عقبات هيكلية... لماذا يصعب على وورش خفض حيازات «الفيدرالي»؟

رهان على الإصلاح التنظيمي أم مغامرة بالاستقرار المالي

كيفن وورش خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في ستانفورد خلال مايو 2025 (رويترز)
كيفن وورش خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في ستانفورد خلال مايو 2025 (رويترز)
TT

عقبات هيكلية... لماذا يصعب على وورش خفض حيازات «الفيدرالي»؟

كيفن وورش خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في ستانفورد خلال مايو 2025 (رويترز)
كيفن وورش خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في ستانفورد خلال مايو 2025 (رويترز)

قد يسعى المرشّح لقيادة «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفن وورش، إلى تقليص حجم الميزانية العمومية للبنك المركزي، إلا أن تحقيق هذا الهدف يبدو مستبعداً من دون إدخال تعديلات جوهرية على بنية النظام المالي، وحتى في هذه الحالة قد يظل الأمر صعب المنال.

ويعود ذلك إلى أن الإطار الذي يعتمده «الاحتياطي الفيدرالي» حالياً لتنفيذ سياسته النقدية يقوم على احتفاظ الجهاز المصرفي بمستويات مرتفعة من السيولة، فحجم السيولة في النظام المالي، إلى جانب الأدوات التي يستخدمها البنك المركزي لإدارتها، يفرضان قيوداً عملية على مدى إمكانية خفض حيازات «الفيدرالي»، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار أسواق المال، وفق «رويترز».

ويرى غالبية المراقبين أن تجاوز هذا «الثقل السوقي» يتطلب مزيجاً من تعديل آلية إدارة «الفيدرالي» أسعار الفائدة في أسواق المال، وإجراء إصلاحات تنظيمية تؤثر في شهية البنوك للاحتفاظ بالاحتياطيات.

وقال محللون في مؤسسة «بي إم أو كابيتال ماركتس» إنه «لا يوجد مسار مباشر لتقليص بصمة (الاحتياطي الفيدرالي) في الأسواق المالية، فالواقع يشير إلى أن خفض حيازات حساب السوق المفتوحة إلى مستويات أقل بكثير قد لا يكون ممكناً ما لم تُنفّذ إصلاحات تنظيمية تقلص طلب البنوك على الاحتياطيات، وهي عملية قد تستغرق عدة أرباع سنوية، لا بضعة أشهر».

وكتب الاقتصاديان ستيفن سيتشيتي من جامعة «برانديز»، وكيرميت شونولتز من جامعة «نيويورك»، في تدوينة بتاريخ 8 فبراير (شباط): «ندرك أن تضخم ميزانية البنك المركزي يسهّل تمويل الحكومة بصورة غير مرغوبة، كما أنه يتداخل مع آليات عمل الأسواق المالية». إلا أنهما أضافا أن القواعد الحالية وأدوات التحكم في أسعار الفائدة تعني أن «تقليص الميزانية العمومية بشكل كبير قد يعرّض أسواق المال القصيرة الأجل لمخاطر تقلبات حادة، وهو علاج قد يكون أسوأ من الداء».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

وورش... ناقد قديم لتضخم الميزانية

اختارت إدارة الرئيس دونالد ترمب وورش في أواخر الشهر الماضي لخلافة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الحالي جيروم باول عند انتهاء ولايته القيادية في مايو (أيار) المقبل. وكان وورش قد شغل منصب محافظ في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» بين عامَي 2006 و2011، ويُعد من أشد منتقدي سياسات البنك المركزي، لا سيما استخدامه لحيازاته من السندات والنقد بوصفها أداة للسياسة النقدية.

فمنذ الأزمة المالية العالمية قبل نحو عقدَين، ثم مجدداً خلال جائحة «كوفيد-19» في عام 2020، لجأ «الاحتياطي الفيدرالي» إلى عمليات شراء واسعة النطاق لسندات الخزانة وسندات الرهن العقاري، لتهدئة الأسواق وتوفير التحفيز عندما بلغت أسعار الفائدة حدودها الدنيا. وأدى ذلك إلى تضخم ميزانيته إلى مستويات غير مسبوقة؛ إذ بلغت ذروتها نحو 9 تريليونات دولار في ربيع 2022. وخلال فترتَي تقليص الميزانية العمومية، لم يقترب «الفيدرالي» من العودة إلى مستويات ما قبل برامج الشراء.

