حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
TT

حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)

يعيد التوتر الراهن في ناغورنو كاراباخ إلى الواجهة خلفيات الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على الإقليم، الذي يمتد إلى عقود سابقة. إذ يعد ناغورنو كاراباخ من أبرز النقاط الساخنة في النزاعات الإقليمية في منطقة القوقاز التي تمتد على طول الحدود بين أرمينيا وأذربيجان،وشهد على مدى العقود الثلاثة الماضية نزاعات مستمرة كان للدوافع الاقتصادية الدور الأكبر في تصاعدها.

الأزمة بدأت بحرب ناغورنو كاراباخ الأولى (1988 - 1994)، عندما خسرت أذربيجان الإقليم ذا الغالبية الأرمنية والمناطق المحيطة به، ولم تنتهِ إلا بعد الحرب الأخيرة في عام 2020، التي أعقبها اتفاق سلام ضمَّ كلاً من أذربيجان وأرمينيا وتركيا وروسيا.

لكنّ المصالح الاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في الصراع في ناغورنو كاراباخ، بل تُشكل نقطة انطلاق في توجيه مواقف الدول تجاه هذا الصراع، لا سيما في ما يتعلق بالموارد الطبيعية والمعدنية الثمينة التي تُعد مصدراً مهماً للإيرادات، فضلاً عن أن منطقة ناغورنو كاراباخ تعد ممراً حيوياً للنقل والتجارة بين أرمينيا وأذربيجان والدول المجاورة، بحيث تمر عبرها طرق حيوية تربط الدول القوقازية بروسيا وإيران وتركيا، مما يعني أن سيطرة أحد الأطراف على هذه المناطق ستؤثر على حركة البضائع والتجارة بشكل كبير، الأمر الذي يعزز دور المنطقة كعامل اقتصادي حيوي.

مكاسب اقتصادية

لطالما كان إقليم ناغورنو كاراباخ موقعاً مهماً اقتصادياً لأذربيجان بسبب موارده الطبيعية. وقد حُرمت أذربيجان من الكثير من مناجم الذهب والنحاس، بما في ذلك فيغنالي، وسويودلو، وجيزيلبولاخ، ودميرلي، وجميعها تقع في المنطقة، علماً بأنه يتم استخراج طن من الذهب من المناجم سنوياً. على سبيل المثال، احتوى منجم سويودلو، الذي يقع 76 في المائة منه في أذربيجان والباقي في أرمينيا، على 120 طناً من الذهب الخالص في عام 2010، في حين كان الحد الأدنى لمحتواه المربح 0.8 غرام للطن. وهي أرقام واردة في دراسة لمعهد أطلس للشؤون الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، يعد بعض مناطق ناغورنو كاراباخ موطناً لكثير من مصادر المياه المهمة، إذ يتم سنوياً توليد نحو 25 في المائة من موارد المياه المحلية في أذربيجان في المنطقة. ووفقاً لوزارة الطاقة، تتمتع الأنهار الرئيسية في المنطقة (تارتارشاي، وهكاري، وبازارشاي) بإمكانات كبيرة للطاقة المائية. وتُعدّ محطة «تارتار» للطاقة الكهرومائية من المحطات الاستراتيجية في المنطقة، ويمكنها توليد 50 ميغاواط من الطاقة. وحسب التقديرات الحالية، تتمتع ناغورنو كاراباخ بإمكانات تتراوح بين 300 و500 ميغاوات من طاقة الرياح و3000 - 4000 ميغاوات من الطاقة الشمسية. كما أنها مليئة بالمياه الحرارية الأرضية واحتياطات الفحم، التي تستخدم أيضاً في توليد الطاقة، إذ تمتلك قرية شارداغلي وحدها 8.5 طن من احتياطي الفحم.

