حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
TT

حرب ناغورنو كاراباخ... على جبهات الذهب والنفط والتجارة

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تُظهر جندياً من قوة حفظ السلام الروسية يُجلي مدنيين في مكان لم يُكشف عنه في ناغورنو كاراباخ (إ.ب.أ)

يعيد التوتر الراهن في ناغورنو كاراباخ إلى الواجهة خلفيات الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على الإقليم، الذي يمتد إلى عقود سابقة. إذ يعد ناغورنو كاراباخ من أبرز النقاط الساخنة في النزاعات الإقليمية في منطقة القوقاز التي تمتد على طول الحدود بين أرمينيا وأذربيجان،وشهد على مدى العقود الثلاثة الماضية نزاعات مستمرة كان للدوافع الاقتصادية الدور الأكبر في تصاعدها.

الأزمة بدأت بحرب ناغورنو كاراباخ الأولى (1988 - 1994)، عندما خسرت أذربيجان الإقليم ذا الغالبية الأرمنية والمناطق المحيطة به، ولم تنتهِ إلا بعد الحرب الأخيرة في عام 2020، التي أعقبها اتفاق سلام ضمَّ كلاً من أذربيجان وأرمينيا وتركيا وروسيا.

لكنّ المصالح الاقتصادية تلعب دوراً كبيراً في الصراع في ناغورنو كاراباخ، بل تُشكل نقطة انطلاق في توجيه مواقف الدول تجاه هذا الصراع، لا سيما في ما يتعلق بالموارد الطبيعية والمعدنية الثمينة التي تُعد مصدراً مهماً للإيرادات، فضلاً عن أن منطقة ناغورنو كاراباخ تعد ممراً حيوياً للنقل والتجارة بين أرمينيا وأذربيجان والدول المجاورة، بحيث تمر عبرها طرق حيوية تربط الدول القوقازية بروسيا وإيران وتركيا، مما يعني أن سيطرة أحد الأطراف على هذه المناطق ستؤثر على حركة البضائع والتجارة بشكل كبير، الأمر الذي يعزز دور المنطقة كعامل اقتصادي حيوي.

مكاسب اقتصادية

لطالما كان إقليم ناغورنو كاراباخ موقعاً مهماً اقتصادياً لأذربيجان بسبب موارده الطبيعية. وقد حُرمت أذربيجان من الكثير من مناجم الذهب والنحاس، بما في ذلك فيغنالي، وسويودلو، وجيزيلبولاخ، ودميرلي، وجميعها تقع في المنطقة، علماً بأنه يتم استخراج طن من الذهب من المناجم سنوياً. على سبيل المثال، احتوى منجم سويودلو، الذي يقع 76 في المائة منه في أذربيجان والباقي في أرمينيا، على 120 طناً من الذهب الخالص في عام 2010، في حين كان الحد الأدنى لمحتواه المربح 0.8 غرام للطن. وهي أرقام واردة في دراسة لمعهد أطلس للشؤون الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، يعد بعض مناطق ناغورنو كاراباخ موطناً لكثير من مصادر المياه المهمة، إذ يتم سنوياً توليد نحو 25 في المائة من موارد المياه المحلية في أذربيجان في المنطقة. ووفقاً لوزارة الطاقة، تتمتع الأنهار الرئيسية في المنطقة (تارتارشاي، وهكاري، وبازارشاي) بإمكانات كبيرة للطاقة المائية. وتُعدّ محطة «تارتار» للطاقة الكهرومائية من المحطات الاستراتيجية في المنطقة، ويمكنها توليد 50 ميغاواط من الطاقة. وحسب التقديرات الحالية، تتمتع ناغورنو كاراباخ بإمكانات تتراوح بين 300 و500 ميغاوات من طاقة الرياح و3000 - 4000 ميغاوات من الطاقة الشمسية. كما أنها مليئة بالمياه الحرارية الأرضية واحتياطات الفحم، التي تستخدم أيضاً في توليد الطاقة، إذ تمتلك قرية شارداغلي وحدها 8.5 طن من احتياطي الفحم.

ومن بين شروط وقف إطلاق النار عام 2020 كانت أن توفر أرمينيا لأذربيجان ممراً إلى إقليم ناختشيفان، ذاتيّ الحكم التابع لأذربيجان والمنفصل عن بقية هذا البلد جغرافياً، ويتطلب الوصول إليه المرور إما عبر إيران وإما عبر أرمينيا. وكان من المفترض مد سكة حديد من أذربيجان إلى إقليم ناختشيفان عبر الأراضي الأرمينية وأن ينتهي بناؤه نهاية عام 2023.

