خطوة السعودية للانضمام لـ«بريكس» تمنحها توسعاً أكبر في الاقتصاد

تستعد للانضمام كمراقب... واقتصاديون يؤكدون زيادة قدرات المملكة في التجمعات العالمية

صورة لبنك التنمية الجديد (إن دي بي) لدول البريكس في مقره الرئيسي في شنغهاي، الصين
(رويترز)
صورة لبنك التنمية الجديد (إن دي بي) لدول البريكس في مقره الرئيسي في شنغهاي، الصين (رويترز)
TT

خطوة السعودية للانضمام لـ«بريكس» تمنحها توسعاً أكبر في الاقتصاد

صورة لبنك التنمية الجديد (إن دي بي) لدول البريكس في مقره الرئيسي في شنغهاي، الصين
(رويترز)
صورة لبنك التنمية الجديد (إن دي بي) لدول البريكس في مقره الرئيسي في شنغهاي، الصين (رويترز)

شدد محللون اقتصاديون على أن خطوة السعودية المتوقعة في الانضمام إلى مجموعة «بريكس» بصفة مراقب خلال اجتماع المجموعة في أغسطس (آب) المقبل، ستمنحها القدرة على المشاركة في بعض أنشطة المجموعة الاقتصادية، وتعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية، وتأكيد الموقف السعودي في الانفتاح على الجميع والداعم لاستقرار الاقتصاد العالمي وإدارة علاقاتها الاقتصادية بحكمة وتوازن.

انفتاح السعودية

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمد مكني أستاذ المالية والاستثمار في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالسعودية، إن المجموعة تسعى منذ نشأتها إلى تغيير اتجاه القوة الاقتصادية من اتجاه واحد إلى اتجاهات عدة، وتمتلك أهمية كبيرة في تشكيلها لنحو 41 في المائة من إجمالي سكان العالم، و29 في المائة من مساحة العالم، وكذلك وجود أعضائها ضمن مجموعة العشرين والتي تمثل أكبر 20 اقتصاداً نمواً في العالم.

أضاف أن انضمام السعودية سيفتح أمام اقتصاد المملكة والأسواق الخليجية مسارات جديدة وفرصا كبيرة في التوسع، وسيزيد من الاستقرار الاقتصادي عالمياً، كما ستكون السعودية لاعباً مهماً جداً بين دول المجموعة خصوصاً في تجارة النفط والغاز والتي تشكل 30 في المائة من الصادرات السعودية للأسواق العالمية.

وأضاف الدكتور مكني أن السعودية منفتحة على الجميع ولا تقتصر سياساتها على الاتجاه نحو الغرب، كما سبق أن انضمت في مارس (آذار) الماضي إلى منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي والأمني، لافتاً إلى أن ذلك لن يؤثر على علاقات الرياض القوية مع واشنطن وبقية دول الغرب، وهو ما يؤكد قوة ومتانة الاقتصاد السعودي وما تتمتع به المملكة من قدرة وحكمة في إدارة علاقاتها مع الجميع والتوازن في مصالحها من أجل تحقيق الأهداف الاستراتيجية لرؤية 2030.

إعادة تشكيل القوى الاقتصادية

وزاد الدكتور مكني، أن هذا الانضمام سيعطي وهجاً جديداً لاقتصادات دول المنظومة في ظل ما يعيشه الاقتصاد العالمي من أزمات وإعادة تشكيلٍ للقوى الاقتصادية، كما سيفتح المجال أمام دول المجموعة لدخول أسواق منطقة الخليج، خصوصاً مع الحاجة الملحة لأكبر اقتصادين في المجموعة، الصين والهند، لأسواق الطاقة الخليجية، من أجل الاستمرار في النمو والتوجه نحو صدارة الاقتصاد العالمي.

أهمية المجموعة

من جهته، أكّد الدكتور محمد بن دليم القحطاني أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك فيصل، خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أهمية وجود السعودية بصفة مراقب ضمن المجموعة، إلا أنه قلّل من تأثيرها أو إضافتها الكبيرة للاقتصاد السعودي، وكذلك قدرة المجموعة على كسر هيمنة الدولار الأميركي. وعزا ذلك إلى عدة أسباب أوجزها بقوة العملة الأميركية وارتباط أغلب العملات العالمية كاليورو والين والريال بالدولار، وكذلك السيطرة النقدية للدولار على احتياطيات البنوك المركزية العالمية، وامتلاك الحكومة الأميركية لمخزون من الذهب يوازي ما تمتلكه جميع دول العالم، بالإضافة إلى أن أكبر 500 شركة في العالم، ثلثها شركات أميركية، وكذلك استثمار أكبر البلدان اقتصاداً في السوق والسندات الأميركية ومنها الصين واليابان والسعودية.

