحرب كبَّدت المالية العامة نحو 1.5 مليار دولار في ذاك العام، ما زاد الدين العام إلى نحو 41 مليار دولار بحلول نهاية 2006. وشبهت الخسائر بتلك التي تكبّدها لبنان خلال الحرب الأهلية 1975-1990. كما طالت شظايا الحرب الاستثمارات الخارجية، إذ بدّلت مزاج المستثمر، من شريك في العملية الاقتصادية إلى مستثمر يبغى الربح المباشر السريع.
وفاقمت الحرب من مستوى البطالة في لبنان. ففي القطاع الصناعي وحده مثلاً، فقد نحو 12 ألف عامل وظائفهم لأن شركاتهم إمّا دُمِّرت وإمّا توقفت عن العمل. في حين فقد المزيد وظائفهم بسبب الانكماش الاقتصادي الحاد.
حقائق
خسائر لبنان في حرب 2006
- الأرواح: سقط ما يقرب من 1200 قتيل و4400 جريح في لبنان معظمهم من المدنيين.
- النازحون: فرّ نحو 974 ألف لبناني من منازلهم. ودمرت 125 ألف منزل وشقة سكنية أو لحقت بها أضرار. وتم إجلاء نحو 60 ألف أجنبي وغادر آلاف آخرين البلاد.
- الاقتصاد: قدّرت الحكومة قيمة الأضرار المباشرة نتيجة الحرب بنحو 2.8 مليار دولار وقيمة الإنتاج والدخل المفقود في العام 2006 بنحو 2.2 مليار دولار. والكلفة المباشرة بالنسبة إلى الحكومة 1.75 مليار دولار.
- البنية التحتية: دُمرت جسور وطرق ومدارج طائرات ومرافئ ومصانع وشبكات ماء وكهرباء ومؤسسات عسكرية بالإضافة إلى ضاحية بيروت الجنوبية وبلدات وقرى في الجنوب وسهل البقاع الشرقي.
- البيئة: تسرّب ما يصل إلى 15 ألف طن من زيت الوقود الثقيل على ساحل لبنان بعدما قصفت إسرائيل محطة للكهرباء إلى الجنوب من بيروت مما سبب أزمة بيئية كبيرة.
كيف يختلف اليوم عن 2006؟
رغم كل تداعيات حرب 2006 على لبنان واقتصاده، فإن لبنان نجا بفعل تأهب العالم لمساعدته بدءاً من دول الخليج. ففي ذلك العام، تبرعت المملكة العربية السعودية بمبلغ 500 مليون دولار لإعادة الإعمار، ومنحت الكويت 300 مليون دولار، إضافةً إلى ودائع سعودية وكويتية بالعملات الأجنبية (بإجمالي 1.5 مليار دولار) في المصرف المركزي.

كما قدّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 150 مليون دولار معونةً إغاثية للبنان. في حين أسفر مؤتمر أستوكهولم للإنعاش المبكر للبنان الذي عُقد في أغسطس (آب) من ذاك العام، عن تعهدات بتقديم أكثر من 940 مليون دولار مساعدات.
وفي أوائل عام 2007، عُقد مؤتمر آخر للمانحين «باريس 3»، وحمل تعهدات ووعوداً للبنان بلغت قيمتها ما يقارب 7.6 مليار دولار توزعت بين تعهدات للقطاع الخاص بقيمة 1.89 مليار دولار و5.643 مليار دولار على شكل وعود وتعهدات للحكومة اللبنانية.
يقول مصدر في إحدى المؤسسات المالية العالمية لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان استطاع أن يجمع نحو 7.6 مليارات دولار في عام 2007، لكن لا أحدَ مستعداً اليوم لمساعدته في ظل ما يواجهه الاقتصاد العالمي. وأضاف أن «لبنان نجا في عام 2006 بفعل علاقاته التي كانت جيدة بمحيطه العربي وبالعالم، لكنه فقد هذه الميزة اليوم في الوقت الذي يفتقر إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي».
ويذكّر بما حصل عليه لبنان في مؤتمر «سيدر» في العاصمة الفرنسية في عام 2018، حين رُصدت مبالغ له تجاوزت 11.5 مليار دولار في مقابل تعهد الحكومة بإقرار وتطبيق إصلاحات محددة. وأضاف المصدر أن لبنان «فوّت فرصاً ثمينة عليه بسبب تخلفه عن تطبيق إصلاحات كان يمكن أن تنقذه من براثن الانهيار، لكنَّ الأجندة السياسية لبعض الأطراف منعت تنفيذها، ولا تزال»، في إشارة إلى «حزب الله».
ويشير هنا إلى العراقيل التي ما زال الحزب يضعها اليوم على طريق بلوغ اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي يحصل لبنان بموجبه على مبلغ 3 مليارات دولار، الذي سيساعد لبنان على الخروج من أزمته عبر فتح الكوّة لإمكانية عودة الاستثمارات والقروض الدولية.