ومن بين شروط وقف إطلاق النار عام 2020 كانت أن توفر أرمينيا لأذربيجان ممراً إلى إقليم ناختشيفان، ذاتيّ الحكم التابع لأذربيجان والمنفصل عن بقية هذا البلد جغرافياً، ويتطلب الوصول إليه المرور إما عبر إيران وإما عبر أرمينيا. وكان من المفترض مد سكة حديد من أذربيجان إلى إقليم ناختشيفان عبر الأراضي الأرمينية وأن ينتهي بناؤه نهاية عام 2023.

وحسب معهد أطلس للشؤون الدولية، فإن لهذا المشروع فوائد كثيرة أبرزها خط سكة حديد جديد يربط بين أرمينيا وأذربيجان وتركيا، فضلاً عن تلقي ناختشيفان، التي كانت تشتري الغاز من إيران بعد عزلتها نتيجة للحرب الأولى، إمدادات غاز متواصلة مباشرة من تركيا عندما تنتهي أذربيجان وتركيا من بناء خط الأنابيب الجديد. وإلى جانب هذه الفوائد، من المتوقع أن تقوم أذربيجان بتنويع خطوط النقل الخاصة بها بسبب طرق التجارة الموسعة.

مصالح دول

نظراً لأهمية المنطقة، فإن الكثير من الدول المؤثرة والجهات الخارجية لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في ناغورنو كاراباخ، وهو ما يعطي الصراع السائد اليوم بعداً أكثر تعقيداً. وعندما أعلنت الكثير من الدول بشكل مباشر وغير مباشر مواقفها من هذا الصراع، فإنها كشفت مصالحها الخاصة بأوجهها المتعددة. ولعلّ أبرزها وأهمها يتجلى في المصالح الاقتصادية التي شكّلت المحددات الرئيسية لهذه الدول.

تركيا

إلى جانب أرمينيا التي تستفيد من مناجم الذهب في الإقليم، فإن لتركيا مصالح استراتيجية في ناغورنو كاراباخ بسبب قربها الإقليمي من المنطقة وعلاقتها التاريخية مع أذربيجان، وهي تسعى دوماً إلى دعمها وتعزيز تأثيرها في المنطقة للحفاظ على الاستقرار وضمان وصول النفط والغاز الأذربيجانيين إلى الأسواق العالمية. وتشترك تركيا في الثقافات واللغات والمعتقدات الدينية ذاتها مع أذربيجان، إذ تنتمي كلتاهما إلى الدول التركية. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لدعم تركيا الصريح لها في جميع القضايا تقريباً، بما في ذلك صراع ناغورنو كاراباخ.

كما كان لدعم تركيا لأذربيجان جوانبه الاقتصادية، إذ تُمثل تركيا نحو 14 في المائة من صادرات أذربيجان و15 في المائة من وارداتها، وتُعد شريك عبور الطاقة الرئيسي إليها. وينقل خط أنابيب جنوب القوقاز الغاز من حقل «شاه دنيز» في أذربيجان إلى تركيا. ومن هناك، يُنقل إلى أوروبا بمساعدة خط أنابيب الغاز عبر الأناضول (TANAP) وخط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي (TAP). كما يمر خط أنابيب «باكو - تبليسي - جيهان»، الذي يُستخدم لتصدير الجزء الأكبر من النفط المحلي الأذربيجاني، عبر تركيا، في حين يُشحن النفط المنقول عبر خط أنابيب التصدير الغربي «باكو - سوبسا» إلى أوروبا عبر مضيق البوسفور في تركيا.

وبالمثل، يربط خط السكة الحديد «باكو - تبليسي - قارس» بين البلدين وجورجيا، ومن المتوقع أن تكون لديه القدرة على نقل 17 مليون طن من البضائع. وقد اتفقت تركيا وأذربيجان بالفعل على بناء خط أنابيب جديد، وهو ما أصبح ممكناً بعد اتفاق ناغورنو كاراباخ. بالإضافة إلى ذلك، تزوّد تركيا أذربيجان بالأسلحة والمعدات العسكرية بموجب عدة اتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية 2009.

وحسب جمعية المصدرين الأتراك، بلغت قيمة صادرات معدات الدفاع والطيران بالدولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2020 وحده 123 مليون دولار، وهو أعلى بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة. واليوم، تعد تركيا أكبر مورّد للمعدات العسكرية إلى أذربيجان بعد إسرائيل وروسيا.

