احتفالات واشتباكات وإصابات مع دخول آلاف الفلسطينيين المسجد الأقصى

عباس يقول إن القصة لم تنته... والسلطة تصف المشهد بتمهيد للتحرير... وغضب كبير في إسرائيل

قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
TT

احتفالات واشتباكات وإصابات مع دخول آلاف الفلسطينيين المسجد الأقصى

قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)

زحف عشرات آلاف المصلين إلى المسجد الأقصى أمس، مكبرين ومهللين فرحين «بالنصر»، بعد 13 يوما على بقاء المسجد مغلقا، بسبب الإجراءات الأمنية الإسرائيلية التي تراجعت عنها تل أبيب بالكامل، بما في ذلك فتح باب حطة، الذي ظل مغلقا إلى ما قبل صلاة العصر بوقت قصير، وكاد يفجر أزمة جديدة.
وتحولت ساحات الأقصى مع دخول الفلسطينيين بالآلاف إلى ساحات للاحتفال، ورشت النساء الأرز على الداخلين، وهتف الفلسطينيون: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، و«لبيك يا أقصى» وسط تدافع كبير وغير مسبوق، قبل أن يرفع شبان ملثمون العلم الفلسطيني فوق المسجد، ويواصلون الهتافات مع آخرين بصوت عال «الله أكبر».
وتأخرت صلاة العصر بسبب التزاحم الشديد وعدم تمكن كثيرين من الوصول إلى الساحات في وقت قصير. ولكن بعد ساعات قليلة، تحولت ساحات الاحتفال إلى ساحات مواجهة واسعة.
وتفجرت اشتباكات بين المصلين والشرطة الإسرائيلية أمام باب حطة، بسبب الهتافات التي استفزت قوات الشرطة الإسرائيلية التي أرادت إعادة إغلاق الباب والسيطرة عليه. لكن الأعداد الهائلة حالت دون ذلك، فأطلقت الشرطة قنابل غازية وصوتية، قبل أن تنسحب من المكان، ثم تعود وتنتشر بقوات أكبر على جميع الأبواب، وداخل المسجد وفوق الأسطح وتغلق الباب من جديد.
وهاجمت القوات الإسرائيلية المصلين خارج المسجد وداخله بالرصاص والقنابل الصوتية والغازية. ورد المصلون بإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة، ما خلف أكثر من 50 إصابة بين المصلين وإصابتين في صفوف الشرطة.
وشوهدت قوات الشرطة تقتحم المسجد وتعتلي أسطحه وسط حالة من التوتر، وسقط شبان مصابين بالرصاص على الهواء مباشرة.
ويبدو أن إسرائيل أرادت الانتقام من لحظة بدا فيها الفلسطينيون مسيطرين على المسجد وبواباته والطرق المؤدية إليه، في مشهد أثار غضب اليمين الإسرائيلي، وكشفه زيف الاعتقاد السائد في إسرائيل، حول المدينة «عاصمة موحدة».
وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية، يوسف المحمود: «إن لحظة دخول المسجد الأقصى المبارك، هي لحظة تاريخية عظيمة تمهد للتحرير، وتبشر بقرب زوال الاحتلال القادم لا محالة، وتذكر بانتصارات أمتنا المجيدة التي كان لأهلنا في القدس وأبناء شعبنا الفلسطيني، دائما، الدور الرئيسي فيها على مر التاريخ».
وأضاف المتحدث الرسمي، أن «معركة المسجد الأقصى المبارك هي معركة السيادة على مدينة القدس، التي انتصر فيها شعبنا العربي الفلسطيني وقيادته، وأسقطت ادعاءات الاحتلال الواهية ومزاعمه».
ودعا المحمود، إلى مزيد من رص الصفوف والتكاتف من أجل «إكمال طريق الكفاح حتى إنهاء الاحتلال، وتحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس العربية».
وتقرر الدخول إلى المسجد الأقصى في وقت مبكر من صباح أمس، بعدما تراجعت إسرائيل عن كل إجراءاتها الأمنية في محيط المسجد، بما في ذلك إزالة أجهزة الفحص والمسارات الحديدية والجسور، وفتح الأبواب المغلقة، في خطوة إسرائيلية لاقت غضبا داخليا ووصفت بتراجع كبير أمام الفلسطينيين.
وقال وزير التعليم نفتالي بينيت، الذي يشارك تياره اليميني في الائتلاف الحاكم: «إسرائيل خرجت ضعيفة من هذه الأزمة». وأضاف: «يتعين قول الحقيقة. بدلا من ترسيخ سيادتنا في القدس، جرى توجيه رسالة تفيد بأن سيادتنا يمكن أن تهتز».
كما هاجم ديفيد بيتان، رئيس الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وهو مقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، جهاز الشاباك بقوة، قائلا: «إنهم جبناء... يريدون أن يلقوا بتوصياتهم ثم يعودون إلى بيوتهم».
وكانت الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارها قبل «جمعة الغضب»، التي أعلن عنها الفلسطينيون في مسعى لتجنب تصعيد كبير حذر منه جهاز الأمن العام (الشاباك). وشهدت الجمعة الماضي مواجهات عنيفة بسبب إغلاق الأقصى، وخلفت قتلى وجرحى ومعتقلين.
وقتلت القوات الإسرائيلية 3 شبان في مواجهات مختلفة، ورد فلسطيني بقتل 3 مستوطنين داخل بيتهم، في أعنف تصعيد منذ وقت طويل.
وبدأت الأزمة عندما وضعت إسرائيل بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة أمام الأقصى، في أعقاب هجوم نفذه فلسطينيون من الداخل (فلسطينيو 48)، يوم 14 يوليو (تموز)، وقتلوا خلاله شرطيين. فرفض الفلسطينيون الإجراءات الإسرائيلية وعدوها محاولة لفرض سيادة إسرائيلية على المكان، وامتنعوا عن الدخول إلى المسجد الأقصى قبل تراجع إسرائيل عن إجراءاتها.
