بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية

أقنعت السودان بالمراكز الثقافية وتحولت إلى إحداث تغيير آيديولوجي في التركيبة السكانية * شركة «إيران غاز» لا تعطي التوكيل أو التوظيف إلا لمن يقتنع بأفكار الخميني

بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية
TT

بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية

بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية

لا يزيل إعلان السودان مغادرة طاقم السفارة الإيرانية رسميا للعاصمة السودانية وحده الأثر الذي تركته العلاقة الطويلة والمتشابكة بين الخرطوم وطهران، ولن يزيل مترتبات الجهود المخططة والكبيرة التي بذلتها الأخيرة لنشر المذهب الشيعي في السودان، والتي ترجع رسميا إلى قيام الثورة الإيرانية عام 1979. فإن ذهبت إيران الرسمية فهناك الآلاف من الذين تأثروا بالجهد التشييعي الكبير الذي بذلته السفارة في البلاد، والروابط ذات الطابع الآيديولوجي مع بعض قادة الإسلاميين السودانيين الحاكمين، فتشيعوا وبلغ عددهم الآلاف.
قطعت الحكومة السودانية علاقتها الدبلوماسية مع إيران بعد الهجوم على السفارة السعودية وملحقيتها في إيران، وأمهلت سفيرها وطاقمه أسبوعين للمغادرة، وأعلنت في العشرين من يناير (كانون الثاني) الماضي أن البعثة غادرت الخرطوم بصفة رسمية بانتهاء المهلة.
مهدت الخرطوم لقرارها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بقرار تمهيدي تمثل في إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان باعتبارها تشكل تهديدا فكريا ثقافيا للمجتمع السوداني، وطرد الملحق الثقافي، وذلك في سبتمبر (أيلول) 2014.
وترجع علاقة الإسلاميين الحاكمين العلنية مع إيران إلى أيام الثورة الإيرانية نهاية سبعينات القرن الماضي، وفي ذلك الوقت خرج الآلاف منهم في مظاهرات مؤيدة للثورة الخمينية حملت شعاراتها وهتفت بهتافاتها، وردد المؤيدون وقتها: «إيران.. إيران في كل مكان»، كاشفين عن تقارب فكري مبكر.
ويمكن اعتبار عام انتصار ثورة الخميني 1979، وشعارات تصدير الثورة التي تبناها النظام الإيراني، الإعلان الفعلي للعلاقة بين إسلاميي السودان وروح التشيع، لكن المذهب الشيعي لم يجد له متكأ فعليا في السودان، إلا في عهد حكم رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، حيث افتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان عام 1988، وبعدها بعام واحد جاء انقلاب الإسلاميين المعروف بالإنقاذ في يونيو (حزيران) 1989 بقيادة الرئيس عمر البشير، لتبدأ مرحلة جديدة في علاقة إيران بالسودان.
منذ ذلك الوقت، تضافرت عدة ظروف محلية وإقليمية ودولية واقتصادية وسياسية، دفعت الخرطوم للارتماء في حضن طهران، فمن جهة فإن البلدين يواجهان عزلة دولية وإقليمية، وكلاهما يحاول أن يجد ظهرا يسنده في وجهها، فنتجت بينهما بادئ الأمر علاقة «مطاردي» المجتمع الدولي، وجمعتهما مصيبة العزلة، لكن في الوقت ذاته فإن التقارب الفكري بين تيارات مؤثرة وسط الإسلاميين السودانيين مهد لإيران تصدير «ثورتها الناعمة» إلى أنحاء السودان المختلفة، خصوصا الخرطوم وولايات شمال كردفان والولاية الشمالية، ليقارب عدد الشيعة السودانيين وفقا لإحصاءات غير رسمية 12 ألفا.
