الشركات الكبرى تواصل الانسحاب من إيران خشية العقوبات الأميركية

أكبر شركة لشحن النفط الخام تنضم إلى «توتال» و«زيمنس»

{إيه بي مولرــ ميرسك} أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم هي خامس شركة أوروبية تنسحب من إيران منذ الإعلان الأميركي (أ.ف.ب)
{إيه بي مولرــ ميرسك} أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم هي خامس شركة أوروبية تنسحب من إيران منذ الإعلان الأميركي (أ.ف.ب)
TT

الشركات الكبرى تواصل الانسحاب من إيران خشية العقوبات الأميركية

{إيه بي مولرــ ميرسك} أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم هي خامس شركة أوروبية تنسحب من إيران منذ الإعلان الأميركي (أ.ف.ب)
{إيه بي مولرــ ميرسك} أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم هي خامس شركة أوروبية تنسحب من إيران منذ الإعلان الأميركي (أ.ف.ب)

ترك قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات أثره على تعامل الأسواق الأوروبية قبل نهاية أسبوع على خروج واشنطن، وقالت «إيه بي مولر - ميرسك»، أكبر شركة لشحن الحاويات في العالم، أمس إنها ستغلق نشاطها في إيران امتثالاً للعقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي المبرَم مع طهران.
وقال سورين سكو الرئيس التنفيذي للشركة في مقابلة أُجرِيَت معه عقب إعلان نتائج الشركة للربع الأول من العام: «مع العقوبات التي سيفرضها الأميركيون لا يمكنك العمل في إيران إن كانت لديك أيضاً أعمال في الولايات المتحدة ونحن لدينا هذا على نطاق كبير».
ونقلت عنه وكالة «رويترز» إنه «لا أعلم الموعد المحدد بدقة لكنني متأكد أننا سنغلق (في إيران)».
تأتي هذه الخطوة بعد يوم من انضمام شركة «توتال» الفرنسية العملاقة للطاقة إلى شركات أوروبية أخرى في التلميح إلى الخروج من إيران، مما يُلقِي بظلال من الشك على إمكانية أن يحمي اجتماع القادة الأوروبيين، الذي يهدف لإنقاذ اتفاق إيران النووي، التجارة مع طهران، وقبل «توتال» أعلنت شركتا «زيمنس» وشركة «اليانتس» للتأمين وقف التعامل مع إيران.
وتعد الشركات من كبرى شركات شحن نفط الخام في العالم. وكانت الحكومة الإيرانية اعتبرت رفع العقوبات عن الشحن والتأمين والحصول على أجهزة استخراج النفط والمناجم من مكاسب الاتفاق النووي، ومن شأن الخطوة أن تعرقل صادرات النفط الإيرانية بشكل لافت.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن «ميرسك تانكرز» بأنها ستلتزم بالاتفاقات المبرمة التي دخلت حيز التنفيذ قبل الثامن من مايو (أيار)، وستعمل على إنجازها بحلول الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) «كما تفرض العقوبات الأميركية».
ولم تذكر المجموعة أرقاماً محددة عن نشاطاتها في إيران، لكنها قالت إنها «تقوم بتصدير واستيراد منتجات نفطية بشكل محدود لحساب زبائنها»، وتقول المجموعة إنها «تتابع عن كثب تقييم الآثار المحتملة على أنشطتها، مع البقاء على اتصال مع زبائنها لإبلاغهم بالتطورات المحتملة». والشركة التي كانت في السابق فرعاً في المجموعة البحرية الدنماركية «أي بي مولر - ميرسك»، انضمت في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 إلى مجموعة «آي بي إم إتش إنفيست» في صفقة بلغت قيمتها 1.17 مليار دولار.
وأعلن الرئيس الأميركي في مطلع مايو قراره سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم في يوليو (تموز) 2015، وإعادة فرض العقوبات الأميركية التي رُفِعت في هذا الإطار ما يشمل كل الشركات التي لها أنشطة على الأراضي الأميركية أو التي تتعامل بالدولار.
