ضعف الدولار يعزز مكاسب شركات وول ستريت

أكثر من 43 % من إيرادات مؤشر «إس آند بي 500» خارجية

جانب من بورصة نيويورك للأسهم في ظل الازمة الكورية وانعكاساتها على حركة الأسهم وأسعارها (غيتي)
جانب من بورصة نيويورك للأسهم في ظل الازمة الكورية وانعكاساتها على حركة الأسهم وأسعارها (غيتي)
TT

ضعف الدولار يعزز مكاسب شركات وول ستريت

جانب من بورصة نيويورك للأسهم في ظل الازمة الكورية وانعكاساتها على حركة الأسهم وأسعارها (غيتي)
جانب من بورصة نيويورك للأسهم في ظل الازمة الكورية وانعكاساتها على حركة الأسهم وأسعارها (غيتي)

إذا كان نمو الاقتصاد الأميركي مرتبط بنسبة 30 في المائة فقط بالطلب والاستهلاك والاستثمار الخارجي، فإن مؤشر «إس آند بي 500» الذي يقيس أداء شركات بورصة وول ستريت مرتبط بالخارج بنسبة أعلى من ذلك، وبالتالي مرتبط بسعر صرف الدولار أمام سلة العملات الدولية. وإذا كان هذا الارتباط قد تراجع قليلاً خلال السنوات الماضية فقد عاد هذه السنة ليترسخ أكثر بحسب جملة تقارير درست علاقة سعر الصرف بنمو أرباح الشركات.
وللمثال، أكد تقرير صادر عن مجموعة «إس آند بي غلوبال» أن شركات ذلك المؤشر تحقق 43.16 في المائة من إيراداتها من الخارج.
جغرافيا، تحصل الشركات الأميركية من آسيا على إيرادات نسبتها 8.46 في المائة من الإجمالي، ومن أوروبا (بريطانيا ضمناً) 8.13 في المائة، وكندا 3.3 في المائة، وأفريقيا 3.97 في المائة، والشرق الأوسط 2 في المائة، وأميركا الجنوبية 1.6 في المائة... ودرس ذلك التقرير ميزانيات أكبر 257 شركة مدرجة في مؤشر «إس آند بي 500» لاستنتاج متوسط ارتباط تلك الشركات الأميركية بالخارج.
وبلغ ذلك الارتباط ذروته في عام 2014، عندما وصل إلى نسبة 47.82 في المائة، لكنه تراجع قليلاً لأن نمو الاقتصاد الأميركي في السنوات القليلة الماضية كان جيدا، وبالتالي استفادت الشركات الأميركية من ذلك النمو لتعزيز إيراداتها من الداخل في ظل تباطؤ النمو الصيني والخروج «البطيء» للاقتصاد الأوروبي من أزمته، علماً بأن الإيرادات الأوروبية للشركات الأميركية كانت وصلت في 2010 إلى نحو 13.48 في المائة من الإجمالي، وهبطت في عام 2012 إلى 9.69 في المائة، ثم تراجعت قليلا بعد ذلك.
وهنا يذكر أن الإيرادات من بريطانيا كانت 2.39 في المائة، وهي الآن 1.1 في المائة فقط بسبب تداعيات «بريكست»، أي إطلاق عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي. ومن التحديات التي تواجهها الشركات البريطانية الآن تعزيز علاقتها مع نظيرتها الأميركية لتعويض جزء مما قد تفقده أوروبياً، لا سيما التعاملات التي يقدمها حي المال اللندني المهدد بفقدان جزء من دوره كمركز مالي أوروبي وعالمي.
وتظهر المؤشرات الأولى لعام 2017 أن إيرادات الشركات الأميركية من الخارج ترتفع لعدة أسباب، أبرزها أن الفارق بين نمو الاقتصاد الأميركي والاقتصادات الكبرى الأخرى يضيق، وأن نمو اقتصادات الدول الناشئة يتسارع.