أضاف أن السعودية لديها اتفاقيات ثنائية اقتصادية مع أغلب دول مجموعة «بريكس»، كل على حدة، بالإضافة إلى قوة علاقات السعودية بتلك الدول، كما أن اقتصاداتها تُعد ناشئة غير ناضجة وليست متقدمة، وتعاني دولها من كثافة سكانية كبيرة، لافتاً إلى أن تلك العوامل تقلل من العوائد الاقتصادية المتوقعة على الاقتصاد السعودي.

إعادة هيكلة

ودعا الدكتور القحطاني السعودية إلى إعادة هيكلة منظمة «أوبك» لتصبح منظمة تختص بكافة أشكال الطاقة، وتوسيعها لتشمل مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأزرق والطاقة الخضراء وطاقة البحار وطاقة الشمس، وفتح المجال لانضمام الدول المهتمة والمتقدمة في هذه المجالات كاليابان وإسبانيا وغيرها من الدول، وكذلك العمل على نقل مقر المنظمة إلى إحدى المدن السعودية كالرياض أو نيوم، على أن تتم بلورة الفكرة مع اكتمال الرؤية السعودية في العام 2030.

«بريكس»

يشار إلى أن مجموعة دول «البريكس» تكتل اقتصادي عالمي يضم دول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا. وتشكل كلمة «بريكس» (BRICS) بالإنجليزية اختصار الحروف الأولى لأسماء تلك الدول، كما تترأس جنوب أفريقيا الدورة الحالية للمجموعة، حيث تستضيف خلال الفترة من 22 إلى 24 أغسطس (آب) المقبل القمة الـ15 لهذه الدول.

وفي تصريحات أدلى بها مندوب جنوب أفريقيا في المجموعة أنيل سوكلال الأسبوع الماضي لوكالة الصحافة الفرنسية، قال إن «22 دولة تواصلت رسمياً مع دول بريكس لتصبح عضواً بشكل كامل، وهناك عدد مماثل من الدول التي سألت على نحو غير رسمي عن الانضمام للمجموعة».

وبدأت فكرة تأسيس المجموعة في سبتمبر (أيلول) 2006 حينما عُقد أول اجتماع وزاري لوزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين على هامش أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتم إطلاق مجموعة «بريكس» رسمياً عام 2009.

وتشكل دول المجموعة مجتمعة نحو 40 في المائة من مساحة العالم، ويعيش فيها أكثر من 40 في المائة من سكان الأرض، كما تضم أكبر 5 دول مساحة في العالم وأكثرها كثافة سكانية.

وتهدف إلى أن تصبح قوة اقتصادية عالمية قادرة على منافسة «مجموعة السبع» (جي 7) التي تستحوذ على 60 في المائة من الثروة العالمية، وقد وصلت مساهمة مجموعة بريكس في الاقتصاد العالمي إلى 31.5 في المائة، بينما توقفت مساهمة مجموعة السبع عند 30.7 في المائة.


مقالات ذات صلة

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

ارتفاع مبيعات التجزئة الأميركية في أبريل مدفوعاً بتضخم الطاقة الناجم عن الحرب

شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مبيعات التجزئة الأميركية في أبريل مدفوعاً بتضخم الطاقة الناجم عن الحرب

شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)
شخص يتفقد الملابس داخل متجر في مركز وودبري كومون بريميوم أوتلتس بمدينة سنترال فالي بنيويورك (رويترز)

ارتفعت مبيعات التجزئة الأميركية مجدداً في أبريل (نيسان)، إلا أن جزءاً من هذا الارتفاع يُرجّح أنه ناتج عن تسارع التضخم، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأخرى بفعل الحرب مع إيران.

وأعلن مكتب الإحصاء التابع لوزارة التجارة الأميركية، يوم الخميس، أن مبيعات التجزئة ارتفعت بنسبة 0.5 في المائة الشهر الماضي، بعد زيادة معدّلة بالخفض بلغت 1.6 في المائة في مارس (آذار). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع المبيعات، التي تشمل في معظمها السلع ولا تُعدّل وفقاً للتضخم، بنسبة 0.5 في المائة، بعد قراءة سابقة أظهرت زيادة قدرها 1.7 في المائة في مارس.