وحذرت المجموعة الفرنسية العملاقة «توتال»، أول من أمس (الأربعاء)، من أنها ستنهي مشروعها الغازي الكبير في إيران الذي بدأ في يوليو (تموز) 2017، إذا لم تحصل على استثناء من السلطات الأميركية بدعم من فرنسا والاتحاد الأوروبي.
وقبل رفع العقوبات الدولية إثر الاتفاق النووي، كانت صادرات إيران النفطية تبلغ مليون برميل في اليوم، خصوصاً نحو آسيا وبعض الدول الأوروبية. وارتفعت هذه الصادرات منذ ذلك الحين إلى 2.5 مليون برميل في اليوم وغالبيتها موجهة إلى أوروبا وآسيا.
وتشغّل «ميرسك تانكرز» أكثر من 160 سفينة وتوظف 3100 شخص في العالم ويبلغ رقم أعمالها 836 مليون دولار (2016).
في سياق متصل، قال المدير المالي لشركة «أوتوتك» الفنلندية لتكنولوجيا التعدين، أمس، إن الشركة تتوقع تباطؤ الطلبيات من إيران بعد قرار ترمب بعودة العقوبات على إيران.
ولـ«أوتوتك»، التي تبني مصانع وتنتج معدات وتقدم خدمات لقطاعات التعدين ومعالجة المعادن، تاريخ طويل في إيران وظلت في السوق بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على طهران في 2010.
وقال ياري ألجارس المدير المالي للشركة إنه إذا لم يتوفر تمويل المشاريع فستنخفض طلبيات التوريد في المستقبل. وأضاف: «إعادة فرض العقوبات لن تمنع العمل لكنها ستعقده وتبطئه».
وردّاً على سؤال بشأن ما إن كانت الشركة تدرس الانسحاب من السوق قال مدير «أوتوتك» إنه «من السابق لأوانه الحديث بهذا الشأن».
ولم يفصح المدير المالي عن حجم أعمال الشركة في إيران، لكنه قال إنه لا يشكل حصة كبيرة من المبيعات العالمية الكلية للشركة التي تقدر بنحو 1.2 مليار يورو (1.4 مليار دولار). وقال إن التسليمات المعلن عنها بالفعل تمضي قدماً، كما هو مخطط له، وإن «أوتوتك» تتوقع استكمالها في المستقبل القريب.
في غضون ذلك، أعلن وزير النفط الإيراني بيجان نامدار زنغنة أن الشركة الصينية الوطنية للنفط «سي إن بي سي» ستحل محل «توتال» في تطوير المرحلة 11 من مشروع حقل فارس الجنوبي للغاز في حال انسحاب المجموعة الفرنسية من البلاد.
وقال زنغنة إن «توتال أكدت أنها إذا لم تحصل على إعفاء من قبل الولايات المتحدة لمواصلة نشاطاتها، فستبدأ آلية للخروج من العقد... وفي هذه الحالة ستحل محلها شركة (سي إن بي سي) الصينية، وستكون لها حصصها. أما إذا غادرت (سي إن بي سي) أيضاً؛ فهناك شركة (بتروبارس) الإيرانية»، وفق ما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وبموجب الاتفاق بقيمة 4.8 مليارات دولار الموقع في يوليو 2017، تملك «توتال» 50.1 في المائة من حصص «الكونسورسيوم» تليها مجموعة «سي إن بي سي» (30 في المائة من الحصص) ثم «بتروبارس» (19.9 في المائة).
وكان العقد الموقع مع «الكونسورسيوم» بقيادة «توتال» الأول الذي يتم توقيعه مع إيران بعد دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ. وكانت طهران تأمل بأن يشجع توقيع العقد شركات غربية أخرى وآسيوية أيضاً على إبرام عقود مشابهة معها.
لكن في الوقت الحالي وحدها شركة «زاروبزنفت» الروسية وقعت في مارس (آذار) 2018 عقداً بقيمة 742 مليون دولار لزيادة الإنتاج في حقلين نفطيين بغرب إيران.
وكان زنغنة قد قال أول من أمس إن العقد لا يشمل «بنداً جزائياً في حال خروج (توتال) لكن لن يتم تعويض الأموال التي صرفتها المجموعة حتى الآن» قبل انتهاء الأعمال. وأنفقت «توتال» عشرات ملايين الدولارات حتى الآن.



بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
TT

بين الدبلوماسية والردع العسكري: خيارات واشنطن وطهران قبل الجولة المقبلة

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 7 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

في لحظةٍ تتداخل فيها لغة التفاوض مع إشارات الردع، يصرّ الرئيس دونالد ترمب على أن المسار الدبلوماسي مع إيران «هو المفضل الآن»، وفق ما أبلغه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائهما في واشنطن. غير أن هذا التفضيل لا يأتي منفصلاً عن عصا عسكرية مرفوعة: تهديد بإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة إذا لم تتبلور «صفقة» بسرعة، وسط تقارير كثيرة عن استعدادات في وزارة الدفاع الأميركية لتحريك مجموعة حاملة طائرات إضافية نحو الشرق الأوسط.

وفي مؤشرٍ إضافي على استخدام «الإشارة العسكرية» كورقة ضغط، أعاد الرئيس ترمب نشر خبر «وول ستريت جورنال» عن استعداد البنتاغون لتجهيز مجموعة حاملة طائرات ثانية لاحتمال التوجه إلى الشرق الأوسط على منصته «تروث سوشيال»، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها تثبيت علني لرسالة الضغط على طهران بالتوازي مع إبقاء باب الدبلوماسية موارباً.

وفي أحدث موقف رسمي، شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، على أن الرئيس يفضّل المسار الدبلوماسي، لكنه «يمتلك كل الخيارات» إذا فشلت المحادثات، في تذكيرٍ متعمد بأن مسار المحادثات يتحرك تحت سقف التهديد باستخدام القوة.

وعلى خط موازٍ في الكونغرس، برزت دعوات لتقييد أي عمل عسكري من دون تفويض، حيث عبّر السيناتور الديمقراطي تيم كاين عن مخاوف ناخبيه من «جرّ» البلاد إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، بينما دفع مع السيناتور الجمهوري راند بول، باتجاه تحركٍ يستند إلى صلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب، في إشارة إلى أن هامش ترمب الداخلي ليس مفتوحاً بالكامل إذا انزلقت الأزمة إلى الخيار العسكري.

«هندسة التفاوض»

وبينما يحاول البيت الأبيض إبقاء الباب مفتوحاً أمام جولة ثانية من المحادثات، تتكثف التساؤلات الأساسية: هل الحشد العسكري جزء من «هندسة التفاوض»، أم تمهيدٌ جديٌّ لخيار ضربة محدودة إذا فشل المسار السياسي؟ أم أن واشنطن تريد جمع الخيارين في آن: بتفاوض سريع تحت ضغط، يحقق إنجازاً قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، ويجنب الأسواق صدمة جديدة في الملاحة والطاقة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

الصورة، حتى الآن، توحي بأن الإدارة الأميركية تعمل على إدارة التوتر لا على خفضه بالكامل. فالحديث عن الحاملة الثانية يرفع مستوى «المصداقية» في التهديد، ويمنح المفاوض الأميركي رافعة إضافية، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش المناورة أمام طهران، التي تُراكم بدورها «خطوطاً حمراء» علنية لتفادي الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع تحت الضغط.

رسالة تفاوض أم مؤشر قرار؟

اللافت أن التلويح الأميركي لم يبقَ في حدود التصريحات. فالتقارير عن جاهزية حاملة ثانية، وإن بقيت ضمن نطاق «الاستعداد» لا «الأمر النهائي»، تعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة رفع التكلفة النفسية على طهران: أي جعل احتمال الضربة أكثر واقعية في حسابات القيادة الإيرانية، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار الحرب سلفاً.

في منطق ترمب، هذا التدرّج يخدم هدفين متوازيين: أولاً، دفع إيران إلى تقديم تنازلات سريعة بدل تكرار نمط المفاوضات الطويلة التي تستنزف الوقت وتخلق وقائع جديدة. وثانياً، طمأنة إسرائيل بأن واشنطن لا تمنح طهران «وقتاً مجانياً» لإعادة ترميم قدراتها أو ترحيل الأزمة إلى ما بعد الاستحقاقات الأميركية.

غير أن إدارة هذا التوازن ليست سهلة. فإظهار الجهوزية قد يدفع طهران إلى الاعتقاد بأن التفاوض مجرد غطاء، ما يغريها إما بالتشدد لاعتبارات داخلية، أو بالمناورة عبر أدوات ضغط غير مباشرة، في البحر أو عبر الوكلاء، لإقناع واشنطن بأن تكلفة الضربة ستكون أعلى مما يتصور البيت الأبيض. وهذا تحديداً ما يخشاه صناع القرار الأميركيون: أن يتحول «الضغط المحسوب» إلى شرارة سوء تقدير.