لكن التقرير يلقي الضوء أكثر على أهمية ارتباط إيرادات الشركات الأميركية بالخارج في ظل تراجع الدولار بنسبة 9.73 في المائة أمام سلة العملات العالمية منذ بداية العام. هذا التراجع يعطي دفعة للشركات الأميركية المصدرة ويحفز نموها، وبالتالي أرباحها.
وأكدت مصادر متابعة أن «هذه الدفعة مرحب بها من جانب الشركات، لأن الإصلاح الضريبي الذي تنتظره من إدارة الرئيس دونالد ترمب يتأخر، كما يتأخر إطلاق برنامج استثمارات بمئات المليارات في البنى التحتية، فضلاً عن أن أرباح الشركات قد يتأثر بارتفاع أسعار بعض المواد الأولية وصعود الرواتب».
على صعيد متصل، أشار تقرير صادر عن بنك «كريديه سويس» إلى أن هبوط الدولار بنسبة 10 في المائة يرفع مباشرة الربح الصافي لكل سهم من أسهم الشركات الأميركية 4 نقاط مئوية، يضاف ذلك إلى الاستفادة التي يجنيها من الناتج الأميركي بفعل النمو، وتنعكس هي الأخرى أيضاً على مبيعات المجموعات الأميركية المتوسعة في الخارج. وأكد تقرير «كريديه سويس» وجود علاقة عضوية بين هبوط الدولار وإعادة قراءة توقعات الأرباح باتجاه الأعلى.
وفي قراءة لنتائج شركات «مؤشر إس آند بي 500» في النصف الأول، أكد محللون أن «الأرباح بصحة جيدة. وبالنسبة للرئيس الأميركي فإن صحة وول ستريت الجيدة مؤشر على صوابية السياسة الاقتصادية التي يتبعها. وبالفعل فإن مؤشر «إس آند بي» صعد بنسبة 11.5 في المائة منذ انتخاب ترمب رئيساً، وجدد المؤشر شبابه مع إعلانات النتائج النصف سنوية.
فأرباح شركات المؤشر ارتفعت نحو 10 في المائة بنهاية يونيو (حزيران) الماضي على أساس سنوي، وتخطت توقعات المحللين بنحو 3 نقاط مئوية. وبين الأسباب الأساسية، لذلك كان انخفاض الدولار الذي نفع الشركات المتوسعة عالميا، لكن هناك استثناء خاص بشركات النفط». وبالفعل، سجل مؤشر «إس آند بي إنرجي» هبوطاً الشهر الماضي، كان السابع على التوالي، ولامس أحد أدنى مستوياته منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، وتأثر ذلك المؤشر هذه السنة حتى نهاية أغسطس (آب) الماضي بهبوط أسعار النفط بنسبة 14 في المائة، الذي جر وراءه هبوط مؤشر «إنرجي» بنسبة 17 في المائة.
وأضاف المحللون أن «هبوط الدولار يعزز الصادرات ويخفف الاستيراد. وهذا ما يريده الرئيس الأميركي الذي يذكر دائماً بضرورة إلغاء أو إعادة النظر بالاتفاقات التجارية الأميركية مع دول العالم لأنها، بنظره، فاقمت العجز التجاري الأميركي كثيراً».
ويذكر أن هبوط الدولار بدأ يؤثر في الواردات بحسب وزارة التجارة الأميركية التي كشفت عن هبوط العجز التجاري في يونيو (حزيران) الماضي إلى أدنى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016 لأسباب كثيرة، بينها هبوط الدولار بطبيعة الحال الذي جعل فاتورة المستورد أعلى من السابق، وعزز تنافسية بعض المنتجات الأميركية المحلية.
تبقى الإشارة إلى أن العجز التجاري الأكبر تسجله الولايات المتحدة الأميركية في تجارتها مع الصين، والذي بلغ في عام 2016 نحو 347 مليار دولار، أي ما نسبته 60 في المائة من إجمالي العجز التجاري الأميركي مع العالم.



الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

الصراع في الشرق الأوسط يعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي

حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لونغ بيتش، لونغ بيتش، كاليفورنيا (إ.ب.أ)

بينما تتوالى أنباء الصراع من مضيق هرمز، لا يتوقف الضجيج عند حدود أسعار النفط المتقلبة؛ فخلف الستار، يخوض العالم معركة اقتصادية صامتة تضع صنّاع السياسات النقدية أمام أكبر اختبار منذ عقود؛ إذ إن البنوك المركزية الكبرى تجد نفسها اليوم، مرة جديدة، في مواجهة صدمة إمدادات جديدة تفرض عليها خيارات بالغة الصعوبة بين كبح التضخم الجامح وحماية نمو اقتصادي بدأ يترنح.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل تنجح البنوك المركزية في احتواء هذه الموجة؟ أم أننا أمام صدمة ستغير قواعد اللعبة الاقتصادية للأبد؟ لم يعد التحدي مجرد تقلبات لحظية في أسعار النفط أو أرقام التضخم؛ بل في كيفية تأقلم الاقتصاد العالمي مع واقعٍ جديد تتفكك فيه سلاسل الإمداد.

بين التضخم والركود

تجد البنوك المركزية الكبرى حول العالم نفسها اليوم، أمام مأزق أكثر تعقيداً مما كانت عليه الحال في الأزمات السابقة؛ إذ يراود صناع القرار شبح «الركود التضخمي»، وهو السيناريو الأكثر رعباً في علم الاقتصاد، حيث تجتمع ضغوط ارتفاع الأسعار الناتجة عن صدمة إمدادات الطاقة، مع ضعف في الطلب الاستهلاكي الناتج عن تآكل القوة الشرائية.

وفي ظل هذا الضغط، تتباين الاستراتيجيات؛ فبينما تحاول بنوك مركزية كبرى الحفاظ على مساراتها المتشددة لمواجهة الضغوط التضخمية، تميل مؤسسات مثل «الاحتياطي الفيدرالي»، إلى تبني نهج حذر يتسم بالانتظار والترقب، متأثرة بمسارها التاريخي في التعامل مع الصدمات الجيوسياسية.

هذا النهج يهدف بشكل أساسي، إلى تفضيل تجاهل الارتفاعات المؤقتة والمفاجئة في تضخم أسعار الطاقة، وذلك لتجنب الإضرار المباشر بسوق العمل التي بدأت تظهر عليها علامات الإنهاك في القطاعات غير الطاقية، خوفاً من أن يؤدي رفع الفائدة في توقيت خاطئ، إلى تعميق التباطؤ الاقتصادي بدلاً من كبح التضخم.

الناس يصطفون في طوابير أمام محطة وقود في إسطنبول (أ.ف.ب)

ولا تتوقف هذه المعضلة عند الإجراءات الفنية؛ بل تمتد لتشمل التوقعات المستقبلية والتحولات في هيكلية القيادة النقدية؛ إذ يراقب المستثمرون والأسواق المالية باهتمام بالغ، التغيرات المرتقبة في هرم القيادة لعدد من البنوك المركزية؛ وعلى رأسها التغييرات المتوقعة في «الاحتياطي الفيدرالي» بحلول مايو (أيار) المقبل.

وهناك رهان متزايد في الأسواق بأن القيادات الجديدة قد لا تلتزم بالضرورة بـ«إرث» التشدد السابق؛ بل قد تميل نحو «تحيز تيسيري» يعتمد على رؤية استراتيجية مفادها أن صدمات الطاقة، وإن كانت قاسية، تظل مؤقتة بطبيعتها. هذه الرؤية قد تدفع البنوك المركزية إلى «النظر عبر» تقلبات الأسعار قصيرة المدى، والتركيز بدلاً من ذلك على استدامة النمو الاقتصادي بوصفه هدفاً أسمى.

هذا التوجه يضع البنوك المركزية في مواجهة مباشرة مع الأسواق التي قد ترفض هذا التراخي؛ ففي الوقت الذي قد تسعى فيه هذه البنوك لخفض أسعار الفائدة لضمان عدم انزلاق الاقتصاد نحو الركود، قد تؤدي هذه الخطوة إلى تأجيج توقعات التضخم لدى المستثمرين، مما يخلق فجوة ثقة بين صانع القرار والأسواق المالية.

وبذلك، تصبح البنوك المركزية مقيدة بحلقة مفرغة: فرفع الفائدة يهدد بزيادة البطالة والركود، وخفضها يهدد بترسيخ التضخم بوصف ذلك حالة هيكلية دائمة، مما يجعل كل قرار نقدي في هذه الفترة يمثل مجازفة كبرى في مسار الاقتصاد العالمي ككل.

شريان الطاقة العالمي

يمثل مضيق هرمز القلب النابض لتدفقات الطاقة العالمية، حيث يمر عبره خُمس الإنتاج اليومي من النفط والغاز المسال. إن شبه التوقف في حركة السفن التجارية عبر هذا المعبر، تسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة العالمية، مما يفرض ضغوطاً تصاعدية على ميزانيات الدول والمستهلكين الأفراد على حد سواء.

وفي حين تحاول أوروبا التعامل مع هذه الضغوط عبر تكثيف الجهود لإعادة ملء المخزونات بتكلفة متزايدة، تظل الاقتصادات الآسيوية هي الأكثر انكشافاً للمخاطر، نظراً لاعتمادها المكثف على واردات الطاقة عبر المضيق.