وحسب معهد أطلس للشؤون الدولية، فإن لهذا المشروع فوائد كثيرة أبرزها خط سكة حديد جديد يربط بين أرمينيا وأذربيجان وتركيا، فضلاً عن تلقي ناختشيفان، التي كانت تشتري الغاز من إيران بعد عزلتها نتيجة للحرب الأولى، إمدادات غاز متواصلة مباشرة من تركيا عندما تنتهي أذربيجان وتركيا من بناء خط الأنابيب الجديد. وإلى جانب هذه الفوائد، من المتوقع أن تقوم أذربيجان بتنويع خطوط النقل الخاصة بها بسبب طرق التجارة الموسعة.

مصالح دول

نظراً لأهمية المنطقة، فإن الكثير من الدول المؤثرة والجهات الخارجية لها مصالح اقتصادية واستراتيجية في ناغورنو كاراباخ، وهو ما يعطي الصراع السائد اليوم بعداً أكثر تعقيداً. وعندما أعلنت الكثير من الدول بشكل مباشر وغير مباشر مواقفها من هذا الصراع، فإنها كشفت مصالحها الخاصة بأوجهها المتعددة. ولعلّ أبرزها وأهمها يتجلى في المصالح الاقتصادية التي شكّلت المحددات الرئيسية لهذه الدول.

تركيا

إلى جانب أرمينيا التي تستفيد من مناجم الذهب في الإقليم، فإن لتركيا مصالح استراتيجية في ناغورنو كاراباخ بسبب قربها الإقليمي من المنطقة وعلاقتها التاريخية مع أذربيجان، وهي تسعى دوماً إلى دعمها وتعزيز تأثيرها في المنطقة للحفاظ على الاستقرار وضمان وصول النفط والغاز الأذربيجانيين إلى الأسواق العالمية. وتشترك تركيا في الثقافات واللغات والمعتقدات الدينية ذاتها مع أذربيجان، إذ تنتمي كلتاهما إلى الدول التركية. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لدعم تركيا الصريح لها في جميع القضايا تقريباً، بما في ذلك صراع ناغورنو كاراباخ.

كما كان لدعم تركيا لأذربيجان جوانبه الاقتصادية، إذ تُمثل تركيا نحو 14 في المائة من صادرات أذربيجان و15 في المائة من وارداتها، وتُعد شريك عبور الطاقة الرئيسي إليها. وينقل خط أنابيب جنوب القوقاز الغاز من حقل «شاه دنيز» في أذربيجان إلى تركيا. ومن هناك، يُنقل إلى أوروبا بمساعدة خط أنابيب الغاز عبر الأناضول (TANAP) وخط الأنابيب عبر البحر الأدرياتيكي (TAP). كما يمر خط أنابيب «باكو - تبليسي - جيهان»، الذي يُستخدم لتصدير الجزء الأكبر من النفط المحلي الأذربيجاني، عبر تركيا، في حين يُشحن النفط المنقول عبر خط أنابيب التصدير الغربي «باكو - سوبسا» إلى أوروبا عبر مضيق البوسفور في تركيا.

وبالمثل، يربط خط السكة الحديد «باكو - تبليسي - قارس» بين البلدين وجورجيا، ومن المتوقع أن تكون لديه القدرة على نقل 17 مليون طن من البضائع. وقد اتفقت تركيا وأذربيجان بالفعل على بناء خط أنابيب جديد، وهو ما أصبح ممكناً بعد اتفاق ناغورنو كاراباخ. بالإضافة إلى ذلك، تزوّد تركيا أذربيجان بالأسلحة والمعدات العسكرية بموجب عدة اتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية 2009.

وحسب جمعية المصدرين الأتراك، بلغت قيمة صادرات معدات الدفاع والطيران بالدولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2020 وحده 123 مليون دولار، وهو أعلى بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة. واليوم، تعد تركيا أكبر مورّد للمعدات العسكرية إلى أذربيجان بعد إسرائيل وروسيا.

