مخاوف من «اشتعال» القدس بعد مقتل شرطيين و3 من عرب إسرائيل

عباس يدين العملية... وفصائل فلسطينية تباركها... وغوتيريش يدعو جميع الأطراف إلى تفادي التصعيد

عناصر من الشرطة الإسرائيلية يحملون جثة أحد المهاجمين الذين نفذوا هجوم القدس أمس (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية يحملون جثة أحد المهاجمين الذين نفذوا هجوم القدس أمس (إ.ب.أ)
TT

مخاوف من «اشتعال» القدس بعد مقتل شرطيين و3 من عرب إسرائيل

عناصر من الشرطة الإسرائيلية يحملون جثة أحد المهاجمين الذين نفذوا هجوم القدس أمس (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية يحملون جثة أحد المهاجمين الذين نفذوا هجوم القدس أمس (إ.ب.أ)

شهد المسجد الأقصى، أمس، أحداثاً دامية إثر قيام ثلاثة شبان عرب بإطلاق الرصاص على رجال الشرطة الإسرائيلية، فقتلوا منهم اثنين، ورد رفاقهما على الفور بإطلاق الرصاص الحي، وقتلوا المهاجمين الثلاثة، وتبين أن جميع الضحايا الخمسة من المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48)، كما تبين أن الجنديين القتيلين هما هايل سطاوي (30 عاماً) وكميل شنان (22 عاماً) وهما من الأقلية الدرزية.
ومباشرة بعد هذا الحادث رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعطاء تعليمات صارمة لقواته بـ«معالجة الموضوع»، وأمر بإغلاق المسجد في وجه المصلين، وألغى صلاة الجمعة تماماً، كما تم اعتقال مفتي القدس الشيخ محمد حسين قبل أن يطلق سلاحه لاحقاً، واضطر المصلون لإقامة الصلاة في الشوارع.
وكان الشبان الثلاثة أبناء مدينة أم الفحم في منطقة المثلث الشمالي في إسرائيل، وهم محمد أحمد محمد جبارين (29 عاماً)، ومحمد حامد عبد اللطيف جبارين (19 عاماً)، ومحمد أحمد مفضل جبارين (19 عاماً)، قد وصلوا إلى الأقصى في وقت مبكر، كما يفعل مئات الشباب عشية كل يوم جمعة. وفي السابعة صباحاً اقتربوا من باب الأسباط، حيث ترابط قوة من الشرطة الإسرائيلية، وأطلقوا النار عليهم من مسدس ورشاش من صنع محلي «كارل جوستاف». وعلى الفور رد الجنود بإطلاق الرصاص الحي فقتل الشبان الثلاثة، وأصيب ستة رجال شرطة، كانت جراح اثنين منهم قاتلة.
وتبين لاحقاً أن رجلي الشرطة اللذين قتلا في العملية هما هايل سيطاوي (30 عاماً) من سكان قرية المغار وكميل شنان (22 عاماً) من قرية حرفيش، وهو نجل عضو البرلمان الإسرائيلي السابق عن حزب العمل شكيب شنان، الأمر الذي يعتبر مصيبة مضاعفة لفلسطينيي 48.
وعلى أثر ذلك، بدأت السلطات الإسرائيلية فرض سلسلة إجراءات عقابية جماعية. فيما أصدر رئيس الوزراء بيانا قال فيه: «لقد أجرى رئيس الوزراء نتنياهو قبل قليل مكالمة هاتفية مع كل من وزيري الأمن والأمن الداخلي ورئيس هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع، ورئيس الشاباك والمفوض العام للشرطة ومنسق أعمال الحكومة في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وقطاع غزة، وتقرر خلالها إغلاق جبل الهيكل (الحرم الشريف) لهذا اليوم لأسباب أمنية». إلا أن الإجراءات على الأرض كانت أقسى وأبشع، حيث أغلقت الشرطة الإسرائيلية جميع أبواب الحرم القدسي، ونشرت قواتها بداخله بشكل كثيف، وطبقت تفتيشاً دقيقاً في جميع المساجد والمكاتب تم خلاله تخريب كثير من الأثاث والعبث بالأوراق ومصادرة بعض الحواسيب والملفات، واعتقلت 15 موظفاً من دائرة الأوقاف، التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية. كما منعت رفع الأذان في الأقصى.