أين تبدأ مرونة طهران؟

في المقابل، تواصل طهران التمسك بإطار تفاوضي ضيق ورسالتها العلنية واضحة: لن تقبل «شروطاً مفرطة»، ولن توسّع المحادثات إلى ما يتجاوز البرنامج النووي، فيما تعد صواريخها الباليستية جزءاً من أمنها الدفاعي غير القابل للتفاوض. بهذا المعنى، تحاول إيران تثبيت معادلة مفادها أن أي تنازل في الملف النووي لا ينبغي أن يتحول إلى مسار يفتح الباب أمام إعادة هندسة عقيدتها الردعية.

لكن خلف الخطاب التصعيدي، يقرأ مراقبون مؤشرات تدل على أن طهران تدرك ضيق النافذة. فالنظام يعيش لحظة حساسة داخلياً بعد اضطرابات وضغط اقتصادي، ويواجه بيئة إقليمية أقل تسامحاً مع سياسة «العتبة» النووية. كما أن تجربة المواجهة السابقة وما رافقها من ضربات وتداعيات، جعلت فكرة «المقامرة الكبيرة» أكثر تكلفة. لذلك تبدو إيران أمام خيار صعب: كيف تقدّم تنازلاً يكفي لتفادي ضربة محتملة، دون أن يبدو ذلك استسلاماً يفتح شهية خصومها لطلب المزيد؟

هنا تبرز نقطة التماس مع الموقف الإسرائيلي. إسرائيل تريد اتفاقاً «أوسع»، ليس فقط قيوداً نووية، بل أيضاً مقاربة للصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي. أما واشنطن فتبدو منشغلة بتحقيق نتيجة قابلة للتسويق سريعاً، ولو عبر صفقة مرحلية تُجمّد الخطر الأكثر إلحاحاً: مسار التخصيب والقدرات النووية. وبين السقفين، يتحدد شكل الجولة الثانية.

سيناريوهات قبل الجولة الثانية

أمام هذه المعادلة، تتبلور عملياً خيارات محدودة للطرفين: صفقة نووية مصغّرة وسريعة، تقوم على قيود فنية صارمة على التخصيب والمخزون وآليات رقابة، مقابل تخفيف مرحلي للعقوبات أو ترتيبات مالية محددة. ميزتها أنها تمنح ترمب «إنجازاً» سريعاً وتقلّص احتمال الضربة، لكنها قد لا ترضي إسرائيل إذا بقي ملف الصواريخ خارج النص.

اتفاق على مرحلتين، نووي الآن، ثم مسار لاحق للصواريخ والنفوذ. قد توافق إيران على صيغة عامة تؤجل الملفات الأكثر حساسية، شرط ألا تتحول المرحلة الثانية إلى شرط مُسبق لالتقاط أنفاس اقتصادية. لكن نجاح هذا الخيار يحتاج إلى ضمانات سياسية قوية كي لا يُقرأ مجرد ترحيل للمشكلة.

ضغط عسكري مضبوط لكسر الجمود، أي إبقاء المفاوضات قائمة مع رفع الجهوزية العسكرية (الحاملة الثانية وما يرافقها) لإفهام طهران أن الوقت ليس لصالحها. هذا السيناريو هو الأقرب إلى سلوك ترمب حتى الآن، لكنه يحمل مخاطرة أن ترد إيران بعمل محسوب يوسّع الاشتباك بدل تقليصه.

ضربة محدودة إذا فشلت الجولة، هدفها إعادة إيران إلى الطاولة بشروط أشد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن «الضربة المحدودة» ليست وصفة مضمونة، فنجاحها رهين ضبط رد الفعل الإيراني، وهو أمر قد تصعّبه اعتبارات الهيبة الداخلية.

متظاهرون إيرانيون أمام صاروخ إيراني خلال إحياء الذكرى 47 للثورة الإسلامية (إ.ب.أ)

خيار إيران الأقل تكلفة، عبر تنازل نووي محسوب مع تثبيت الخطوط الحمراء الأخرى، أي تقديم مرونة في التخصيب والرقابة مقابل الحفاظ على الصواريخ خارج التفاوض، وربما تهدئة غير مباشرة في الساحات الإقليمية لتقليص دوافع التصعيد الأميركي.