هذا وتعمل تركيا جسراً بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا وتقع بالقرب من 72 و73 في المائة من احتياطات الغاز والنفط في العالم، مما يعني أنها تربط البائعين بالمشترين. ومن المزايا الأخرى لتركيا أنها تتمتع وحدها بإمكان الوصول إلى منطقة البحر الأسود، مما يعني أن وصول روسيا إلى المنطقة يعتمد عليها. وعلى الرغم من ذلك، فإن تركيا نفسها تحتاج إلى الغاز، وهي ثاني أهم سوق لروسيا بعد ألمانيا، علما بأنه يتم نقل الغاز الروسي إلى تركيا عبر خط أنابيب عبر البلقان و«بلو ستريم». بالإضافة إلى ذلك، وقّعت الدول اتفاقيات لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والإخطار المبكر حول الحوادث النووية.

روسيا

أما روسيا، فتلعب دوراً كبيراً في المنطقة بسبب وجود قواعد عسكرية في أرمينيا وعلاقاتها الوثيقة مع الأرمن، وفي الوقت نفسه لها مصلحة في الحفاظ على التوازن بين الأطراف المتصارعة وعدم تصاعد الصراع إلى نزاع إقليمي - جيوسياسي، لا سيما أنها تخوض اليوم حرباً شرسة مع أوكرانيا.

تعد روسيا أيضاً أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لأذربيجان وأرمينيا، وهي من بين أكبر شركاء التصدير والاستيراد لكلا البلدين. لدى روسيا أيضاً شراكة عبور مع أذربيجان، بحيث ينقل خط أنابيب النفط «باكو - نوفوروسيسك» النفط من محطة «سانغاشال» القريبة من باكو إلى ميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود. إلا أن أذربيجان تعد منافساً لروسيا في نظر الكثير من المحللين، إذ تكاد تكون أذربيجان هي الطريق الوحيدة أمام أوروبا للحصول على النفط والغاز في بحر قزوين دون التعامل مع روسيا. وهذا هو السبب الرئيسي وراء موافقة المفوضية الأوروبية ودعمها لمشاريع خطوط الأنابيب الجديدة في أذربيجان، وربما كان للتنافس بين الاثنين دور في موقف روسيا تجاه أذربيجان. ووفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تُعدّ روسيا المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي المباشر إلى أذربيجان، حيث تستثمر روسيا في قطاعات الزراعة والخدمات وتكنولوجيا المعلومات والبناء والخدمات المصرفية وغيرها من القطاعات في أذربيجان. وبالمثل، يدرج التقرير نفسه روسيا بوصفها أحد المصادر الرئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في أرمينيا.

تفسر العلاقات بين روسيا وكلا طرفي الصراع جزئياً السبب الذي يجعل البلاد لا تدعم أياً من الجانبين علناً، وقد تفسر أيضاً تحفّظ روسيا في أثناء الحرب الأخيرة.

الاتحاد الأوروبي

يمتلك الكثير من الدول الأوروبية مصالح في استقرار القوقاز ومنطقة ناغورنو كاراباخ، بحيث يسعى الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية الأخرى إلى دعم حل سلمي للنزاع والمساهمة في التنمية الاقتصادية في المنطقة. ومن منظور اقتصادي، يمكن تفسير ذلك بأهمية طرفَي الصراع بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. إذ إن سياسة الجوار الأوروبية تغطي كلاً من أرمينيا وأذربيجان. كما أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق تصدير لأرمينيا، مما يعني أن علاقاتهما التجارية قد تكون عاملاً يمنع الاتحاد الأوروبي من التوجه مباشرةً ضد أرمينيا. بالإضافة إلى ذلك، لتجنب الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بناء علاقات جيدة مع أذربيجان. وربما تفسر الأهمية المتساوية تقريباً لكلا البلدين عدم قيام الاتحاد وغيره من البلدان المماثلة بدعم أو انتقاد أيٍّ من جانبَي الصراع على الفور.

إسرائيل

تهتم بتعزيز العلاقات مع أذربيجان بسبب العلاقات الثنائية في مجال الأمن والتكنولوجيا والتعاون في مجال الطاقة، واحتمال تصدير النفط والغاز الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية. فمنذ حرب كاراباخ الأولى، بقيت إسرائيل تدعم أذربيجان، على الرغم من أنها لم تُعرب عن دعمها رسمياً. وقد وجد الكثيرون ذلك مفاجئاً للغاية نظراً إلى أن البلدين ظهرا غير مرتبطين وكانت لهما تركيبات عرقية ودينية مختلفة. ومع ذلك، لإسرائيل مصالح اقتصادية وسياسية في أذربيجان أولها بيع إسرائيل الأسلحة إلى أذربيجان. ووفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استحوذت إسرائيل على 61 في المائة من واردات الأسلحة الأذربيجانية في الفترة 2015 – 2019، أي ضعف الأرقام في الفترة 2013 – 2017، وفور انتهاء الحرب الأخيرة، أرسلت إسرائيل مساعدات إنسانية إلى أذربيجان.

ويتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة أيضاً، إذ بلغ حجم الصادرات من أذربيجان أكثر من 1.3 مليار دولار عام 2019، كما يتمتع البلدان بعلاقات تجارية جيدة، حيث وصل حجم الصادرات من أذربيجان إلى أكثر من 1.3 مليار دولار في عام 2019.


مقالات ذات صلة

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

الاقتصاد مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

ارتفعت أسعار النفط، يوم الخميس، معوضةً بعض خسائر اليوم السابق، مع إعادة المستثمرين النظر في آفاق خفض التصعيد في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مخازن نفطية في مقاطعة تشيبا اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تكثف تحركاتها لتأمين الطاقة وسط مخاطر حرب إيران

تسارعت التحركات اليابانية لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

أظهر محضر اجتماع شهر يناير أن عدداً من صانعي السياسة النقدية ببنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً

«الشرق الأوسط» (عواصم)

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)
مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)
TT

النفط يرتفع مجدداً مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق وقف إطلاق النار بالشرق الأوسط

مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)
مصفاة نفط في منطقة كيهين الصناعية في كاواساكي بجنوب طوكيو (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط، يوم الخميس، معوضةً بعض خسائر اليوم السابق، مع إعادة المستثمرين النظر في آفاق خفض التصعيد في الشرق الأوسط، في حين صرّحت إيران بأنها لا تزال تراجع مقترحاً أميركياً لإنهاء الحرب التي أدت إلى تعطيل تدفقات الطاقة.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 1.13 دولار، أو 1.1 في المائة، لتصل إلى 103.35 دولار للبرميل بحلول الساعة 00:51 بتوقيت غرينتش، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.08 دولار، أو 1.2 في المائة، لتصل إلى 91.40 دولار للبرميل.

وانخفض المؤشران الرئيسيان بأكثر من 2 في المائة، يوم الأربعاء.

وعلى الرغم من مراجعة المقترح، صرّح وزير الخارجية الإيراني، الأربعاء، بأن إيران لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الصراع المتفاقم في الشرق الأوسط.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيُشدد العقوبات على إيران إذا لم تُقر طهران بهزيمتها العسكرية.

وقال تسويوشي أوينو، كبير الاقتصاديين في معهد أبحاث «إن إل آي»: «تضاءل التفاؤل بشأن وقف إطلاق النار». وأضاف أن المعايير التي وضعتها واشنطن تبدو مرتفعة، مما يجعل أسعار النفط عرضة لمزيد من التقلبات تبعاً للمفاوضات والعمليات العسكرية من كلا الجانبين.

ويتضمن اقتراح ترمب المكون من 15 بنداً، والذي أُرسل عبر باكستان، إزالة مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ووقف التخصيب، وكبح برنامجها للصواريخ الباليستية، وقطع التمويل عن حلفائها الإقليميين، وذلك وفقاً لثلاثة مصادر في الحكومة الإسرائيلية مطلعة على الخطة.

وقد أدى النزاع إلى توقف شبه تام للشحنات عبر مضيق هرمز، الذي ينقل عادةً نحو خُمس إمدادات العالم من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية هذا الاضطراب بأنه الأكبر في تاريخ إمدادات النفط.

الهند تشتري أول شحنة إيرانية من الغاز

في غضون ذلك، اشترت الهند أول شحنة لها من الغاز البترولي المسال الإيراني منذ سنوات، بعد أن رفعت الولايات المتحدة مؤقتاً العقوبات المفروضة على النفط والوقود المكرر الإيراني، بحسب مصادر.

وطلبت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، من رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، خلال محادثات جرت، الأربعاء، الإفراج المنسق عن مخزونات النفط الإضافية، في محاولة من طوكيو للتحوط من صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط.

وأفاد ثلاثة مسؤولين عراقيين في قطاع الطاقة، الأربعاء، بتراجع حاد في إنتاج النفط العراقي، حيث وصلت خزانات النفط إلى مستويات عالية وحرجة.