وعندما حضر مفتي القدس الشيخ محمد حسين لأداء صلاة الجمعة، منعوه من الدخول، فاضطر لإلقاء خطبة الجمعة في الشارع أمام ألوف المصلين، قال فيها إن هذا الإغلاق «مستهجن وخطير، ومنع رفع الأذان لا يقل خطورة، وهي إجراءات لم يشهدها الحرم القدسي في أعتى الظروف منذ بداية الاحتلال قبل 50 عاماً»، وعندها تم اعتقاله على ذمة التحقيق. كما تم اعتقال المفتي السابق الشيخ عكرمة صبري. وقالت الشرطة إن هدف الاعتقالات معرفة الجهات التي كانت على علاقة مع الشبان الثلاثة، وإن التفتيشات استهدفت العثور على أسلحة أخرى في مساجد الحرم الكثيرة (الأقصى ومسجد عمر أو قبة الصخرة والمصلى المرواني).
وعلى أثر هذه العملية، علت أصوات في إسرائيل تطالب بإجراءات تغيير لواقع الحال في الأقصى، بحيث تتيح لليهود أكثر أن يدخلوا ويصلوا في باحاته، فيما هاجم المسؤولون الإسرائيليون السلطة الفلسطينية واتهموها بتشجيع الإرهاب والتحريض على إسرائيل.
وبعد العملية جرى اتصال هاتفي بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبر فيه الرئيس الفلسطيني عن رفضه الشديد وإدانته للحادث الذي جرى في المسجد الأقصى المبارك، كما أكد رفضه لأي أحداث عنف من أي جهة كانت، خصوصاً في دور العبادة، مطالباً بإلغاء الإجراءات الإسرائيلية بإغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين، وحذر من تداعيات هذه الإجراءات أو استغلالها من أي جهة كانت لتغيير الوضع الديني والتاريخي للأماكن المقدسة.
وبدوره، أكد نتنياهو أنه لن يتم تغيير على الوضع القائم للأماكن المقدسة، كما طالب بتهدئة الأمور من قبل جميع الأطراف. كما أجرت الرئاسة الفلسطينية اتصالات مع المملكة الأردنية الهاشمية من أجل العمل على إلغاء الإجراءات الإسرائيلية بإغلاق المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين، وأكد المسؤولون الأردنيون من جانبهم أنهم يتابعون مع إسرائيل هذه المسألة على أعلى المستويات.
وفسر مسؤول فلسطيني هذا الاتصال بقوله: «هذه عملية مضرة بالمساعي الفلسطينية والدولية لتحقيق انطلاقة في المسار السياسي التي نقوم بها، ونتحمس لها لكي نتخلص من الاحتلال كله للقدس ولسائر الأرض الفلسطينية، وهي تعطي المبررات للاحتلال لكي يزيد من تعنته، ويتهرب من مسؤوليته في إنهاء الصراع... وللأسف الشديد، فكلما تضيق حلقة الضغوط الدولية على حكومة إسرائيل، نجد أن هناك قوى فلسطينية متطرفة ترخي الحبل وتساعد المتطرفين الإسرائيليين على الخلاص من المأزق والاستمرار في تعزيز الاحتلال والتهويد».
وحذر رأفت عليان، القيادي في حركة فتح، من قيام الاحتلال الإسرائيلي باستغلال العملية لفرض أمر واقع جديد، مؤكداً أن إجراءات وممارسات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى المبارك هي السبب الحقيقي لمثل هذه العملية، وحمل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن انفجار الوضع في القدس، وقال عليان بهذا الخصوص: «لطالما حذرنا حكومة الاحتلال من أن ممارساتها ضد القدس والأقصى ستفجر الوضع والمنطقة برمتها».
ومن جانبه، استنكر د. محمود الهباش، قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية خلال خطبة الجمعة أمس، إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي لأبواب الحرم القدسي الشريف في وجه المصلين ومنع إقامة صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك، واعتبر هذه الخطوة تصعيداً خطيراً وعدواناً على العقيدة وعلى الدين، وقال إنه سيجر المنطقة إلى صراع ديني وحرب دينية سيخسر فيها الجميع.
وطالَب دول العالم بحماية المسجد الأقصى من «الاعتداءات الإسرائيلية التي تجاوزت كل الخطوط، ومنع مزيد من التصعيد داخل باحاته وحماية المصلين فيه».
وأصدرت اللجنة القطرية لرؤساء البلديات في إسرائيل بياناً يستنكر العملية ويعتبرها مساساً بالأقصى، وأعرب عن الألم الشديد كون جميع الضحايا من المواطنين العرب (فلسطينيي 48)، مؤكدا أن الأقصى يجب أن يُعامَل بالاحترام والتقديس، لأنه ليس مكاناً للاستفزاز ولا للصراع المسلَّح.