هذا وتعمل تركيا جسراً بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا وتقع بالقرب من 72 و73 في المائة من احتياطات الغاز والنفط في العالم، مما يعني أنها تربط البائعين بالمشترين. ومن المزايا الأخرى لتركيا أنها تتمتع وحدها بإمكان الوصول إلى منطقة البحر الأسود، مما يعني أن وصول روسيا إلى المنطقة يعتمد عليها. وعلى الرغم من ذلك، فإن تركيا نفسها تحتاج إلى الغاز، وهي ثاني أهم سوق لروسيا بعد ألمانيا، علما بأنه يتم نقل الغاز الروسي إلى تركيا عبر خط أنابيب عبر البلقان و«بلو ستريم». بالإضافة إلى ذلك، وقّعت الدول اتفاقيات لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والإخطار المبكر حول الحوادث النووية.

روسيا

أما روسيا، فتلعب دوراً كبيراً في المنطقة بسبب وجود قواعد عسكرية في أرمينيا وعلاقاتها الوثيقة مع الأرمن، وفي الوقت نفسه لها مصلحة في الحفاظ على التوازن بين الأطراف المتصارعة وعدم تصاعد الصراع إلى نزاع إقليمي - جيوسياسي، لا سيما أنها تخوض اليوم حرباً شرسة مع أوكرانيا.

تعد روسيا أيضاً أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لأذربيجان وأرمينيا، وهي من بين أكبر شركاء التصدير والاستيراد لكلا البلدين. لدى روسيا أيضاً شراكة عبور مع أذربيجان، بحيث ينقل خط أنابيب النفط «باكو - نوفوروسيسك» النفط من محطة «سانغاشال» القريبة من باكو إلى ميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود. إلا أن أذربيجان تعد منافساً لروسيا في نظر الكثير من المحللين، إذ تكاد تكون أذربيجان هي الطريق الوحيدة أمام أوروبا للحصول على النفط والغاز في بحر قزوين دون التعامل مع روسيا. وهذا هو السبب الرئيسي وراء موافقة المفوضية الأوروبية ودعمها لمشاريع خطوط الأنابيب الجديدة في أذربيجان، وربما كان للتنافس بين الاثنين دور في موقف روسيا تجاه أذربيجان. ووفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تُعدّ روسيا المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر إلى أذربيجان، حيث تستثمر روسيا في قطاعات الزراعة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات والبناء والخدمات المصرفية وغيرها من القطاعات في أذربيجان. وبالمثل، يدرج التقرير نفسه روسيا بوصفها أحد المصادر الرئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في أرمينيا.

تفسر العلاقات بين روسيا وكلا طرفي الصراع جزئياً السبب الذي يجعل البلاد لا تدعم أياً من الجانبين علناً، وقد تفسر أيضاً تحفّظ روسيا في أثناء الحرب الأخيرة.

الاتحاد الأوروبي

يمتلك الكثير من الدول الأوروبية مصالح في استقرار القوقاز ومنطقة ناغورنو كاراباخ، بحيث يسعى الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية الأخرى إلى دعم حل سلمي للنزاع والمساهمة في التنمية الاقتصادية في المنطقة. ومن منظور اقتصادي، يمكن تفسير ذلك بأهمية طرفَي الصراع بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. إذ إن سياسة الجوار الأوروبية تغطي كلاً من أرمينيا وأذربيجان. كما أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق تصدير لأرمينيا، مما يعني أن علاقاتهما التجارية قد تكون عاملاً يمنع الاتحاد الأوروبي من التوجه مباشرةً ضد أرمينيا. بالإضافة إلى ذلك، لتجنب الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بناء علاقات جيدة مع أذربيجان. وربما تفسر الأهمية المتساوية تقريباً لكلا البلدين عدم قيام الاتحاد وغيره من البلدان المماثلة بدعم أو انتقاد أيٍّ من جانبَي الصراع على الفور.