ومما يزيد من المخاوف بشأن الإمدادات، توقف ما لا يقل عن 40 في المائة من طاقة تصدير النفط الروسية، وذلك في أعقاب هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية، وهجوم مثير للجدل على خط أنابيب رئيسي، واحتجاز ناقلات نفط، وفقاً لحسابات «رويترز» استناداً إلى بيانات السوق.

وفي هذا الوقت، ارتفعت مخزونات النفط الخام الأميركية بمقدار 6.9 مليون برميل لتصل إلى 456.2 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 مارس (آذار)، وهو أعلى مستوى لها منذ يونيو (حزيران) 2024، متجاوزةً بذلك توقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، والتي أشارت إلى زيادة قدرها 477 ألف برميل.


مخاوف عرقلة سلاسل الإمداد تجعل «الأمن الغذائي» أولوية مصرية

جولات تفتيشية لضمان توفر المحاصيل والسلع الغذائية في مصر (وزارة التموين)
جولات تفتيشية لضمان توفر المحاصيل والسلع الغذائية في مصر (وزارة التموين)
TT

مخاوف عرقلة سلاسل الإمداد تجعل «الأمن الغذائي» أولوية مصرية

جولات تفتيشية لضمان توفر المحاصيل والسلع الغذائية في مصر (وزارة التموين)
جولات تفتيشية لضمان توفر المحاصيل والسلع الغذائية في مصر (وزارة التموين)

تعددت الاجتماعات والتوجيهات الحكومية للحفاظ على مخزون استراتيجي للسلع الأساسية في مصر بعد نحو شهر على بدء الحرب الإيرانية، وفي ظل مخاوف متصاعدة من عرقلة سلاسل الإمداد، وتوالي التحذيرات المصرية من تداعيات وخيمة على الاقتصاد جراء استمرار الحرب، مما يجعل تحقيق الأمن الغذائي أولوية للحكومة المصرية، حسبما أكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، اجتماعاً مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء، شدد خلاله على ضرورة «حماية الاقتصاد المصري من آثار التجارة الدولية الضارة، وضمان استقرار سلاسل الإنتاج، مع توفير مستويات آمنة من الاحتياطيات من النقد الأجنبي لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الأساسية ومستحضرات الإنتاج للمصانع».

وقبل ساعات من الاجتماع الرئاسي، ترأس مدبولي اجتماع «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات»، لمتابعة مستجدات وتداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة. وحسب المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء المصري، المستشار محمد الحمصاني، فإن «الاجتماع شهد تأكيد استمرار التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لضمان الحفاظ على استقرار الأسواق وبقاء المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية عند مستوياتها الحالية الآمنة».

غرفة أزمات

ومنذ اليوم الأول للحرب فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» لضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية، فيما أكدت مراراً أن «مخزون السلع الأساسية متوافر بشكل آمن ويكفي عدة شهور، مع استمرار ضخ السلع إلى الأسواق».

وتتوجس الحكومة المصرية من زيادة معدلات الاستهلاك مع حاجتها لتوفير الغذاء لنحو 118 مليون شخص على أراضيها، حيث يبلغ عدد سكان مصر بالداخل نحو 108.25 مليون نسمة، وفقاً لبيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في أكتوبر (تشرين الأول) 2025. كما أنها تستضيف نحو 9 ملايين أجنبي ومهاجر من 133 دولة، بينهم لاجئون، «وفقاً لتقديرات المنظمة الدولية للهجرة».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوجه بتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من السلع الرئيسية (الرئاسة المصرية)

رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» محمود العسقلاني، أكد أن منطقة الشرق الأوسط تعد محوراً لوجيستياً لحركة التجارة العالمية، وأن استمرار الحرب واحتمالات توسعها يجعل هناك رغبة في التأكيد المستمر على توفر السلع الاستراتيجية وضمان ضخها في الأسواق، مشيراً إلى أن الاستعدادات المصرية التي تم اتخاذها قبل أزمة كورونا وتمثلت في التوسع بالصوب الزراعية واستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية تسهم في تقليص فجوات الأمن الغذائي وضمان توفير السلع الأساسية.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تعتمد على الدول المجاورة في سلاسل الإمداد عبر الطرق البرية بعيداً عن الاضطرابات التي قد تحدث في البحر الأحمر، وهناك تبادل تجاري مع السودان لتوفير احتياجات كلا البلدين إلى جانب تبادل مماثل مع الأردن.