ويُسهم الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في زيادة الضغوط التضخمية. وكانت الحكومة قد أفادت هذا الأسبوع بأن أسعار المستهلكين ارتفعت بقوة للشهر الثاني على التوالي في أبريل، مسجلة أعلى وتيرة سنوية منذ ثلاث سنوات.

كما أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 12.3 في المائة خلال أبريل.

ولم يؤثر ارتفاع أسعار الوقود حتى الآن بشكل ملموس على الإنفاق في القطاعات الأخرى، مدعوماً بزيادة المبالغ المستردة من الضرائب هذا العام. ووفقاً لبيانات مصلحة الضرائب الأميركية، ارتفع متوسط المبالغ المستردة بنحو 323 دولاراً حتى 25 أبريل مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

غير أن هذا الدعم المالي بدأ بالتراجع تدريجياً.

وقال اقتصاديون في بنك «بنك بي إن سي فاينانشال» إن تحليلاً لبيانات داخلية أظهر أن «المستهلكين يسحبون المبالغ المستردة من الضرائب بوتيرة أسرع مقارنة بالعام الماضي، خصوصاً بين الأسر ذات الدخل المنخفض»، مضيفين أنهم يلاحظون «تراجعاً في استخدام هذه الأموال لسداد ديون بطاقات الائتمان وغيرها من الالتزامات».

ويخصص المستهلكون من ذوي الدخل المنخفض حصة أكبر من إنفاقهم للبنزين مقارنة بالأسر الأعلى دخلاً. ومع تراجع ثقة المستهلكين إلى مستويات قياسية منخفضة في أوائل مايو (أيار)، وتجاوز التضخم نمو الأجور للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، تزداد المخاوف من تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي بشكل ملحوظ خلال العام الحالي.

وارتفعت مبيعات التجزئة الأساسية، التي تستثني السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، بنسبة 0.5 في المائة في أبريل، بعد تعديل قراءة مارس بالرفع إلى 0.8 في المائة. وتُعد هذه الفئة الأكثر ارتباطاً بمكوّن الإنفاق الاستهلاكي في الناتج المحلي الإجمالي، وكانت البيانات السابقة قد أشارت إلى نموها بنسبة 0.7 في المائة في مارس.

وسجل الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي الاقتصاد الأميركي، نمواً سنوياً بنسبة 1.6 في المائة في الربع الأول، مقارنة بـ1.9 في المائة في الربع الرابع من العام الماضي، كما جاء أقل بكثير من معدل النمو البالغ 3.5 في المائة المسجل في الربع الثالث من عام 2025.


السعودية تكسر موجة التضخم العالمي بـ«مظلة» العقارات

إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
TT

السعودية تكسر موجة التضخم العالمي بـ«مظلة» العقارات

إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)
إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)

في وقت يُصارع الاقتصاد العالمي أمواجاً عاتية من الضغوط السعرية المرتفعة بفعل حرب إيران وتعطل مضيق هرمز، نجحت السعودية في رسم مسارٍ مغاير؛ حيث واصلت معدلات التضخم تباطؤها لتستقر عند مستويات من بين الأدنى عالمياً، مدعومةً باستقرار الإيجارات من جهة وبالإجراءات التنظيمية المحقِّقة للتوازن بين العرض والطلب من جهة أخرى.

هذا الأداء أتى انعكاساً لفاعلية التدابير الاستباقية التي اتخذتها الحكومة، والسياسات المالية والنقدية التي نجحت في عزل السوق المحلية عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

وقد أظهرت أحدث البيانات الإحصائية هذا المسار الهبوطي لمعدل التضخم الذي تباطأ في شهر أبريل (نيسان) إلى 1.7 في المائة، على أساس سنوي وفق «الهيئة العامة للإحصاء».

وتتوقع وزارة المالية أن يتباطأ التضخم في المملكة في عام 2026 إلى حدود 2 في المائة مقارنة مع 2.3 في المائة في 2025.

وجاء هذا التباطؤ مدعوماً بتسجيل وتيرة أبطأ لارتفاع تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.8 في المائة، مقارنة بمستوياتها السابقة.

كذلك، يُشير استقرار الإيجارات الفعلية للمساكن عند 4.8 في المائة للشهر الثاني على التوالي، إلا أن السوق بدأت بالفعل استيعاب التدابير التنظيمية، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحاً في الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كانت المملكة قد دخلت فعلياً مرحلة كبح الإيجارات المستدامة.