إسرائيل

تهتم بتعزيز العلاقات مع أذربيجان بسبب العلاقات الثنائية في مجال الأمن والتكنولوجيا والتعاون في مجال الطاقة، واحتمال تصدير النفط والغاز الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية. فمنذ حرب كاراباخ الأولى، بقيت إسرائيل تدعم أذربيجان، على الرغم من أنها لم تُعرب عن دعمها رسمياً. وقد وجد الكثيرون ذلك مفاجئاً للغاية نظراً إلى أن البلدين ظهرا غير مرتبطين وكانت لهما تركيبات عرقية ودينية مختلفة. ومع ذلك، لإسرائيل مصالح اقتصادية وسياسية في أذربيجان أولها بيع إسرائيل الأسلحة إلى أذربيجان. ووفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استحوذت إسرائيل على 61 في المائة من واردات الأسلحة الأذربيجانية في الفترة 2015 – 2019، أي ضعف الأرقام في الفترة 2013 – 2017، وفور انتهاء الحرب الأخيرة، أرسلت إسرائيل مساعدات إنسانية إلى أذربيجان.

ويتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة أيضاً، إذ بلغ حجم الصادرات من أذربيجان أكثر من 1.3 مليار دولار عام 2019، كما يتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة، حيث وصل حجم الصادرات من أذربيجان إلى أكثر من 1.3 مليار دولار في عام 2019.


مقالات ذات صلة

ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

شمال افريقيا الدبيبة مجتمعاً برئيس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان في 25 ديسمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

ليبيا: إنهاء الدبيبة التعاقد مع «أركنو» النفطية... خطوة لم تهدئ مناوئيه

ألقى عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة بملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة في ملعب النائب العام، عقب توجيهه بإنهاء «اتفاقية التطوير» معها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد سيدة تسير تحت الأمطار في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

الصين تتخذ خطوات لتنظيم استخدام الشخصيات الرقمية

أصدرت هيئة تنظيم الفضاء الإلكتروني الصينية، يوم الجمعة، مسودة لوائح للإشراف على تطوير الشخصيات الرقمية عبر الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا الوزير الفرنسي المكلف التجارة الخارجية نيكولا فوريسيي (أ.ف.ب)

وفد فرنسي رفيع يزور الرباط لتعزيز الشراكة مع المغرب

بدا الوزير الفرنسي المكلف التجارة الخارجية، نيكولا فوريسيي، أمس (الخميس)، زيارة إلى الرباط تدوم يومين على رأس وفد اقتصادي رفيع.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد رجل في سوبر ماركت بمدينة كامبريدج باي في كندا (رويترز)

«الفاو» تُحذّر من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية إذا استمرت حرب إيران

قالت منظمة «الفاو» إن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في مارس لأعلى مستوى لها منذ سبتمبر 2025، وقد ترتفع أكثر من ذلك إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

«بنك اليابان» يُبقي باب رفع الفائدة مفتوحاً رغم ضغوط الحرب الإيرانية

قال مسؤول كبير في البنك المركزي الياباني إن «بنك اليابان» سيواصل رفع أسعار الفائدة إذا تحققت توقعاته الاقتصادية

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».


الصين تتخذ خطوات لتنظيم استخدام الشخصيات الرقمية

سيدة تسير تحت الأمطار في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
سيدة تسير تحت الأمطار في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الصين تتخذ خطوات لتنظيم استخدام الشخصيات الرقمية

سيدة تسير تحت الأمطار في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
سيدة تسير تحت الأمطار في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة تنظيم الفضاء الإلكتروني الصينية، يوم الجمعة، مسودة لوائح للإشراف على تطوير الشخصيات الرقمية عبر الإنترنت، تلزم بوضع علامات واضحة عليها، وتحظر الخدمات التي قد تضلل الأطفال أو تغذي الإدمان.