وفي المقابل، باركت عدة فصائل فلسطينية عملية الأقصى، وحملت الاحتلال مسؤوليتها. لكن أيّاً منها لم يتبَنَّ مسؤولية القيام بها. واعتبرت حركة حماس أن «عملية الأقصى تعبير عن إصرار الشباب الفلسطيني المنتفض على مواصلة حماية الأقصى من انتهاك الاحتلال، حتى لو كلفهم ذلك أرواحهم ودماءهم»، حسب تعبيرها، إذ قال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إن «عملية اليوم بقدر ما هي رد على جرائم الاحتلال وإرهابه، فهي رد على وجود الاحتلال أصلا على الأرض الفلسطينية، واغتصابه لمقدسات شعبنا... والعملية تؤكد على اتجاه بوصلة النضال الفلسطيني نحو مقدسات وثوابت فلسطين».
أما حركة «الجهاد الإسلامي» فقد حَمَّلت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار الاعتداءات على المسجد الأقصى والمصلين فيه، محذّرة من مغبة استخدام هذه الاعتداءات ذريعةً لتقسيم المسجد. وقالت الحركة في بيان لها: «نعتبر إقدام قوات الاحتلال على اقتحام المسجد يوم الجمعة بمثابة تعدٍ خطير كان يجب أن يجابه بقوة وبسالة حتى يفهم أن الأقصى خط أحمر». ووصفت قرار إغلاق الأقصى بأنه «جريمة وعدوان واستهداف واضح للإسلام كدين، وهو ما سنرفضه ونواجهه».
وفيما قالت حركة «فتح» إن إغلاق المسجد الأقصى يعتبر «تصعيداً خطيراً»، واعتبرت أن «ما يجري في الأقصى ومحيطه أمر خطير للغاية، ومحاولة لتنفيذ مخطط إسرائيلي معدّ سلفاً»، اعتبرت كتائب «المقاومة الوطنية» الجناح العسكري لـ«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطيني» عملية القدس «ردّاً طبيعياً على الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في مدينة القدس».
وعقب هذا الحادث توالت ردود الفعل العربية والدولية، حيث أعربت مصر عن قلقها البالغ تجاه تداعيات التصعيد الفلسطيني - الإسرائيلي في القدس، وتجاه أحداث العنف التي شهدتها ساحة المسجد الأقصى صباح أمس، وحذرت من خطورة تداعيات مثل تلك الأحداث والإجراءات على تقويض الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لتشجيع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على استئناف المفاوضات وإحياء عملية السلام.
كما طالَب المتحدث باسم الخارجية المصرية جميع الأطراف بضبط النفس وعدم الانزلاق إلى حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد، أو اتخاذ إجراءات تؤثر على حرية ممارسة الشعائر الدينية في المسجد الأقصى بشكل يؤدي إلى تأجيج مشاعر الاحتقان.
واستنكر الدكتور مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي، ما قامت به قوات الاحتلال أمس من اقتحام للمسجد الأقصى المبارك وإغلاقه في وجه المصلين ومنعهم من أداء صلاة الجمعة فيه وإعلانه منطقة عسكرية مغلقة، مشددا على أن هذا التصعيد الخطير يتنافى مع القوانين الدولية والمبادئ والقيم الإنسانية ويقوض مساعي السلام في المنطقة.
بدورها، دعت الحكومة الأردنية إسرائيل إلى إعادة فتح أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين «فورا»، وفتح تحقيق «فوري وشامل»، في الأحداث التي وقعت في القدس الشرقية، إذ قال وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني إن «على إسرائيل فتح المسجد الأقصى، الحرم القدسي الشريف فوراً أمام المصلين وعدم اتخاذ أية إجراءات من شأنها تغيير الوضع التاريخي القائم في القدس والمسجد الأقصى، الحرم القدسي الشريف».
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد حذر من اشتعال للعنف في أعقاب أحداث القدس، ودعا الأطراف كافة إلى تفادي التصعيد. لكنه أدان الهجوم مشدداً على أن «هذه الحادثة كفيلة بإشعال مزيد من العنف. على الجميع التصرف بمسؤولية لتفادي التصعيد». وتابع الأمين العام أن «حرمة المواقع الدينية يجب احترامها كأماكن للتأمل لا للعنف».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.