«الخارجية» تنهي استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية

مجهولون يحرقون مقر حملة السيسي بالشرقية.. واللجنة العليا تنفي أي انحياز

عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
TT

«الخارجية» تنهي استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية

عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)

أنهت وزارة الخارجية المصرية استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية، والذي يجري على مدار أربعة أيام، بدءا من الخميس 15 مايو (أيار) الحالي، وحتى يوم الأحد 18 من نفس الشهر. وقال السفير علي العشيري مساعد وزير الخارجية أمس إن «عملية التصويت ستجرى في 141 بعثة دبلوماسية وقنصلية، بعدما جرى إلغاء اللجان الانتخابية في سوريا وليبيا والصومال وأفريقيا الوسطى، بسبب الظروف الأمنية التي تشهدها تلك الدول».
وتجري الانتخابات الرئاسية في داخل مصر يومي 26 و27 مايو. وتقتصر المنافسة بها بين مرشحين هما المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، وحمدين صباحي زعيم التيار الشعبي. ونفت أمس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية انحيازها لصالح مرشح على حساب الآخر، مؤكدة أنها تتعامل وفقا للقانون في مراقبة الدعاية وتمويل كل المرشحين. فيما واصل كل من صباحي والسيسي حملاتهما الدعائية، وأضرم مجهولون النار في مقر حملة للسيسي بالشرقية.
وأوضح العشيري أن الوزارة وبعثاتها الدبلوماسية والقنصلية أنهت استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين، خلال الأيام المحددة من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء بتوقيت كل دولة. وشدد على أن كل مواطن مصري موجود بالخارج خلال فترة التصويت، ومقيد بجداول الناخبين ويحمل أصل بطاقة الرقم القومي أو أصل جواز السفر الجديد، سيكون من حقه أن يتوجه إلى أقرب بعثة دبلوماسية أو قنصلية للإدلاء بصوته. كما أكد أنه جرى اختبار أجهزة القارئ الآلي، وآلية التواصل عبر الإنترنت مع لجنة الانتخابات الرئاسية من جانب كل البعثات الدبلوماسية والقنصلية وعددها 141 بعثة، فضلا عن أنه سيجرى توفير الدعم الفني لدى البعثات ذات الكثافة التصويتية العالية (دول الخليج العربي وبعض دول أوروبا).
وأشار العشيري إلى أنه صدرت التعليمات إلى البعثات الدبلوماسية والقنصلية بأن تعمل بكامل طاقاتها من الكوادر البشرية لتسهيل عملية التصويت، وأن يقتصر العمل القنصلي خلال تلك الفترة على تقديم المساعدة القنصلية في الحالات العاجلة، موضحا أن المصريين المقيدين في الجداول الانتخابية في الدول التي جرى إلغاء اللجان الانتخابية بها يمكنهم إذا سمحت ظروفهم التصويت في أي دولة مجاورة أو التصويت في مصر يومي 26 و27 مايو في لجانهم الانتخابية طبقا لعناوينهم المدونة في بطاقة الرقم القومي. وطالب العشيري المصريين في الخارج أن يراجعوا موقع لجنة الانتخابات الرئاسية على شبكة المعلومات الدولية للتأكد من قيدهم بالجداول الانتخابية، وللاطلاع على كل القواعد والضوابط التي تحكم عملية التصويت، وناشدهم أن يحرصوا على ممارسة حقهم الانتخابي.
وتعقد لجنة الانتخابات الرئاسية، برئاسة المستشار أنور رشاد العاصي، مؤتمرا صحافيا غدا (الأربعاء)، تستعرض فيه كل الخطوات والإجراءات المتعلقة بعمليات تصويت المصريين بالخارج، والتنسيق الذي يجري بين وزارة الخارجية ولجنة الانتخابات الرئاسية لإتمام العملية على النحو الأكمل والأمثل، في مناخ يتسم بالشفافية والديمقراطية، وكذلك وضع كل التيسيرات اللازمة لتمكين المصريين بالخارج من الإدلاء بأصواتهم بسهولة ويسر.
وفي تصريحات له، قال المستشار عبد العزيز سلمان، أمين عام اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، إن «من يعتقد أن اللجنة تقوم بملاحقة مرشح رئاسي بعينه لصالح الآخر واهم»، مؤكدا أن «اللجنة الرئاسية كفيلة بتطبيق صحيح القانون ولا شأن لها بالسياسة من قريب أو بعيد». وأضاف سلمان نقلا عن وكالة أنباء الشرق الأوسط، أنه «لا فرق مطلقا ولا تمييز أو تفضيل بين المرشحين الرئاسيين أمام اللجنة الرئاسية»، موضحا أن اللجنة ليست طرفا فيما يظنه البعض عن طريق الخطأ.