وتنص اللوائح المقترحة من إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية على إلزام وضع علامات بارزة تشير إلى أن «الشخصية الرقمية» موجودة على جميع محتويات الشخصيات الافتراضية، وحظر تقديم «علاقات افتراضية» لمن هم دون سن 18 عاماً، وذلك وفقاً للقواعد المنشورة للتعليق العام حتى 6 مايو (أيار).

كما تحظر مسودة اللوائح استخدام المعلومات الشخصية للآخرين لإنشاء شخصيات رقمية دون موافقتهم، أو استخدام الشخصيات الافتراضية للتحايل على أنظمة التحقق من الهوية، مما يعكس جهود بكين للحفاظ على سيطرتها في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي. وتنص مسودة اللوائح أيضاً على حظر نشر الشخصيات الرقمية لمحتوى يهدد الأمن القومي، أو يحرض على تقويض سلطة الدولة، أو يروج للانفصال، أو يقوض الوحدة الوطنية، وحسب الوثيقة، يُنصح مقدمو الخدمات بمنع المحتوى الذي يحمل إيحاءات جنسية، أو يصور مشاهد رعب أو قسوة، أو يحرض على التمييز على أساس العرق أو المنطقة، ومقاومته.

كما يُشجع مقدمو الخدمات على اتخاذ التدابير اللازمة للتدخل وتقديم المساعدة المهنية عندما يُظهر المستخدمون ميولاً انتحارية أو إيذاءً للذات. وقد أوضحت الصين طموحاتها في تبني الذكاء الاصطناعي بقوة في جميع قطاعات اقتصادها، وذلك في الخطة الخمسية الجديدة التي صدرت الشهر الماضي. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع تشديد الحوكمة في هذا القطاع المزدهر لضمان السلامة والتوافق مع القيم الاشتراكية للبلاد.

وتهدف القواعد الجديدة إلى سد ثغرة في حوكمة قطاع الإنسان الرقمي، واضعةً خطوطاً حمراء واضحة للتطور السليم لهذا القطاع، وفقاً لتحليل نُشر على موقع هيئة تنظيم الفضاء الإلكتروني.

وأضاف التقرير: «لم تعد إدارة الشخصيات الافتراضية الرقمية مجرد مسألة تتعلق بمعايير الصناعة، بل أصبحت مشكلة علمية استراتيجية تُعنى بأمن الفضاء الإلكتروني، والمصالح العامة، والتنمية عالية الجودة للاقتصاد الرقمي».

تنظيمات لسوق توصيل الطعام

وفي سياق منفصل، اجتمعت هيئة تنظيم السوق الصينية هذا الأسبوع مع كبرى منصات توصيل الطعام، وأمرت هذه المنصات بتعزيز إجراءات سلامة الغذاء قبل دخول اللوائح الجديدة حيز التنفيذ في يونيو (حزيران) المقبل. ووفقاً لبيان نُشر على موقع الهيئة الإلكتروني، فقد أصدرت الإدارة العامة لتنظيم السوق تعليمات لشركات: «ميتوان»، و«تاوباو شانغاو»، و«جي دي.كوم» بالامتثال التام للمتطلبات التنظيمية والوفاء بمسؤوليتها عن سلامة الغذاء.

وأضافت الهيئة أن على منصات توصيل الطعام إجراء عمليات تفتيش ذاتي وتصحيح فورية، وممارسة رقابة صارمة على عمليات التدقيق والإدارة والتوصيل، وتشجيع سائقي توصيل الطعام على المشاركة في الإشراف على السلامة.


انتعاش الوظائف الأميركية في مارس يفوق التوقعات مع تراجع البطالة

لافتة خارج متجر «تارغت» تشير إلى أن الشركة تقوم بالتوظيف في إنسينيتاس بكاليفورنيا 30 مارس 2026 (رويترز)
لافتة خارج متجر «تارغت» تشير إلى أن الشركة تقوم بالتوظيف في إنسينيتاس بكاليفورنيا 30 مارس 2026 (رويترز)
TT