تراجع الاستهلاك

وما يقلص إمكانية حدوث أزمات غذائية في مصر أيضاً، أن استهلاك المصريين خلال شهر رمضان المنقضي تراجع ولم يكن بنفس المعدلات المرتفعة خلال السنوات الماضية، حسب العسقلاني، الذي فسَّر ذلك بتراجع القدرة الشرائية والاتجاه نحو تلبية احتياجات أكثر أهمية للمواطنين، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن تقوم الحكومة بإعادة سياساتها الزراعية نحو التوسع في زراعة محاصيل استراتيجية يزداد الطلب عليها محلياً، وفي مقدمتها القمح.

وهذا ما أكده المتحدث باسم وزارة الزراعة المصرية خالد جاد، الذي أشار إلى أن الحكومة تستهدف رفع كميات توريد القمح من المزارعين خلال الموسم الحالي لتصل إلى نحو 5 ملايين طن بعد أن وصل في الموسم الماضي إلى 3.8 مليون طن، إلى جانب زيادة حصيلة إنتاج القمح المحلي بنحو 10 ملايين طن لأول مرة الموسم المقبل، وذلك ضمن خطة لتقليص الواردات.

حرص حكومي على توفير السلع الأساسية وتوفر المخزون الاستراتيجي (وزارة التموين)

تعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وبلغ إجمالي وارداته خلال 2025 نحو 12.3 مليون طن، مقارنةً بنحو 14.1 مليون طن خلال العام الذي سبقه، وهو أعلى مستوى واردات تاريخي سجلته مصر لواردات القمح. وانخفضت واردات الحكومة في العام الماضي بنحو مليوني طن لتسجل 4.5 مليون طن مقابل 6.5 مليون طن خلال العام الذي سبقه بنسبة تراجع بلغت 30.7 في المائة.

مخاوف من تأثر سلاسل الإمداد

وأشار نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، إلى أن مخاوف الحكومة المصرية من حدوث تأثيرات سلبية في سلاسل الإمداد يعود إلى أأن الحبوب المستوردة قد تتعرض لصعوبات تعرقل وصولها إلى المواني المصرية، والأمر لا يقتصر على الحبوب فقط ولكن قد يطول صناعة اللحوم والألبان بسبب تأثر منظومة الإنتاج الحيواني التي تعتمد بشكل كبير على الأعلاف المستوردة مثل الذرة وفول الصويا.

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن توالي الأزمات الدولية جعل «الأمن الغذائي» أولوية قصوى للحكومة المصرية بخاصة مع اعتمادها بشكل كبير على استيراد احتياجاتها من الخارج، وأن التركيز انصبَّ خلال السنوات الماضية على توفير القمح المحلي والدفع نحو التوسع في زراعته رأسياً من خلال استنباط أصناف جديدة ورفع مستوى إنتاجية الفدان الواحد.

وكشف عن تحرك حكومي لعقد اجتماعات مستمرة مع الفلاحين والمزارعين، للاتفاق على المساحات المزروعة من السلع الاستراتيجية، وكذلك لضبط الأسعار وعدم استغلال الأحداث الدولية لزيادة أسعار المحاصيل، إلى جانب ترشيد استخدام المنتجات المهمة لا سيما القمح وضمان توزيعه على صوامع التخزين لضمان توفير الخبز بجميع أنواعه في جميع الأوقات وضمان وصول المواطنين إليه بسهولة.


أميركا تواصل زيادة مخزوناتها من النفط بشكل حاد

صهاريج لتخزين النفط الخام في كوشينغ بولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في كوشينغ بولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تواصل زيادة مخزوناتها من النفط بشكل حاد

صهاريج لتخزين النفط الخام في كوشينغ بولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في كوشينغ بولاية أوكلاهوما الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات البنزين خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 6.9 مليون برميل لتصل إلى 456.2 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 20 مارس (آذار)، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز»، التي أشارت إلى ارتفاع قدره 477 ألف برميل.

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما، مركز التوزيع، ارتفعت بمقدار 3.4 مليون برميل خلال الأسبوع.

كما ذكرت الإدارة أن معدلات تشغيل المصافي للنفط الخام ارتفعت بمقدار 366 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع. وارتفعت معدلات استخدام المصافي بنسبة 1.5 نقطة مئوية خلال الأسبوع.

وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 2.6 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، لتصل إلى 241.4 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين بانخفاض قدره 2.1 مليون برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 3 ملايين برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 119.9 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 1.3 مليون برميل.

وأضافت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 846 ألف برميل يومياً.