جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

من أوائل رجال الأعمال في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب
TT

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

تعلم جمعة الماجد الصبر والمثابرة من صيد اللؤلؤ عندما كان والده يصطحبه معه إلى مجاهل البحر، ولعل ولادته في الشندغة عام 1930 هيأته لهذه الرحلات البحرية الشاقة، ثم تعلّم في الكتاتيب على يد أمثال فرح القريني، وأحمد القنبري، وغيرهما، وبعدها انتسب إلى المدرسة الأهلية عام 1948 التي أسسها حسن ميرزا الصايغ. ثم طرق باب التجارة، ولكنه سرعان ما كرس نفسه للكتاب من خلال تأسيس المدارس الخيرية والجامعات، وكلية الدراسات العربية الإسلامية عام 1986 ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث عام 1991. وهو من أوائل رجال المال والتجارة في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب، ووصل إخلاصه وتفانيه في حب إلى الكتاب إلى القول: أعتبر نفسي مسؤولاً عن إنقاذ أي كتاب معرض للتلف في العالم.

> نحن نعيش في عصر البربرية والتطرف، فهل تعتقد أن المراكز الثقافية، ومنها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، تسهم في عملية التنوير ونشر الثقافة والعلم والمعرفة بين أوساط الشباب؟
- لا أعتقد أن مركزاً واحداً يستطيع أن يغيّر الكون، رغم أن مركزنا يختلف عن بقية مراكز العالم الثقافية، لأننا لا نقلّد بل نبتكر، وكما هو معروف، إن مهمتنا هي تزويد الباحث العربي بالكتب والمراجع والمخطوطات، لذا ابتكرنا طريقة إرسال الكتاب أو المخطوط إليه، فلا يتمكن الباحثون والمؤلفون القدوم إلينا، لذلك نقوم نحن بالسفر إليهم، ومخطوطاتنا ملك للناس وليس للحفظ. ونحن نختلف عن المكتبات ليس في العالم العربي بل في العالم المتحضّر أيضاً، على سبيل المثال، يصل سعر اللقطة الواحدة من الكتب والمخطوطات إلى دولار أو دولار ونصف، بينما نحن نسعّرها بـ25 سنتاً خدمة للقارئ والباحث، هكذا قلبنا نظام الرسوم رأساً على عقب.
> كانت لديكم مبادرات في اقتناء المخطوطات من العالم، خصوصا تلك المُعرّضة للخطر، كما حصل مع مخطوطات تمبكتو؟
- نحن أكبر مركز لحفظ المخطوطات في العالم، يتوفر في مركزنا نحو 900 ألف نسخة مخطوطة، ولا يوجد هذا الكم في أي مكتبة من مكتبات العالم. وهذه المخطوطات ليست للحفظ بل متاحة للقراء والباحثين والمختصين. لكننا لسنا مركزاً لتحقيق المخطوطات، ولو أننا نقوم بتحقيق 4 أو 5 مخطوطات في العام، ولكنه ليس من اختصاصنا، بل نحن نزوّد الباحثين والكتّاب بأدوات البحث، وهذا ما يؤدي إلى أن يقوم الباحثون بتحقيق آلاف المخطوطات بفضل جهودنا.