ويرى الخبراء أن هذا الاستقرار يفتح المجال في الفترة المقبلة لمزيد من التراجع، خصوصاً مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة والهادفة إلى رفع كفاءة المنظومة العقارية، وتحقيق توازن بين العرض والطلب.

فمن المتوقع أن تُسهم هذه الرسوم في زيادة المعروض العقاري، ما سينعكس بدوره على انخفاض الأسعار وتراجعها على المستوى العام في المملكة، بما يعزز مكانتها بوصفها أحد أكثر اقتصادات مجموعة العشرين قدرةً على كبح الضغوط السعرية.

ومن المعلوم أن الحكومة كثفت، ولا تزال، جهودها لخفض أسعار العقارات في الفترة الماضية، بتوجيه من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتنفيذ عدد من الإجراءات في هذا الشأن وتحقيق التوازن في القطاع العقاري، بعد أن شهدت المنظومة -وتحديداً في العاصمة الرياض- موجة ارتفاع في أسعار الأراضي والإيجارات خلال الأعوام الأخيرة.

تفاصيل البيانات

وقد تباطأ نمو أسعار مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود (ثاني أكثر المجموعات تأثيراً في التضخم) إلى 3.8 في المائة خلال أبريل، على أساس سنوي، مقارنة مع 3.9 في المائة في مارس (آذار)، ليُسجل أدنى معدل زيادة منذ بداية العام الحالي.

كما استقر تضخم الإيجارات الفعلية للمساكن للشهر الثاني على التوالي عند 4.8 في المائة، وهو أيضاً أقل معدل ارتفاع منذ مطلع 2026.

المقارنة الشهرية

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 في المائة مقارنة مع مارس، نتيجة زيادة أسعار الأغذية والمشروبات والسكن والطاقة. وفي المقابل، أسهم استقرار أسعار النقل وتراجع بعض بنود الأثاث والملابس في الحد من تسارع التضخم، ما أبقى المعدلات ضمن مستويات معتدلة مقارنة بالأسواق الإقليمية والعالمية.

العاصمة السعودية الرياض (واس)

في المقابل، تسارع نمو أسعار الأغذية والمشروبات (أكبر المجموعات وزناً في سلة أسعار المستهلكين) إلى 0.6 في المائة خلال أبريل مقارنة مع 0.3 في المائة في مارس، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأغذية بشكل رئيسي.

كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، إلا أن ذلك يُمثل تباطؤاً مقارنة بالشهر السابق، ويُعدّ ثاني أقل معدل زيادة منذ بداية العام تقريباً، ما أسهم في الحد من تسارع التضخم الكلي.

وفي هذا الإطار، أكد مختصون عقاريون لـ«الشرق الأوسط»، أن تحركات الحكومة فيما يخص المنظومة العقارية ستُسهم في تراجع الأسعار التي بدورها ستخفض التضخم في السعودية خلال المرحلة المقبلة تدريجياً، مبينين أن مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، تعد من المجموعات ذات الوزن الكبير المؤثر على المعدل.

الحد من الاحتكار

وردّ المستشار، أستاذ القانون التجاري الدولي، الدكتور أسامة بن غانم العبيدي لـ«الشرق الأوسط»، التباطؤ إلى استقرار إيجارات السكن خصوصاً مع اعتماد لائحة رسوم العقارات الشاغرة التي تفرض رسوماً سنوياً تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى.

وأوضح أن اللائحة التنفيذية ستحفز الملّاك على استغلال عقاراتهم الشاغرة وعرضها في السوق، ما يؤدي إلى زيادة المعروض، ومن ثم إلى خفض أسعار الإيجارات التي بدورها سوف تؤثر على معدل التضخم العقاري نتيجة تحقيق التوازن بين العرض والطلب.

وأشار إلى أن اللائحة الجديدة جاءت بعد سلسلة من الإجراءات الحكومية من خلال فرض رسوم على الأراضي البيضاء، وتنظيم الأراضي غير المطورة، إلى جانب تثبيت الإيجارات لمدة 5 سنوات؛ إضافة إلى تطوير مشروعات سكنية واسعة، وتحفيز المطورين على زيادة المعروض العقاري في مسعى لتحقيق توازن أكثر استدامة بين العرض والطلب، ما سيؤدي لزيادة خفض التضخم العقاري، ومن ثم تراجع معدل التضخم بشكل عام.