انتعاش الوظائف الأميركية في مارس يفوق التوقعات مع تراجع البطالة

لافتة خارج متجر «تارغت» تشير إلى أن الشركة تقوم بالتوظيف في إنسينيتاس بكاليفورنيا 30 مارس 2026 (رويترز)
لافتة خارج متجر «تارغت» تشير إلى أن الشركة تقوم بالتوظيف في إنسينيتاس بكاليفورنيا 30 مارس 2026 (رويترز)

سجّل نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعاشاً فاق التوقعات خلال مارس (آذار)، مدفوعاً بانتهاء إضرابات قطاع الرعاية الصحية وتحسن الأحوال الجوية، فيما انخفض معدل البطالة إلى 4.3 في المائة. ومع ذلك، تتزايد المخاطر التي تُهدد سوق العمل، في ظل استمرار الحرب مع إيران دون أفق واضح لنهايتها.

وأفاد مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية في تقريره الشهري بأن الوظائف غير الزراعية ارتفعت بمقدار 178 ألف وظيفة خلال مارس، بعد تراجعها بمقدار 133 ألف وظيفة في فبراير (شباط) (بعد التعديل). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة بنحو 60 ألف وظيفة فقط. وتراوحت التقديرات بين فقدان 25 ألف وظيفة وزيادة 125 ألفاً، فيما بلغ معدل البطالة 4.4 في المائة في فبراير.

وشهدت سوق العمل تقلبات حادة في الفترة الأخيرة نتيجة حالة عدم اليقين، بدءاً من الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات، قبل أن تُبطلها المحكمة العليا في فبراير، ما دفع الإدارة لاحقاً إلى فرض رسوم جديدة مؤقتة. كما أظهرت بيانات هذا الأسبوع تراجع فرص العمل بأكبر وتيرة منذ نحو عام ونصف العام، في إشارة إلى ضعف الطلب على العمالة.

وفي أواخر فبراير، أدت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بأكثر من 50 في المائة، ما انعكس على أسعار البنزين محلياً. ويرى اقتصاديون أن استمرار الحرب، التي دخلت شهرها الثاني، يضيف طبقة جديدة من الضبابية أمام الشركات، مع توقعات بتأثر سوق العمل خلال الربع الثاني.

كما أسهمت سياسات الترحيل الجماعي في تقليص عرض العمالة، ما انعكس سلباً على الطلب الكلي والإنفاق. ويقدّر اقتصاديون أن النمو المحدود في قوة العمل يعني أن أقل من 50 ألف وظيفة شهرياً قد يكون كافياً لمواكبة نمو السكان في سن العمل، بل قد تنخفض هذه العتبة إلى الصفر أو ما دونه في بعض التقديرات.

وحذّر اقتصاديون في بنك «جي بي مورغان» من أن تسجيل قراءات سلبية للوظائف قد يصبح أكثر تكراراً، حتى في حال استمرار نمو التوظيف بوتيرة تكفي لاستقرار معدل البطالة، مرجحين أن تظهر هذه القراءات في ما لا يقل عن ثلث الأشهر.

ورغم أن بيانات مارس قد لا تعكس بعد التأثير الكامل للصراع في الشرق الأوسط، يتوقع بعض المحللين أن تتضح التداعيات بشكل أكبر في تقرير أبريل (نيسان)، خصوصاً مع تجاوز متوسط أسعار البنزين مستوى 4 دولارات للغالون لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات. ومن شأن ذلك أن يُعزز الضغوط التضخمية، ويضعف القدرة الشرائية للأسر، ما قد يبطئ نمو الأجور والإنفاق.

وتسببت الحرب أيضاً في خسائر تُقدّر بنحو 3.2 تريليون دولار في أسواق الأسهم خلال مارس، في وقت تعهّد فيه ترمب بتكثيف الضربات على إيران.

ومن غير المرجح أن يغيّر تقرير التوظيف لشهر مارس توقعات السياسة النقدية، في ظل استمرار تأثير اضطرابات سلاسل التوريد. وقد تراجعت رهانات خفض أسعار الفائدة هذا العام بشكل ملحوظ، فيما أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة خلال اجتماعه الأخير.