> كيف يمكن التغلب على الفكر المتطرف في نظركم، هل الثقافة قادرة على هذا التحدي وهذا الرهان في وقتنا الحالي؟
- البلدان التي تدعي التمدّن هي التي خلقت التطرف والإرهاب. ما دام هناك رؤساء يكذبون على شعوبهم ما الذي تبّقى؟ وعندما يحققون معهم يضعون لهم غطاء حسن النيّة، مثلما قال توني بلير في بريطانيا، يعترف بالخطأ حتى لا يُطارد في المستقبل. أسأل: مَنْ خلق التطرف؟ انظر ماذا قال كلينتون؟ قال: نحن خلقنا «داعش». الناس تقرأ ولكنها لا تفهم، ولا تسمع، فرئيس دولة يقول: نحن خلقنا «داعش»! والسؤال: لماذا خلقوا «داعش»؟ لخراب بلدان العالم. هم البلاء. علينا أن نخدم الثقافة من أجل استنارة الأمة، كما تفعل الشعوب الأخرى. أعتقد أنك قرأت كيف أن حكومة اليابان مدّت سكة حديد إلى مدينة نائية لأن هناك بنتا تدرس وتعيش مع أهلها في مزرعة، شيدوا قطاراً لكي تتمكن من الدوام في مدرستها.على قسم من الحكّام العرب والمسلمين أن ينفقوا 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة، و80 في المائة لهم. لا أحد يريد أن يسمع هذا الكلام، رغم أن وضعنا كارثي، حيث أعلنت اليونيسكو والأمم المتحدة عن وجود 80 مليون أمي في البلدان العربية، وأغلبيتهم في مصر. هل تحرك الحُكام لمعالجة هذا الأمر؟
> نلاحظ أن بعض الأفراد والمؤسسات تقوم بهذا العمل أي المحاولة في معالجة وضع الأمية في العالم العربي؟
ــــ يجب أن لا ننظر فقط الإمارات العربية المتحدة وما قام به سلطان بن سلطان العويس أو جمعة الماجد أو غيرهما في هذا المجال، وما كانا يستطيعان ذلك لولا التسهيلات التي حصلا عليها من الدولة، مثلاً الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، أمر بأن كل شيء عائد إلى جمعة الماجد، يُنقل على طائرته الخاصة، والشيخ حمدان بن زايد أمر بنقل كل ما يعود لي من كتب ومخطوطات في الحقيبة الدبلوماسية، والشيح محمد بن راشد أمر بعدم خضوع أي كتاب يأتي إلى مركز جمعة الماجد إلى الرقابة. عندما جاء نزار قباني إلى دبي لتسلم جائزة سلطان العويس، قال له العويس: اذهب وشاهد مكتبة مركز جمعة الماجد، فقال: يا سلطان، أنا رأيت مكتبات العالم، ماذا ستكون هذه المكتبة؟ قال له: لا، اذهب وشاهدها. لم يرغب في البداية، ثم جاء لزيارة المكتبة. تناولنا القهوة ونزلت معه. وعندما رأى المكتبة، قال: أتمنى أن تكون كتبي هنا. قلت له: لم لا؟ قلت له: يأتيك شخص ويأخذ كتبك. فأجابني: لكن كتبي ممنوعة. قلت له: لا، كتبك غير ممنوعة، وكذلك كتب غيرك أيضاً. قال لي: هل أنت متأكد؟ فقلت له: نعم. قال لي: لا ترسل أحداً يأخذ كتبي، أنا سوف أقوم بذلك. عندما وصل إلى لبنان، شحن كتبه، وتسلمناها من المطار. هذه قصة نزار قباني معنا. لماذا لا تحذو البلدان العربية حذو الإمارات ويعملون مثلها، ويستفيدون منها، حتى جيراننا لا يريدون الاستفادة من تجربتنا.
> من أي عمرٍ بدأ اهتمامك وشغفك بالكتاب، هل يعود إلى سنوات الصبا والشباب أم جاء في عمر متأخر، وأنت المهتم بالغوص في البدايات؟
- ليست لدي شهادة ابتدائية، ولكنني حرصت على توفير الكتاب للقارئ والباحث. نشأتُ في عائلة فقيرة، وكنت أذهب مع أبي للغوص، وهي أشق مهنة في الحياة على الإطلاق. ويعمل الناس على ظهر السفينة، كما لو كان نادي عراة، يأكلون وينامون ويقضون حاجاتهم، وغيرها، وكل واحد على السفينة له مهامه الخاصة، كانت مسؤوليتي أن أعتني بالقرط، وهي شجر تنبتُ في عُمان، لكي يدهن به الغواصون أجسادهم، للحفاظ عليها من القروح وتأثيرات الأملاح، وهكذا يداوي النوخذة نفسه. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، نزل سعر اللؤلؤ، ولم تعد البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تشتري اللؤلؤ منا، ولكن الهند وملوكها وتجارها ظلوا يشترون منا. أما زراعة اللؤلؤ، فتعود إلى مائة أو مائة وعشرين عاما، قبل الحرب العالمية الثانية ارتفع سعره، لكنه بعدها، نزل سعره الأصلي، وخسر التجار، وانكسر الخليج. وبدأ التاجر ينفق عشرة آلاف درهم لكنه لا يربح سوى ستة آلاف درهم. لكن سفينة ماجد الغرير باعت مائة ألف آنذاك، وهي سفينة كبيرة. السفن الصغيرة غير قادرة على هذا الإنتاج، ربما تنتج عشرين أو ثلاثين كيساً، ولم تعد الأرض تنتج اللؤلؤ، أحياناً مائة كيس من الصدف، الكبير، والمحار، الصغير، لا يحتوي معظمه على اللؤلؤ، على سبيل المثال، مائة كيس لا يوجد فيه كمية من المحار والصدف، بينما عشرون كيسا يمكن أن يحتوي على كمية أكبر.