وإذا استمر هذا الاضطراب لفترة طويلة، فمن المحتمل أن تتحول الضغوط التضخمية من حالة مؤقتة إلى حالة هيكلية مستدامة، مما قد يؤدي إلى تآكل جزء ملموس من نسب النمو الاقتصادي العالمي المتوقعة لهذا العام.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيسي بمضيق كلارنس في مضيق هرمز (رويترز)

الضغوط المالية والديون السيادية

لا تقتصر تداعيات النزاع على أسواق السلع، بل تمتد لتلقي بظلالها على المالية العامة للدول؛ ففي الولايات المتحدة، أدى تضافر القرارات القضائية التي أبطلت بعض الرسوم الجمركية، مع تزايد الحاجة للإنفاق الحكومي في بيئة غير مستقرة، إلى تفاقم أزمة العجز المالي. وقد أدى بيع المستثمرين المكثف للسندات الحكومية، مدفوعاً بمخاوف التضخم، إلى رفع عوائد السندات، وهو ما أدى بدوره إلى «تشديد غير مباشر» للظروف المالية، مما رفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات، وقلص الحيز المالي المتاح لدعم الانتعاش الاقتصادي.

سلاسل الإمداد والأمن الغذائي

تتجاوز تأثيرات الأزمة قطاع الطاقة، لتصل إلى سلاسل توريد الغذاء العالمية والمواد الخام الحيوية. ويعدّ تعطل الملاحة تهديداً للأمن الغذائي الدولي، نظراً لأن المضيق يمثل ممراً رئيسياً لصادرات اليوريا والأسمدة التي يعتمد عليها نصف الإنتاج الزراعي العالمي. بالإضافة إلى ذلك، تواجه السلع عالية القيمة، مثل الإلكترونيات والرقائق الدقيقة، تأخيرات لوجيستية ناتجة عن تقييد المجالات الجوية واضطرابات الشحن البحري، مما يجبر الشركات العالمية على التخلي عن استراتيجيات «التوريد في الوقت المناسب»، والتوجه نحو استراتيجيات «التوريد الوقائي». وعلى الرغم من أن هذا التحول يمنح الشركات حماية ضد النقص المفاجئ، فإنه يترجم في نهاية المطاف، إلى تكاليف مخزون أعلى وأسعار نهائية مرتفعة للمستهلك.

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة (رويترز)

التبعات الهيكلية على العولمة

يشهد العالم في هذا العقد، مرحلة مفصلية يمكن وصفها بـ«عقد صدمات الإمداد»، حيث أثبتت الحرب الحالية هشاشة الترابط المفرط للأسواق العالمية. ومع استمرار هذه الاضطرابات، ستجد الحكومات والشركات نفسها مضطرة لإعادة توطين الصناعات الحيوية، وتقليل الاعتماد على المسارات اللوجيستية التي تعبرها مناطق النزاع، وذلك حتى لو جاء هذا التوجه على حساب الكفاءة الاقتصادية القصوى. وسيظل المدى الزمني لهذا النزاع هو المتغير الحاسم في هذه المعادلة، فبينما تحاول الأسواق استيعاب الصدمات اللحظية، يظل الخوف الحقيقي في تحول هذه الاضطرابات إلى واقع هيكلي، يفرض قيوداً جديدة على مسارات النمو العالمي.


بريطانيا في مواجهة «صدمة طاقة»: لماذا تبدو الأكثر عرضة للخطر؟

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بلندن (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بلندن (رويترز)
TT

بريطانيا في مواجهة «صدمة طاقة»: لماذا تبدو الأكثر عرضة للخطر؟

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بلندن (رويترز)
أسعار البنزين معروضة في محطة وقود بلندن (رويترز)

تواجه بريطانيا مخاطر اقتصادية متزايدة تفوق نظيراتها في أوروبا والولايات المتحدة، نتيجة التوترات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي كانت فيه معدلات التضخم البريطانية تبدو في طريقها نحو الاستقرار، أعادت أزمة الطاقة الحالية إثارة المخاوف من موجة غلاء جديدة، مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي للارتفاع الحاد، وأجبر المستثمرين على إعادة تقييم توقعاتهم بشأن سياسات بنك إنجلترا النقدية.

هذا الأسبوع، قفزت أسعار الغاز بالجملة في بريطانيا بنحو 70 في المائة، مع توقف شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، وتوقف قطر - التي تُزوّد ​​العالم بخُمس الغاز الطبيعي المُسال - عن الإنتاج.

ويأتي نحو 1 في المائة فقط من إمدادات الغاز في بريطانيا من قطر، لكن هذا الاضطراب أدّى إلى ارتفاع الأسعار عالمياً، وفق «رويترز».

وتكمن الأزمة في طبيعة اعتماد الاقتصاد البريطاني على الغاز؛ إذ يُستمد نحو 30 في المائة من كهرباء بريطانيا من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز، مقارنةً بـ17 في المائة بألمانيا و3 في المائة فقط بفرنسا، وهو ما يترك الاقتصاد البريطاني بلا «وسادة أمان» حقيقية في مواجهة انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز.