وحول قيام اللجنة الرئاسية برصد مخالفة انتخابية لصباحي، في حين لم ترصدها عندما أعلن السيسي اعتزامه الترشح للرئاسة، أوضح سالمان أن استقالة السيسي ليست دعاية انتخابية، باعتبار أن الدعاية تتمثل في قيام المرشح الرئاسي بعرض برنامجه الانتخابي؛ وهو ما لم يقدم عليه السيسي. وبينما واصل كلا المرشحين حملاتهما الانتخابية أمس، أضرم مجهولون النار في مقر حملة دعم السيسي بمدينة منيا القمح في محافظة الشرقية وفروا هاربين، فيما جرت السيطرة على النيران بمعاونة الأهالي الذين هرعوا لإخمادها. وكشفت المعاينة الأولية للنيابة عن التهام النيران للباب الرئيس لمقر الحملة من الخارج، فضلا عن صور المرشح الرئاسي واللافتات المعلقة أمام المقر.
وفي مقر حملته بالقاهرة استقبل السيسي وفدا من أدباء وكتاب مصر أمس للاستماع لرؤيتهم حول القضايا المختلفة انطلاقا من دورهم المؤثر في صياغة الرأي العام. وأعرب السيسي عن سعادته بالتواصل مع أدباء مصر، مؤكدا أن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقهم في الفترة المقبلة، من أجل خلق منظومة وعي حقيقية لدى المواطن تمكنه من إدراك مستوى التحديات التي تواجه الوطن.
ويعقد تيار الاستقلال، المشكل من أحزاب مؤيدة للسيسي، مؤتمرا جماهيريا اليوم (الثلاثاء) بمنطقة كرداسة بالجيزة لدعمه في الانتخابات. وقال المستشار أحمد الفضالي المنسق العام للتيار إن «المؤتمر يبعث برسالة للعالم عن استعادة الأمن في منطقة كرداسة، والتي شهدت عمليات أمنية مكثفة خلال الفترة الأخيرة، واقتلاع الإرهاب منها».
في المقابل، وجه صباحي رسالة مصورة إلى المصريين بالخارج قبل أيام من بدء تصويتهم. وقال صباحي أمس «إلى كل مصري ومصرية خارج حدود الوطن، أنتم سفراء مصر في هذا العالم، وأنتم العقول التي استوعبت خبرة التقدم الإنساني في مجتمعات كثيرة، نحتاج لهذه الخبرة».
ودعا مؤسس التيار الشعبي المصريين إلى الاستثمار في مصر في ظل حوافز جادة لتأمين هذا الاستثمار، وأن «يكون شريكا في تنمية شاملة نحن بحاجة إليها لإنقاذ مصر مما هي فيه من فقر»، مؤكدا عزمه إنشاء وزارة للمصريين بالخارج وتفعيل دور القنصليات في إطار إصلاح عميق لجهاز الدولة المصري لحماية حقوق وكرامة المصريين بالخارج، وإنشاء مراكز قانونية في كل سفارة للدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، بالإضافة إلى مراكز ثقافية تستطيع إيصال المواطن المصري بثقافته ولغته.
من جهة أخرى، رفضت دار الإفتاء المصرية وعلماء من الأزهر الشريف أمس، فتوى يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (المقيم في قطر)، بتحريم المشاركة في انتخابات الرئاسة، ووصفتها دار الإفتاء بـ«الشاذة» والمجافية للشرع والمصلحة العليا للبلاد. وأفتى القرضاوي الليلة قبل الماضية في ختام مشاركته في مؤتمر حول القدس في الدوحة نظمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بحرمة المشاركة في الانتخابات، ودعا المصريين إلى مقاطعتها. وسبق أن دعت قيادات من الإخوان إلى مقاطعة الانتخابات أيضا. وأقال الأزهر في ديسمبر (كانون أول) الماضي، القرضاوي من عضوية هيئة كبار العلماء «نتيجة ما نسب إليه من إساءات إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والمؤسسة الدينية في مصر».
ووصفت دار الإفتاء فتاوى تحريم المشاركة في الانتخابات بـ«الشاذة والمجافية للشرع والمصلحة العليا للبلاد»، ونفت الدار أمس علاقة تلك الفتاوى والآراء بالفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، ومنهجها الوسطي القائم على ضرورة مراعاة مصالح العباد وما يسهم في تحقيق منافعهم الدينية والدنيوية. وأضافت أن «فتوى القرضاوي الأخيرة تكشف عن توظيفه النصوص والأحكام الدينية لخدمة الأغراض والأهداف السياسية الحزبية الخاصة، بما يمثل إقحاما للدين في صراع سياسي يشوه سماحة الإسلام».
ومن جانبه، قال الدكتور القصبي زلط، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر «كلنا يفهم أن الإنسان إذا وجد في مجتمع فلا بد من أن يكون إيجابيا، فالسلبية أمر يكرهه الإسلام، والإيجابية في مشاركة الإنسان في قضايا المجتمع الذي يعيش فيه». وأوضح زلط لـ«الشرق الأوسط»: «أرى من وجهة نظري.. هذا الفتوى نابعة عن الهوى وعن وجهة نظر غير مقبولة، ومرفوضة شكلا ومضمونا وموضوعا، فضلا عن أنها تدعو إلى السلبية والإسلام يدعو للإيجابية»، لافتا إلى أن مشكلة الفتاوى النابعة عن حزب أو جماعة أو تيار تتمسك عادة بالبعد عن الحيادية والبعد عن الموضوعية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.