ويرجع مركز البحوث الإماراتي «المزماة» التطور اللافت في العلاقات بين البلدين في عهد الحكم الحالي، إلى تلاقي الخلفية الفكرية لنظامي الحكم في البلدين، والعزلة الدولية التي واجهت كلا من إيران والسودان، واللذين مثل تقاربهما نافذة يخرقان من خلالها عزلتهما بمواجهة النظام العالمي الجديد، وللاهتمام الإيراني بموقع السودان كمدخل لأفريقيا، فضلا عن رغبة الخرطوم في الاستفادة من الخبرات الإيرانية لخلق توازن إقليمي جديد في المنطقة.
ووفقا لصفحة الراحل محمد سيد حاج على «فيسبوك»، فإن إيران لجأت لعدة أساليب لتصدير ثورتها إلى السودان عبر التغلغل الشيعي في السودان، مستخدمة أساليب عديدة تضمنت تقديم المنح الدراسية للطلاب، والعمل على تشيع كُتاب وصحافيين، وإنشاء جمعيات صداقة سودانية إيرانية، ونشر مواد التشيع عن طريق المراكز الثقافي الإيراني، وإقامة سرادق الاحتفالات الدينية الشيعية، والتقرب من رجال الطرق الصوفية، والتظاهر بأنهم مجتمعون على حب آل البيت، وإنشاء فروع للمركز الثقافي في أم درمان، ومعهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بضاحية العمارات السودانية.
وأنشأت إيران عددا من المراكز الثقافية والعلمية والاقتصادية في السودان، وافتتحت بها مكتبات عامة بلغ عددها 6 مكتبات، وأقامت 5 مؤسسات تعليمية أشهرها مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الثانوية بضاحية الحاج يوسف شرق الخرطوم، ومدرسة فاطمة الزهراء لمرحلة الأساس للبنات بمنطقة مايو جنوب الخرطوم، إضافة إلى معهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بحي العمارات الخرطوم، وأقامت 8 جمعيات وروابط لأصدقاء المركز الثقافي الإيراني، إذ إن سياسة طهران تقوم على البحث عن الأسر الفقيرة أو المهمشة والتي لديها نسبه في الأمية حيث تعمل على استقطابها ونفث سمومها الفكرية في هذا الجيل لبناء جيل جديد يحمل أفكار الخميني، وتصدير الثورة بمفهومها الدموي، والأكاذيب والخرافات التي تعتمد عليها طهران في تمرير مشروعها السياسي.
اقتصاديا، أنشأت إيران عددا من المشاريع الاقتصادية، مثل شركة «إيران غاز»، التي يعمل فيها الآلاف، ولها فروع في معظم مناطق السودان، ولا تعطي التوكيل إلا لمن كان شيعيا أو قريبا من التشيع، وتقام فيها كل مظاهر التشييع.
ولعبت إيران دورا قويا في استخراج والتنقيب عن النفط في السودان، باعتبار الأمر منصة اقتصادية يقوم عليها نشر المذهب الشيعي في البلاد، وفقا لصفحة الشيخ سيد، لكن بحكم الصعوبات التي كانت يواجهها الاقتصاد الإيراني المتدهور بسبب الحصار فإن الخرطوم لم تتلق المساعدات الاقتصادية التي كانت تطمح فيها.
ويعد إنشاء المجلس الأعلى لشؤون أفريقيا أحد أهم المظاهر السياسية للتغلغل الإيراني في السودان، ويهتم بالمنطقة لتوصيل النفوذ الإيراني إليها، والنشاط اللافت للسفارة الإيرانية في تحسين العلاقات الإيرانية السودانية، وبنائها ورعايتها للمراكز الثقافية الإيرانية في السودان.
عسكريا، يقول موقع «الحملة العالمية لمقاومة العدوان» إن إيران والسودان وقعتا عدة اتفاقات تضمنت مساعدة إيران للسودان عسكريا، وبذلت محاولات لتحويل الجيش السوداني من استخدام الأسلحة الروسية والصينية لاستخدام أسلحة وذخائر إيرانية، مقابل تخفيضات تصل إلى 50 في المائة على مبيعات السلاح، وأن تقوم إيران بمساعدة السودان في بناء قاعدة صناعية عسكرية، لإنتاج السلاح الإيراني الذي تحتاجه الخرطوم.