كما أن الغاز يُستخدم للتدفئة في أكثر من 70 في المائة من المنازل. وتُحدد أسعار الكهرباء عادةً بناءً على سعر الغاز، وهو أغلى من الطاقة المُولدة من مصادر متجددة.

سائق سيارة يملأ عبوة بالوقود في محطة بنزين بلندن (رويتزر)

وتزيد هذه الهشاشة غياب استراتيجية وطنية للتخزين؛ حيث لا تمتلك المملكة المتحدة سوى مخزون يكفي لنحو 12 يوماً من الطلب، مقارنة بـ90 يوماً في ألمانيا وأكثر من 100 يوم في فرنسا، وهو ما يترك الاقتصاد البريطاني بلا «وسادة أمان» حقيقية في مواجهة انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز، وفق «رويترز».

وعلى عكس الاتحاد الأوروبي، لا تملك بريطانيا هدفاً لتخزين الغاز، وهو الهدف الذي حدده الاتحاد الأوروبي بعد أزمة الطاقة الناجمة عن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. ويُمثل موقع تخزين الغاز قبالة سواحل شمال إنجلترا، المملوك لشركة «سينتريكا»، نحو نصف سعة تخزين الغاز في البلاد. إلا أن العمليات توقفت العام الماضي، عندما أصبح تشغيل الموقع غير مُجدٍ اقتصادياً. وتأمل شركة «سنتريكا» في أن تقدم الحكومة الدعم اللازم لجعل الموقع قابلاً للاستمرار.

فاتورة المواطن تحت المجهر

لن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية حالياً، لأن أسعار الغاز في بريطانيا تخضع لسقف ربع سنوي من قبل هيئة تنظيم الطاقة. وستنخفض الأسعار في أبريل (نيسان)، بعد أن حوّلت الحكومة بعض الرسوم إلى الضرائب العامة. لكن «فترة المراقبة» التي تحددها هيئة تنظيم الطاقة لتحديد الأسعار، والتي تمتد لـ3 أشهر بدءاً من 1 يوليو (تموز)، ستشمل الارتفاع الحالي في الأسعار، حيث تمتد من 18 فبراير (شباط) إلى 18 مايو (أيار).

ويتوقع بعض المحللين ارتفاعاً بنسبة 10 في المائة في سقف الأسعار. ومن المرجح أن يكون معظم الشركات قد قام بتأمين إمدادات الطاقة لديها، مما يحميها على الأقل على المدى القصير.

التضخم والنمو

يواجه الاقتصاد البريطاني تحدياً هيكلياً؛ فبينما يمثل الوقود والمرافق جزءاً أصغر من «سلة التضخم» مقارنة بمنطقة اليورو، فإن أثر الصدمة قد يكون أكثر ديمومة؛ فالتضخم في بريطانيا تراجع بوتيرة أبطأ من دول أخرى بعد ذروة 2022، مما يعني أن أي صدمة جديدة قد تترسخ في الأجور والأسعار بسهولة أكبر.

هذا الوضع يضع الحكومة وبنك إنجلترا أمام مأزق؛ فالتدخل الحكومي ببرامج دعم واسعة النطاق - كما حدث خلال أزمة أوكرانيا بتكلفة 44 مليار جنيه إسترليني - بات يصطدم اليوم بضرورة إصلاح المالية العامة. وفي الوقت نفسه، يضطر بنك إنجلترا إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، حيث تراجعت احتمالية خفض الفائدة هذا العام إلى مستويات متساوية، مما يزيد من الضغط على النمو الاقتصادي الهش أصلاً.

وزيرة الخزانة راشيل ريفز (رويترز)

تداعيات السياسة المالية والنقدية

يجد صانعو السياسات بلندن أنفسهم في وضع لا يُحسدون عليه؛ فإذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فسيتعين على وزير الخزانة رايتشل ريفز، الاختيار بين تحمل أعباء جديدة ترهق ميزانية الدولة وتثير قلق أسواق السندات، أو ترك المواطنين والشركات يواجهون الصدمة بمفردهم، وهو ما قد يؤدي إلى انكماش أعمق في النمو. وفي هذه الأثناء، يراقب المستثمرون تحركات بنك إنجلترا، الذي بات رهينة لمدى استمرار الصراع، حيث لم يعد هناك مجال للخطأ في تقدير المسار النقدي، في ظل اقتصاد يحاول جاهداً التعافي من تضخم عنيد.


خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.