السعودية تطلق طريق حرير عصرياً للنهوض بالاستثمارات العربية ــ الصينية

الفالح: نسعى إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي بالاستفادة من سوق بكين

وزير الاستثمار خلال كلمته امام الحضور (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار خلال كلمته امام الحضور (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تطلق طريق حرير عصرياً للنهوض بالاستثمارات العربية ــ الصينية

وزير الاستثمار خلال كلمته امام الحضور (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار خلال كلمته امام الحضور (الشرق الأوسط)

تعتزم السعودية استغلال موقعها الجغرافي لربط البلدان العربية مع الصين، بعد إطلاقها طريق حرير عصرياً وجديداً لتحقيق نهضة شاملة للدول والشعوب وخلق فرص متنوعة وواعدة، في خطوة لزيادة حجم التبادل التجاري بين الجانبين، الذي وصل إلى نحو 430 مليار دولار في العام الفائت، بمعدل نمو 31 في المائة، مقارنة بعام 2021.

ونيابةً عن الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، افتتح الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية، أمس، فعاليات الدورة العاشرة لمؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين في الرياض، تحت عنوان «الاستثمار والتمويل من خلال مبادرة الحزام والطريق»، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين وصناع القرار في عدد من الدول.

الفالح خلال كلمته أمام الوزراء والمسؤولين في المؤتمر (الشرق الأوسط)

تبادل الخبرات

وأكد وزير الخارجية حرص ولي العهد على رفع مستوى العمل للخروج بنتائج تليق بالشراكة العريقة والمتقدمة في جميع المجالات الاستثمارية الحيوية بين الدول العربية والصين.

ووفقاً للأمير فيصل بن فرحان، يعد المؤتمر فرصة للعمل على تعزيز وتكريس الصداقة العربية الصينية التاريخية، وبناء مستقبل مشترك نحو عصرٍ جديدٍ، يعود بالخير على الشعوب، ويحافظ على السلام والتنمية في العالم. وزاد الأمير فيصل بن فرحان أن الحدث يؤكد الأهمية البالغة والإمكانات الكبيرة والرؤى المشتركة التي تكمن في العلاقات الاستثمارية والتجارية بين العالم العربي والصين، ويسلط الضوء على كيفية التوافق المشترك وتبادل الخبرات وإطلاق فرص جديدة للنمو والاستثمار، التي من شأنها تحقيق الرخاء والتقدم والازدهار لشعوب المنطقة والعالم.

التبادل التجاري

وتطرق إلى الزيارة التاريخية الناجحة لفخامة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى الرياض مع نهاية العام المنصرم، التي زادت من توطيد الروابط بين البلدين في المجالات كافة، سواء السياسية أو الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، والتي تزامنت مع إطلاق أول قمة عربية صينية، وقمة خليجية صينية، اللتين أثمرتا كلتاهما عن توقيع كثير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بقيمة تجاوزت 50 مليار دولار شملت مجموعة من القطاعات المختلفة.

وواصل أن الصين تعد الشريك التجاري الأكبر للدول العربية، كاشفاً عن بلوغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الجانبين 430 مليار دولار في العام الفائت، بمعدل نمو 31 في المائة، مقارنة بعام 2021.

وأشار إلى أن المملكة تمثل ما نسبته 25 في المائة من إجمالي التبادل التجاري بين الصين والدول العربية، بقيمة إجمالية 106.1 مليار دولار في العام السابق، بمعدل زيادة 30 في المائة قياساً بـ2021.

جانب من الحضور ويظهر وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

شراكات مستدامة

من جانبه، ذكر المهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار، أن رعاية الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لهذه الدورة، والمملكة ترأس هذا العام مجلس جامعة الدول العربية، تُجسد اهتمام قيادات العالم العربي بتعزيز العلاقات مع الصين، وتوسيع قاعدة ما حققته من نجاحات في أروقة السياسة والدبلوماسية، إلى الاقتصاد والاستثمار والتنمية الشاملة، ولتُسهم في خلق فرصٍ جديدة لشراكات مستدامة. وبحسب الفالح، يملك الوطن العربي من المقومات الحضارية والثقافية، والموارد البشرية والطبيعية، ما يؤهله لتبوؤ مكانة متقدمة وقيادية، وتحقيق نهضة شاملة للدول والشعوب في جميع المجالات.

استراتيجيات التنمية

واستطرد: «لكوننا الاقتصاد الأكبر في الشرق الأوسط والأسرع نمواً في العالم خلال العام الماضي، فنحن اليوم ملتزمون بالعمل كجسر يربط العالم العربي بالصين، ويُسهم في نمو وتطور علاقاتهما، واستضافتنا لهذا الجمع الحاشد من القادة المتميزين من جميع أنحاء العالم العربي، ومن بكين، دليلٌ على ذلك». وأبان أن من أهم محركات النمو في السعودية هي استراتيجيات التنمية الاقتصادية المبنية على رؤية وطنية متميزة، والمرتكزة على خطط وبرامج تنفيذية قوية، كما تُمثّل نموذجاً سيسهم في إعداد المنطقة العربية للمستقبل.