في المحصلة، تتقدم الجولة الثانية على حافة زمنية ضيقة: ترمب يريد نتيجة سريعة تحمي الاقتصاد وأسواق الطاقة وتخدم أجندته الداخلية قبل الانتخابات، وإيران تريد تجنب ضربة جديدة من دون أن تهدم ركائز ردعها. وبينهما إسرائيل تحاول رفع سقف الصفقة، وروسيا وتركيا تُطلقان إشارات تحذير من أن توسيع المطالب قد يدفع المنطقة إلى حافة حرب أخرى إذا انقطع خيط الدبلوماسية.


إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يُلمّح لإطلاق حملة انتخابات مبكرة من أحياء تركيا الفقيرة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمح إلى إطلاق حملة انتخابية من أحياء تركيا الفقيرة خلال اجتماع لرؤساء فروع حزبه في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إشارة ضمنية للبدء في حملة انتخابية مبكرة، في ظل حديث عن تعديل آخر في الحكومة خلال الأيام المقبلة، يشمل وزارات تتعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ودفع التعديل الوزاري المحدود الذي أجراه إردوغان على حكومته، بتغيير وزيري العدل والداخلية، إلى الاعتقاد بأن حملة التغيير قد بدأت استعداداً للانتخابات المبكرة التي كانت مطلباً متكرراً للمعارضة على مدى نحو عام. ويتردد في كواليس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أن تعديلاً قادماً سيشمل وزراء العمل والضمان الاجتماعي، والأسرة والخدمات الاجتماعية، والثقافة والسياحة، والتجارة، بما يسهم في توضيح خريطة طريق الحكومة وخدمة أهدافها في الفترة المقبلة.

تحضير للانتخابات

وجّه إردوغان تعليمات إلى مختلف تنظيمات حزب «العدالة والتنمية» بالانتشار في الأحياء الفقيرة والمهمشة والاقتراب من الناس، فيما اعتبر إشارة على تحرك باتجاه إطلاق حملة للانتخابات المبكرة.

إردوغان متحدثاً خلال اجتماع لرؤساء فروع حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان، في كلمة خلال اجتماع لرؤساء فروع الحزب في المدن التركية، الخميس: «انقلوا تحياتي إلى الأحياء الفقيرة، واهتموا بكل فرد من إخواني وأخواتي».

ولطالما نفى إردوغان، وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، أن تكون هناك انتخابات مبكرة، وأكّدا أن الانتخابات ستجرى في موعدها المحدد في عام 2028، وذلك رداً على المطالبات المتصاعدة للمعارضة بإجراء انتخابات مُبكّرة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وتردّي مستوى المعيشة.

أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول ليل الأربعاء (حساب الحزب في إكس)

وأكد زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل، خلال تجمع حاشد لأنصار حزبه في إحدى جزر إسطنبول ليل الأربعاء إلى الخميس، أن «الانتخابات قادمة لا محالة، وأن هذه الحكومة لن تستطيع الصمود لعجزها عن حل المشاكل الاقتصادية ومحاربة التضخم».

ووصف أوزيل، خلال التجمع الذي يأتي ضمن سلسلة تجمعات احتجاجية بدأت منذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري» أكرم إمام أوغلو في 19 مارس (آذار) 2025؛ تعيين إردوغان المدعي العام في إسطنبول، أكين غورليك - الذي بدأ تحقيقات الفساد في بلدية إسطنبول وأصدر الأمر باعتقال إمام أوغلو - وزيراً للعدل بـ«العار»، قائلاً إنه أكد «بما لا يدع مجالاً للشك» أن هذه التحقيقات هي «عملية سياسية لا قانونية».

هجوم على المعارضة

وجّه إردوغان انتقادات حادة إلى أوزيل وحزبه، واصفاً الاشتباك بالأيدي بين نواب «الشعب الجمهوري» و«العدالة والتنمية» خلال مراسم أداء غورليك ووزير الداخلية الجديد مصطفى تشفتيشي، اليمين الدستورية في البرلمان، بأنه «عمل تخريبي»، مُتّهماً المعارضة بـ«البلطجة والاستبداد».