وكون الجانبان لجنة عسكرية مشتركة في مجال الدفاع عن مصالحهما، والاتفاق على عدم السماح لأي طرف خارجي بالاعتداء على أحدهما، وتبادل الوفود العسكرية والتنسيق. وزار وفد عسكري إيراني السودان في مايو (أيار) 2012، لتقييم الاحتياجات العسكرية السودانية، وقدم دعما ماديا لصالح المجهود الحربي، وأكد تواصل بعثات التدريب العسكرية السودانية في إيران.
ووفقا لقاعدة بيانات التجارة للأمم المتحدة في عام 2009، فإن حجم مبيعات الأسلحة الإيرانية إلى السودان في الفترة من 2001 - 2008 تراوحت بين مليون دولار و23 مليون دولار، ومثلت الذخيرة والمدفعية منها نحو 54 في المائة، والأسلحة الصغيرة والمعدات الخفيفة نحو 43 في المائة، والذخيرة الصغيرة منها نحو 3 في المائة. وتمثل الصين وإيران وروسيا أهم الدول المصدرة للسلاح إلى السودان، حيث صدرت إيران إلى السودان ما قيمته 18.496 مليون دولار بما نسبته 22 في المائة من إجمالي قيمة الأسلحة المصدرة إليه.
ويقول مركز «الحملة العالمية لمقاومة العدوان» إن السودان أصبح أرض المعركة الجديدة بين إيران وإسرائيل، ونتج عن ذلك وصول سفينتين حربيتين إيرانيتين هما مدمرة وحاملة طائرات إلى ميناء بورت سودان، إثر قصف مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي لمصنع «اليرموك» للأسلحة في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 وتدميره، وعدته إيران وقتها تمرينا على ضربة عسكرية ضد أهدافها النووية.
وتتهم إسرائيل البلدين بإنتاج صواريخ أرض - أرض طراز «شهاب»، في السودان، باعتبارها احتياطيا باليستيا لإيران حال نشوب حرب في المنطقة، كما تتهمهما بتهريب أسلحة إيرانية إلى مقاتلي حركة حماس الفلسطينية عبر صحراء سيناء المصرية، وبسبب هذا الاتهام وجهت إسرائيل أكثر من ضربة جوية لجماعات سودانية داخل الحدود، تحت الزعم بأنهم مهربو أسلحة إلى قطاع غزة.
وفي عام 2008، وبفعل ضغوط من الجماعات السنية السلفية، صادرت السلطات أكثر من 200 عنوان من الكتب الشيعية عرضت في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، وكانت أول تنبيه لافت للتمدد الشيعي في البلاد، بيد أن الجماعات الشيعية السودانية ردت التحدي بآخر، وأعلنت في أغسطس (آب) 2009 عن نفسها باحتفال أقيم بمناسبة ذكرى الإمام المهدي في ضاحية جبل أولياء بالخرطوم (40 كيلومترا جنوب الخرطوم)، حضره أكثر من 700 من أنصار المذهب في البلاد، وفقا لـ«الشرق الأوسط»، التي نقلت عن المحلل السياسي محمد خليفة وقتها أن هناك أربعة تيارات شيعية في البلاد: «خط الإمام الخميني، وتيار الإمام محمد حسين فضل الله في لبنان، وتيار الإمام محمد تقي المدرس من كربلاء في العراق، بجانب شيعة سودانيين عرفوا بالمحليين».
ورغم أن السفير الإيراني قد غادر الخرطوم مطرودا، وقبله الملحق الثقافي، وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأعلن السودان عودته لمحيطه العربي بمشاركته في «عاصفة الحزم» بقوات عسكرية ضد الحوثيين (الشيعة) في اليمن، فإن ما تركته السنوات الودودة بين البلدين لن ينتهي بين عشية وضحاها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.