وبعد أيام طويلة من المواجهات الشعبية، وقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع الاتصالات مع إسرائيل، وضغط أردني كبير، وتدخل مباشر من الولايات المتحدة ودول عربية وإقليمية، انتهت الأزمة بتراجع إسرائيلي.
وقال عبد العظيم سلهب، رئيس مجلس الأوقاف: «تقرير اللجنة الفنية أظهر أن كل المعوقات التي وضعتها سلطات الاحتلال قد أزيلت». وأضاف: «نحن نحيي هذه الوقفة طوال الأسبوعين الماضيين خارج المسجد الأقصى، ونريد أن تستمر هذه الوقفة خارج الأقصى وداخل المسجد الأقصى... يجب العودة إلى المسجد الأقصى».
وأيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس موقف المرجعيات الدينية. وأعلن عباس عودة الصلاة في الأقصى، مشيدا بصمود المقدسيين في وجه إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بحق المسجد الأقصى. وقال عباس: «الجميع كانوا على موقف رجل واحد، لم يرجف لهم جفن ولم تتراجع لهم عزيمة، لقد كانت كلمتهم من أجل أن يحق الحق ويزهق الباطل».
وأضاف عباس في اجتماع مع مسؤولين فلسطينيين وقادة أجهزة أمنية: «على ضوء ما يجري في القدس نواصل نقاشنا، نواصل بحثنا، وما هي رؤيتنا للمستقبل، بمعنى لم ينته كل شيء، ونحن قلنا، عندما قررنا تجميد التنسيق الأمني، قلنا إن من جملة الأمور التي نشأت هي قضية الأقصى، وهناك قضايا أخرى لا بد أن نبحثها، أن ندرسها، وعلى ضوء ذلك يتم القرار». في إشارة إلى إمكانية استمرار وقف التنسيق الأمني.
وأردف: «القصة لم تنته هناك أشياء كثيرة، وكل شيء يبقى على ما هو عليه إلى أن نقرر ما يمكن أن يحصل».
وقال عباس، إن كل خطواته كانت منسقة «مع جلالة الملك عبد الله الثاني، ومع جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجلالة الملك محمد السادس، ومع تركيا، والجامعة العربية وفي القمة الإسلامية والأمم المتحدة».
وبقي المصلون في الأقصى لوقت طويل أمس، فيما يتوقع أن بيدأ فلسطينيو الداخل وحملة التصاريح من الضفة الغربية بالتدفق للمسجد الأقصى اليوم منذ وقت مبكر لأداء صلاة الجمعة. ودعت المرجعيات إلى النفير للمسجد اليوم والصلاة فيه بعد إغلاقه لجمعتين.
وقال الشيخ يوسف أدعيس، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، إن المواطنين الفلسطينيين مدعوون لتكثيف التوافد على المسجد الأقصى المبارك (اليوم) الجمعة، وشد الرحال إليه رغم إجراءات الاحتلال وقيوده التي تحول بينهم وبين أدائهم لعبادتهم.
وأضاف، في بيان له، أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تثبيت ما أنجزه المقدسيون بثباتهم، ومقاومتهم الشعبية للإجراءات الاحتلالية الظالمة والجائرة.
وعززت إسرائيل من وجودها في مدينة القدس وعلى الحواجز العسكرية الفاصلة بين القدس وباقي الضفة الغربية، للحد من تدفق الفلسطينيين إلى الأقصى، واستعدادا لأي تطورات محتملة.
وفي إسرائيل، أثار تراجع الاحتلال هوسا حتى داخل أحزاب الائتلاف اليميني، الذين لم يستوعبوا كيف كان نتنياهو يعلن قبل يومين فقط، أنه لن يتراجع عن الفحص الأمني للمصلين، وتخلى الآن عن أي فحص أمني. وحتى رئيس حزب المستوطنين (البيت اليهودي) ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، الذي دعم قرار نتنياهو عاد وانتقده، وقال إن «إسرائيل خرجت مستضعفة من هذه الأزمة، وبدلا من تعزيز سيادتنا في القدس تم تمرير رسالة بأنه بالإمكان تقويض السيادة». وأضاف بينيت، في حديث مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن «هذا الخطأ يشبه الهروب من لبنان»، ويقصد انسحاب إسرائيل المفاجئ من جنوب لبنان في عام 2000.
من جهة ثانية، هدد قائد الشرطة الإسرائيلية في القدس، يورام هليفي، بملاحقة من يحاول تجديد الاحتجاجات أو القيام بأي نشاط سياسي. وقال: «في حال كان هناك من سيحاولون خرق النظام غدا (اليوم)، فعليهم ألا يكونوا متفاجئين من أنهم سيتعرضون للأذى». وقال ضابط كبير آخر في الشرطة الإسرائيلية، إنه «ستجري غدا احتفالات ودعوات للوصول بأعداد كبيرة إلى الحرم، وسنرد مثلما فعلنا بالضبط في الأسبوع الماضي. وسنعمل من أجل منعها ونحبط إلحاق أذى بأفراد الشرطة. وإذا أرادوا تضخيم الاحتفالات ومواصلة النظر إلى الموضوع على نوع من (التراجع)، فهكذا سنتصرف بالضبط».
ووفقا للضابط نفسه، فإن الوضع في الحرم القدسي عاد «بشكل كامل تقريبا» إلى الوضع الذي كان عليه قبل 14 يوليو (تموز) الجاري، عندما جرى الاشتباك المسلح في الحرم. فقد فككت شرطة الاحتلال الجسور الحديدية والكاميرات عند بوابات الحرم.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.