اشتباك بالأيدي بالبرلمان التركي خلال أداء وزيري العدل والداخلية الجديدين اليمين الدستورية الأربعاء (أ.ب)

وقال إردوغان: «شهدنا مرة أخرى عقلية حزب الشعب الجمهوري الفاشية المتغطرسة، لقد مارسوا شتى أنواع البلطجة، بما في ذلك احتلال منصة البرلمان، لمنع وزيرينا من أداء اليمين. ليس لديك القدرة على إيقاف هذا المسار يا أوزغور، ماذا جرى الآن، لقد أديا اليمين الدستورية، رغم سلوككم غير الديمقراطي».

وعَدّ الرئيس التركي أن أعظم ما تملكه تركيا هو «حزب العدالة والتنمية» و«تحالف الشعب» (مؤلف من العدالة والتنمية والحركة القومية)، قائلاً إنه رغم «الدعاية العنيفة والاستفزازية» المتزايدة للمعارضة، لا يزال «تحالف الشعب» مركز جذب، وهو مركز السياسة، ما يجعل تركيا «دولة محورية تحتل مكانة في الدبلوماسية الإقليمية والعالمية، وتُطرق أبوابها بشكل متزايد بحثاً عن حلول للأزمات».

جانب من المؤتمر الصحافي لرئيس البرلمان التركي ورئيسة الجمعية البرلمانية في سلوفينيا بأنقرة الخميس (البرلمان التركي - إكس)

في السياق ذاته، استهجن رئيس البرلمان نعمان كورتولموش، في تصريحات للصحافيين أعقبت مؤتمر صحافي مع رئيسة الجمعية الوطنية السلوفينية أورشكا كلاكوتشار، المشاجرة التي شهدها البرلمان، قائلاً إن مراسم أداء الوزراء لليمين الدستورية جرت وفقاً لأحكام الدستور والنظام الداخلي للبرلمان واكتملت العملية بمجرد أداء الوزيرين لليمين.

وأضاف أن محاولة منع إتمام هذه العملية، المنصوص عليها في الدستور، ولا سيما محاولة منعها بأساليب قسرية كاحتلال المنصة أو منع الوزير من أداء اليمين، أمرٌ غير مقبول، ولا يتوافق بتاتاً مع مبادئ الديمقراطية.


إقالة مسؤول في التلفزيون الإيراني بعد «زلة لسان» ضد خامنئي

إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
TT

إقالة مسؤول في التلفزيون الإيراني بعد «زلة لسان» ضد خامنئي

إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)
إيرانيون خلال مَسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران الأربعاء (أ.ب)

أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي إقالة مسؤول في إحدى المحطات الإقليمية، بعد أن تلفّظ صحافي يعمل فيها، خلال نقل مباشر، بشعار مُعادٍ للمرشد علي خامنئي، قبل أن يبرّر ذلك لاحقاً بأنه «زلّة لسان».

وخلال بث مباشر من مراسم الذكرى السابعة والأربعين للثورة في محافظة بلوشستان جنوب شرقي إيران، الأربعاء، كان مراسل التلفزيون الرسمي مصعب رسولي زاد يعلّق على توافد المشاركين وينقل هتافات الحشود، ومنها «الله أكبر»، قبل أن يردد عبارة «الموت لخامنئي»، بدلاً من الشعارات المعتادة في مثل هذه التجمعات، مثل «الموت لأميركا»، و«الموت لإسرائيل».

وسرعان ما نشر المراسل مقطع فيديو اعتذر فيه عما وصفه بـ«زلّة لسان» و«خطأ غير مقصود»، مندّداً بما عدَّه استغلال «أعداء الثورة» للحادثة، وفق ما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد التلفزيون الرسمي بفصل مدير البرامج، فور وقوع الحادث، مبرراً القرار بـ«خطأ وقع في الشبكة»، كما أعلن إيقاف «مُشغّل البث ومدير البث» عن العمل، وإحالة موظفين آخرين عُدّوا مسؤولين إلى لجنة تأديبية.

وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى «الحفاظ على الانضباط المهني وصون سُمعة الإعلام».

تأتي الحادثة في وقت شهدت فيه إيران موجة احتجاجات غير مسبوقة بدأت أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأسفرت، وفق حصيلة رسمية، عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص. وأكدت طهران أن معظم الضحايا من أفراد قوات الأمن ومارة غير مشاركين في التظاهرات، متهمة «إرهابيين» يعملون لحساب الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء أعمال العنف.