أحد مشروعات وزارة البلديات والإسكان في السعودية (واس)

تراجع أكبر للإيجارات

بدوره، ذكر المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، أن تباطؤ معدل التضخم السنوي في السعودية جاء مدعوماً باستقرار مجموعة الإيجارات الفعلية للمساكن، مؤكداً أن التحركات الحكومية فيما يتعلق بالمنظومة العقارية أسهمت في تهدئة وتيرة ارتفاع تكاليف السكن.

وأضاف الشهري، أن هذا التراجع جاء بالتزامن مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة، بهدف تعزيز المعروض العقاري وتحفيز ملاك الوحدات غير المستغلة على ضخها في السوق، متوقعاً أن تسهم هذه الخطوة في نزول أكبر في أسعار الإيجارات خلال المرحلة المقبلة بشكل تدريجي، بعد تحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب، وبما يخفف الضغوط على أسعار الإيجارات، ويُعزز استقرار سوق الإسكان، الأمر الذي قد يدعم استمرار تباطؤ التضخم عند مستويات منخفضة مقارنة بعدد من الاقتصادات الإقليمية والعالمية.

وأوضح أن أسعار العقارات تُعد من المجموعات ذات التأثير الأكبر على التضخم، ومن ثم فإن تراجع المنظومة في المملكة بشكل عام يُسهم في انخفاض المعدل بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة.

في الختام، تُظهر البيانات والتحركات التشريعية المتسارعة أن المملكة لا تكتفي بمراقبة مؤشرات التضخم، بل تعمل بشكل استباقي على معالجة جذور التحديات السعرية، لا سيما في القطاع العقاري الذي يمس جودة حياة المواطن. ومع دخول اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة حيّز التنفيذ الفعلي، وتكاملها مع برامج الإسكان وزيادة المعروض، يبدو أن الاقتصاد السعودي يمضي بثبات نحو ترسيخ مرحلة من الاستقرار السعري المستدام؛ ما يُعزز جاذبية البيئة الاستثمارية، ويدعم قدرة الأسر على التخطيط المالي طويل الأمد.


تركيا: «المركزي» يعدل هدف التضخم بنهاية العام إلى 24 %

«البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)
«البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)
TT

تركيا: «المركزي» يعدل هدف التضخم بنهاية العام إلى 24 %

«البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)
«البنك المركزي التركي» (الموقع الرسمي)

رفع «البنك المركزي التركي» توقعاته للتضخم بنهاية العام الحالي إلى 26 في المائة، كما رفع معدل التضخم المستهدف من 16 إلى 24 في المائة على خلفية التطورات الناجمة عن حرب إيران.

وتوقع رئيس «البنك»، فاتح كاراهان، أن يتراجع معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين، الذي سُجل في أبريل (نيسان) الماضي من 32.7 في المائة، إلى 26 في المائة.

وأعلن كارهان، خلال إعلانه التقرير الفصلي الثاني للتضخم في مؤتمر صحافي بمقر «البنك المركزي» في «مركز إسطنبول المالي»، الخميس، تعديل هدف التضخم المؤقت لعام 2026 من 16 إلى 24 في المائة، ومن 9 إلى 15 في المائة لعام 2027، ومن 8 إلى 9 في المائة لعام 2028، على أن يستقر عند مستوى الـ5 في المائة المستهدف على المدى المتوسط.

تداعيات حرب إيران

وتوقع استمرار التداعيات المرتبطة بحرب إيران على التضخم في المدى القصير، قائلاً: «في حين أن السؤال الأساسي الذي يواجهنا هو: إلى متى سيستمر التوتر الإقليمي والضغوط على إمدادات الطاقة؟ فإننا نقدر أن الآثار التضخمية ذات ⁠الصلة ستستمر على المدى القصير».

رئيس «البنك المركزي» خلال عرض تقرير التضخم في مؤتمر صحافي الخميس (إعلام تركي)

ولفت كاراهان إلى ‌أن مدة استمرار ‌التوتر في المنطقة تعدّ عاملاً حاسماً ​في توقعات التضخم، ‌مشدداً على أن «البنك المركزي» لن يتراجع ‌عن عزمه وسياسته المشددة لخفض التضخم، وأنه سيواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة من أجل تحقيق هذا الهدف.