> أنتم من أوائل من ربط بين الثقافة والتجارة في عمل إيجابي مثمر ومفيد لقطاعات واسعة محرومة وعملتم على تمكين هذه الفئات إلى الحصول على التعليم، هل تعتقد أن الرأسمال العربي لا يزال بعيداً عن خدمة الثقافية والتربية؟
- لا تنفق الحكومات العربية والإسلامية بما فيه الكفاية على التعليم، ولا يوجد غير التعليم مَنْ يُنقذ الأمة، سواء كانوا في المشرق أو المغرب أو إندونيسيا أو ماليزيا. ولكن ماذا يمكن أن يقوم به التاجر في هذا الميدان؟ إنه عمل فردي. حتى قسم من كُتابنا مثل الببغاوات، يكررون كلمات قيلت من قبل، مائة مرة، وكل التجار العرب لا يعادلون تاجراً واحداً في أميركا، وهناك شركة واحدة أكبر من دولة. ولكنهم يضّخمون من قدراتنا، ويقولون عندنا بترول، ونحن ضخمّنا أنفسنا أيضاً. يجب التركيز أولاً على تعليم المرأة. في الكلية كان عندي 2700 امرأة، يدرسن مجاناً، والكتب مجاناً، والنقل مجاناً، ونمنح الفقير مصاريف 500 درهم. وأغالبهم من عُمان، من الطبقة الفقيرة، التي لا تتمكن من مواصلة الدراسة في الكليات والجامعات الخاصة. ركزت على اللغة العربية، لأنها لغة القرآن، ولغة الدين. وكلياتنا معترف بها من قبل الأزهر ووزارة التعليم العالي، أول ماجستير ودكتوراه في الدولة تخرج من كليتنا. علّمتُ المرأة، ولما تعلّمت وجدت عملاً، ومن ثم حصلت على زوج. هل تبرع لها رجال الأعمال الآخرين مبلغ 500 درهم لكي تعيش بصورة أفضل؟ التعليم قيمة لا تعادلها كل أموال الدنيا.
> قطعتم شوطاً كبيراً في مجال العمل الخيري، وهذه السنة تحتفل مؤسستكم بذلك، إلى أي مدى وصل تأثيركم في المجال الثقافي والتربوي؟
ــ دعني أروي لك هذه القصة: عندما نزل البترول إلى 7 دولارات للبرميل قبل ثلاثين سنة، اجتمع الخليجيون وقالوا: لا نستطيع تدريس أبناء الأجانب، وذلك في الشهر التاسع، أنا كنت رئيس مجلس الآباء في دبي آنذاك، وكان أحمد الطاير، وكيلاً بالنيابة، لم يكن لدينا وزير، وكان هو الرئيس وأنا نائب الرئيس في بنك الإمارات، قلت له: كيف تعلنون عن عدم تدريس أبناء الأجانب في بداية العالم الدراسي؟ قال لي الطاير: القرار اتخذ من قبل مجلس التعاون الخليجي، ولا نستطيع أن نخرج على الاتفاق. وبقيت أفكر، وأقول: أين يذهب أبناء الأجانب في هذه الظروف؟ اتصلت بوزير التربية، وقلت له: أريد مساعدتك، قال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد مدارس بعد الظهر. قال: نعم. قلت له: وأريد كتباً. فأخرج لنا أمرا من رئاسة الوزراء لإعطائنا الكتب. قلت له: أريد مدرّسين، نحن ندفع لهم. قال نسمح لهم بذلك. فالفضل يعود إلى أحمد الطاير في المدارس الخيرية. هذه أمور لا يعرفها أحد. ولا الكتّاب يريدون يكتبون ولا الصحف تريد أن تكتب. عندنا 12 ألف خريج من المدارس الخيرية، وهم دائماً من العشرة الأوائل في الدولة من المدارس