وزير الاستثمار السعودي متحدثًا للحضور (الشرق الأوسط)

صادرات الطاقة

ورحّب المهندس الفالح بمشاركة الصين في هذه النهضة التي تعد شاملة باتجاه النمو والتوسع، وتخلق فرصاً هائلة مستقبلاً، للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، موضحاً أن بلاده ستعمل معها لاغتنام الفرص الكبيرة المتاحة.

وواصل أن هذا التكامل والفرص ظاهران في النمو الاستثنائي للتجارة المتبادلة بين الصين والدول العربية، حيث أسهمت صادرات الطاقة من العالم العربي في دفع عجلة التنمية الصناعية في الصين. وفي المقابل، وصلت السلع المصنعة في بكين إلى كل منزل ومكتب ومصنعٍ في البلاد العربية.

وبيّن أن النمو في التجارة المتبادلة والتوافق في الاحتياجات والإمكانات يخلقان فرصاً كثيرة ومتنوعة وواعدة للاستثمار، مبيناً أن التحول الكبير الذي شهدته الصين باتجاه أن تصبح دولة تُصدّر الاستثمار ومَصدراً رائداً للابتكار ورأس المال، وآن الأوان لتكون بكين شريكاً استثمارياً رئيساً في مسيرة التنمية التي تشهدها المنطقة العربية.

المهندس خالد الفالح متحدثًا للحضور (الشرق الأوسط)

الاستثمار الأجنبي

وأضاف الوزير الفالح أن الاستثمار الأجنبي المباشر المتجه من الصين إلى الخارج نما بمعدل قدره 20 في المائة سنوياً، على مدار العقد الماضي، ليبلغ نصيب العالم العربي منه حوالي 23 مليار دولار، ولا تزال هناك إمكانية لزيادة تدفقات الاستثمار في الاتجاه الآخر، للاستفادة من سوق بكين الكبيرة والمزدهرة.

القمة العربية الصينية

من جهته، أفاد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، أن استضافة السعودية لهذا المؤتمر تأتي استكمالاً لجهودها الناجحة منذ عقد القمة العربية الصينية خلال العام الماضي في الرياض، مشيراً إلى أن مخرجات ذلك الحدث أعطت دفعة جديدة للتعاون العربي الصيني في مختلف المجالات.

وتابع أن العلاقات العربية الصينية تُعد تاريخية من خلال التعاون المشترك، لرغبة الطرفين في توطيدها على الأصعدة كافة، مفيداً أن آلية هذا المؤتمر كانت أولى الآليات التي أُنشئت في إطار منتدى التعاون العربي الصيني منذ انطلاقه عام 2004.

مناخ الاستثمار العربي

وتناول أبو الغيط أهمية هذا المؤتمر في تعريف رواد الأعمال بفرص الاستثمار المتاحة، ما يسهم في التنمية الاقتصادية بالدول العربية والصين، إلى جانب مستقبل الاستثمار واستكشاف السُبل المُثلى لتعظيم الفرص والإمكانات المتاحة والواعدة للجانبين العربي والصيني. وفيما يخص العمل العربي المشترك، أشار إلى أن الجامعة العربية اهتمت منذ عقود طويلة بتحسين مناخ الاستثمار العربي وخلق فضاء موحد، فضلاً عن جهودها لبناء شراكات مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية والدولية.

شراكات استراتيجية

من ناحيته، كشف خوتشون خوا، نائب رئيس الهيئة الاستشارية السياسية في الصين، عن استعداد بلاده للعمل مع الدول العربية لتنفيذ نتائج القمة الصينية العربية الأولى، وبناء شراكة استراتيجية مشتركة على مستوى أعلى. ولفت إلى الشراكة الاستراتيجية الصينية العربية التي تشهد تطوراً مستمراً بفضل الإرشاد الاستراتيجي للقادة، محققةً نتائج مثمرة في الأعوام الأخيرة، كما أصبحت نموذجاً للتعاون بين الدول لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري.

الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية السعودي.(الشرق الأوسط)


مقالات ذات صلة

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

الاقتصاد عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (الشرق الأوسط)

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

كشفت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن أبرز أرقام منصة «قوى» خلال الربع الأول من العام الحالي، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتطوير سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المقر الرئيسي لشركة «موبايلي» (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «موبايلي»: «رؤية 2030» حوّلت قطاع الاتصالات في السعودية إلى محرك للاقتصاد الرقمي

أسهمت «رؤية السعودية 2030» في إحداث تحوّل هيكلي عميق في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، حوّله من مزود تقليدي للخدمات إلى ممكن رئيسي للاقتصاد الرقمي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

«سابك» تعود إلى مربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في استعادة توازنها المالي خلال الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026 (الشرق الأوسط)

أرباح «إس تي سي» تقفز 12 % وإيراداتها تلامس 5.3 مليار دولار

سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعةً بزيادة الإيرادات وتحسن الكفاءة التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.