كان «البنك المركزي التركي» رفع نطاق توقعات التضخم بنهاية العام، في تقريره الفصلي الأول الذي صدر خلال فبراير (شباط) الماضي، إلى ما بين 15 و⁠21 في المائة، محافظاً على هدفه المؤقت عند 16 في المائة، على الرغم من شكوك السوق بشأن ما إذا كان الاتجاه النزولي، الذي تحقق طيلة عام 2025، يمضي في المسار السليم.

وأبقى «البنك المركزي التركي» على سعر الفائدة الرئيسي عند 37 في المائة خلال أبريل الماضي، دون تغيير في السياسة النقدية للاجتماع الثاني على التوالي ‌على الرغم من بعض توقعات تشديد السياسة ​النقدية.

وأشار كاراهان إلى أن «البنك» يتمتع ⁠بالمرونة في نطاق أسعار الفائدة عندما تكون المخاطر في اتجاه الصعود، مع بقاء جميع الخيارات مطروحة في المرحلة المقبلة.

وقال إن «البنك» علق، مؤقتاً، تقديم نطاقات توقعات التضخم بسبب حالة الضبابية الشديدة المرتبطة بحرب إيران، وإنه يتعين على «البنك» التركيز على جهود مكافحة التضخم قصيرة الأجل في الوقت الحالي لمنع تراجع التوقعات.

صدمات سلبية

وأدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة المرتبط بحرب إيران إلى زعزعة اقتصادات تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل تركيا، وارتفع التضخم الشهري في أبريل الماضي بنسبة 4.18 في المائة، والتضخم السنوي إلى 32.37 في المائة.

استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية أثر سلباً على التضخم في تركيا (إعلام تركي)

وقال كاراهان إن التوتر الذي بدأ في الشرق الأوسط مع اندلاع حرب إيران يوم 28 فبراير أدى إلى صدمات سلبية في العرض، وإن «ارتفاع الأسعار كان ملحوظاً بشكل خاص في الغاز الطبيعي، وأسهمت أسعار الغذاء أيضاً في ارتفاع التضخم خلال الأشهر الأولى من العام».

ورفع «البنك» متوسط ​​توقعاته لسعر النفط لعام 2026 من 60.9 دولار إلى 89.4 دولار، ولعام 2027 من 56 دولاراً إلى 75.4 دولار، ومتوسط ​​توقعاته للارتفاع في أسعار الغذاء من 19 إلى 26.3 في المائة.

ولفت كارهان إلى أن تخفيف القيود على بنود الإيجار والتعليم أسهم في خفض التضخم، وأن انخفاضاً ملحوظاً سُجّل في هذين البندين خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، بينما استمر التضخم في التراجع بقطاعي الخدمات والسلع الأساسية.

سياسة متشددة

وأكد أن «البنك المركزي» يواصل اتباع سياسة نقدية متشددة، وأنه أُبقيَ على سعر الفائدة ثابتاً خلال شهري مارس (آذار) وأبريل الماضيين عند 37 في المائة.

وأشار إلى تباطؤ نمو الائتمان والقروض التجارية، وأنه في حين انخفض نمو قروض المستهلكين وبطاقات الائتمان، فقد تسارع نمو قروض الإسكان، مشدداً على قوة احتياطات «البنك المركزي».

قروض الإسكان واصلت ارتفاعها في تركيا خلال الربع الأول من العام (رويترز)

وقال كاراهان إنهم يتوقعون أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات إلى زيادة العبء على ميزان الحساب الجاري بما بين 3 و4 مليارات دولار، وإنهم لا يتوقعون تغييراً في سياسة سعر الصرف، وأن العامل الرئيسي المحدد للصادرات هو الطلب، وليس سعر الصرف الحقيقي.

وأوضح أن التوقعات المتعلقة بالنمو العالمي تراجعت بفعل التطورات الجيوسياسية، لذلك؛ فإنهم حدثوا افتراضات الطلب الخارجي لعام 2026 باتجاه الانخفاض.

وأضاف أن «التحديث الثاني يتعلق بأسعار النفط وأسعار الواردات نتيجة التوترات الجيوسياسية. ورغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التطورات، فإننا افترضنا أن أسعار النفط ستتراجع تدريجياً خلال العام».

وشدد كاراهان على أن جميع الخيارات مطروحة، وعلى أنه سيجري الحفاظ على موقف السياسة النقدية المتشددة حتى يحقَّق استقرار الأسعار، بما يتماشى والأهداف المؤقتة للتضخم.