الخيرية. في البداية خصصناها بالمجان، بعدها رأينا أن التجار يريدون تسجيل أولادهم فيها، فقلتُ لهم: يا جماعة أنتم عندكم فلوس، علموهم في الخارج، قالوا: لا، تعليمكم معترفٌ به. فقلتُ لهم ادفعوا 5 آلاف في السنة، ورفعناها إلى 7 آلاف فيما بعد. دخلوا جامعات كثيرة وتخرجوا، وأعطوا من حياتهم، ورواتبهم أقل من الآخرين، لكنهم يؤمنون بالرسالة التربوية. وأحياناً تأخذهم منا المدارس الأخرى بإغرائهم. ما هو ذنب الفقير لا يتعلم؟
> نحن نعلم أن العالم العربي بحاجة إلى فكرة المؤسسات القائمة على قوانين ثابتة وليس على أشخاص، كيف ترى حال المؤسسات الفكرية والثقافية في العالم العربي في الوقت الحاضر؟
- قبل 2008 كانت البنوك والشركات الكبرى تأتي إلي، وتقول: ما هو السّر في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما سّر الثورة التي تشهدونها، كيف تحققت؟ فقلت لهم: هنا أنت حرّ في عقلك ومالك. وهنا الأمور ميسّرة: تريد تكّون شركة... أو تبني فندقاً، أو مدرسة أو مستشفى، أو بارا، لا أحد يقف عائقاً أمام استثمارك. نحن نعمل من أجل خير البشرية.
> هل تؤكد على تأسيس مراكز ثقافية على غرار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث؟
- لا نريد مراكز، بل نريد إخراج البشرية من الأميّة، نريد مدارس لكن المدرسين غير موجودين في البلدان العربية. كان راتب المدرس ألفي جنيه فقط في أيام حسني مبارك، فكيف يتطور حقل التعليم. المدرس التربوي.
> هل تعتقد أن العمل الثقافي لا يزال يلاقي نقص التمويل من الأغنياء ورجال الأعمال العرب في العالم العربي؟
- وما الضير إذا أسهم التجار بنسبة خمسة في المائة من دخولهم خاصة أن الضرائب غير موجودة في الإمارات. هناك رجال استماتوا في خدمة أوطانهم. واختيارهم موفق من حكامهم، انظر من الفجيرة إلى أبوظبي، كل شيء ينمو ويزدهر، وكل الدراسات تقول إن العقار هو أفضل دخل في دولة الإمارات. يجب أن تكون لنا أهداف تخدم بها البشر، وينتفع بها.
> هل تتعاونون مع مراكز ثقافية عالمية، وهل يُمكن تحديدها، وما هي الفوائد التي يجنيها مركزكم من ذلك على صعيد التبادل الفكري والثقافي؟
ـــ طبعاً، لدينا تعاون كبير مع المراكز العالمية، إذا ما طلب منا أحد كتاباً ولا يتوفر في مكتبتا، نحاول الحصول عليه من مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونغرس وبريستون، وبرلين، ندفع دولارا أو دولارين ونأخذ من طالب الكتاب 25 سنتاً، لا توجد مؤسسة في العالم تفعل ذلك. وهي وإن كانت مؤسسات غير ربحية في العالم إلا أنها تأخذ الرسوم، وأقول إن العلم ليس صفقة بيع وشراء. البلدان تقدمت بالإنفاق على التعليم مثل الصين واليابان وماليزيا، ما الذي ينقصنا حتى لا نصرف على التعليم. لذلك أصّر على ضرورة إنفاق 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة.
> ما هي مشاريعكم في التعامل مع الكتب التي تصدر خارج العالم العربي، هل من خطة للاهتمام بها؟
ــــ نحن نسعى إلى جمع كتب المهجر من مؤلفين عراقيين وسوريين ومصريين وعرب، ونسعى لبناء مكتبة تكلف 30 مليون دولار، ستكون وقفا للبشرية. ولطالما حرصت على جمع الكتب من أنحاء العالم، وأطلب من الأساتذة والعلماء والباحثين الذين التقي بهم ضرورة تزودي بالكتب الجيدة لكي أضمّها إلى مكتبتنا. أنت تعلم أنا تاجر وليس لدي معرفة بكل الكتب. ولدينا مكتبة فارسية تحتوي على نحو مائة ألف مخطوط، وهذا جزء من اهتمامنا بالكتاب غير العربي أيضاً.
> ما هو رأيكم بما يحدث للعالم العربي من انتهاكات وانتكاسات وتدمير للثقافة مثل ما حصل مؤخراً من قصف لمكتبة الموصل وتدميرها، وقبل ذلك حرق مكتبة بغداد الوطنية؟
- إنني أعتبر نفسي مسؤولا عن إنقاذ الكتاب في العالم، سواء كان إسلامياً أو بوذياً، أو مسيحياً أو عبرانياً، فهو في نهاية المطاف، ملك للبشرية، ويجب إنقاذه أينما كان. حرق الكتب جريمة تصل إلى قتل النفس في أي مكان في العالم.
> ما هي خططكم المستقبلية في الارتقاء بمؤسساتكم الثقافية والفكرية والتربوية؟
- مشاريعنا لا تتوقف، ولا نهاية لها. كنت في شراكة مع (الكاز) لاثنتي عشرة سنة، وتفارقنا بعدها، وبقينا أصدقاء، جاء رئيسها، وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت له: كيف؟ قال هذا الذي تعمل فيه عبارة عن بحر عميق، لا نهاية له: قلت له أعرف أين سائر أنا؟ كتب، ومخطوطات، ووثائق، وخبراء من الخارج، ونحن لا نتوفر على الكوادر، وما نحصل عليه من كوادر تغتنمهم بعض المؤسسات الحكومية وتأخذهم منا. أنا أتكلم عن التعليم، وجميع مؤسساتي عبارة عن وقف: الكليات، المدارس الخيرية، بيت الخير، مركز جمعة الماجد وغيرها. وقد اختارت جامعة الدول العربية مركزنا كأفضل مكتبة في العالم العربي، وتم الإعلان عن ذلك وسط القاهرة. كما حصلت جمعية بيت الخير على جائزة من بين 76 جمعية خيرية. أليست هذه مفخرة؟ أقمنا في عام 2013 مشروعاً بالتنسيق مع كليات التقنية، لتعليم الطالبات، من دون رسوم، لمدة سنتين للغة العربية واللغة الإنجليزية والكومبيوتر والمحاسبة، ونحن نقوم بالبحث عن عمل لهن، وبدأنا العمل وحصلنا على رواتب الآن، واحدة تقول: سنتان من البحث عن العمل لا أحد يوظفها، وهي خريجة ثانوية، وهي الآن قبل أن تتخرج عثرت على عمل. للأسف الشديد، أقول: العالم يتطور ونحن نتراجع. كنت أزور كوريا الجنوبية قبل سنوات كانت بيوتهم عبارة عن عشش، وهم يقولون لي: ماذا تفعل هنا؟ فأجبتهم بأنني هنا لشراء البضائع. ولم يكن فيها حتى فنادق 5 نجوم. وأنظر الآن كيف تطورت كوريا؟ والسبب الجوهري لتطورها هو التركيز على التعليم، والعالم العربي لا يزال يعاني من أزمة التعليم...
> هل فكرتكم بكتابة مذكراتكم التي ستكون لها بلا شك أهمية كبيرة للأجيال المقبلة؟ هل هناك مشروع من هذا القبيل؟
- إن شاء الله.

الجوائز التي حصل عليها
> جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1990 وجائزة الشخصية الدولية لخدمة الثقافة والتراث من قبل الرئيس المصري حسني مبارك 2000 وجائزة شخصية العام الثقافية في مهرجان القرين الثقافي في الكويت 2005 وجائزة تريم عمران الثقافية للمؤسسات2007 وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للإنجاز الثقافي والعلمي لدورة 2006 - 2007 وغيرها من التكريمات والجوائز المحلية والعربية والعالمية.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».