ولإدارة هذا الإطار، يعتمد «الفيدرالي» على أدوات أسعار فائدة شبه تلقائية أُقرت رسمياً عام 2019، تتيح له امتصاص السيولة أو ضخها، إلى جانب تسهيلات خاصة لتوفير السيولة بسرعة عند الحاجة، بما يضمن بقاء سعر الفائدة المستهدف ضمن النطاق الذي يحدده صانعو السياسة.

وجاءت أحدث انتقادات وورش لإدارة الميزانية العمومية في الصيف الماضي، حين كان «الفيدرالي» يقلّص حيازاته عبر عملية «التشديد الكمي» التي بدأها في 2022، بهدف سحب السيولة الفائضة من النظام المالي. وأوضح «الفيدرالي»، آنذاك، أن العملية ستتوقف عندما تنخفض السيولة إلى مستوى يسمح بالتحكم المحكم في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية. وقد تحقق ذلك في أواخر العام الماضي، عندما بدأت أسعار الفائدة في أسواق المال الارتفاع، واضطرت بعض المؤسسات إلى الاقتراض مباشرة من «الفيدرالي» لتلبية احتياجاتها من السيولة، مما أدى إلى تهدئة التقلبات بعد إنهاء التشديد الكمي.

وفي نهاية المطاف، خفّض «الفيدرالي» حيازاته من ذروة 2022 إلى نحو 6.7 تريليون دولار حالياً، ويعمل في الوقت الراهن على إعادة بناء بعض الحيازات، وهو إجراء تقني لإدارة أسعار الفائدة في أسواق المال.

تغيير في الإطار التنظيمي؟

يرى وورش أن تضخم ميزانية «الفيدرالي» يشوه آليات عمل الأسواق المالية، ويفيد «وول ستريت» أكثر مما يخدم «الاقتصاد الحقيقي». وقد دعا إلى مزيد من تقليص الميزانية، بهدف إعادة توجيه السيولة إلى الاقتصاد ككل، لافتاً إلى أن ذلك قد يسمح بتحديد سعر فائدة مستهدف أدنى مما هو ممكن في ظل الإطار الحالي.

لافتة شارع وول ستريت تظهر خارج بورصة نيويورك (رويترز)

غير أن هذا الطرح يواجه تحدياً جوهرياً، إذ إن استمرار حاجة البنوك إلى مستويات مرتفعة من الاحتياطيات يعني أن سحب السيولة وتقليص حيازات «الفيدرالي» قد يؤديان إلى فقدان السيطرة على سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، وبالتالي تقويض قدرة البنك المركزي على تحقيق هدفيه في استقرار الأسعار والتوظيف الكامل.

وأشار محللو «مورغان ستانلي» في 6 فبراير إلى أن تعديلات تنظيمية قد تقلل رغبة البنوك في الاحتفاظ بسيولة مرتفعة، لكن «خفض هوامش السيولة قد يزيد من مخاطر الاستقرار المالي».

كما أوضح اقتصاديا «جي بي مورغان» جاي باري ومايكل فيرولي، أن تعزيز آلية الإقراض عند الطلب عبر عمليات إعادة الشراء قد يمنح البنوك ثقة للاحتفاظ بسيولة أقل، إلا أنهما استبعدا إمكانية استئناف التشديد الكمي في المدى المنظور.

ولفت بعض المحللين إلى أن تنسيقاً أوثق بين وزارة الخزانة و«الفيدرالي» قد يوفّر هامشاً إضافياً لتقليص الحيازات.

ومع ذلك، يرجّح كثير من المراقبين أن تفرض الاعتبارات العملية والواقع المالي قيوداً على أي توجه جذري نحو تقليص الميزانية، بصرف النظر عن المواقف العلنية لوورش.

وقال محللو «إيفركور آي إس آي» إنهم لا يتوقعون أن يدفع وورش نحو العودة إلى آلية ما قبل الأزمة المالية، حين كانت السيولة شحيحة وكان البنك المركزي يتدخل بوتيرة عالية في الأسواق وسط تقلبات أسعار الفائدة. كما عدّوا العودة إلى التشديد الكمي غير مطروحة، إذ قد تُفسَّر بوصفها إشارة إلى تردد في استخدام الميزانية العمومية مستقبلاً، ما من شأنه رفع تكاليف الاقتراض في سوق السندات على الفور.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع وسط استقرار سوق العمل وانخفاض التسريحات

الاقتصاد تُظهر الصورة لافتة توظيف معلّقة على نافذة أحد مطاعم «تشيبوتلي» في مدينة نيويورك (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع وسط استقرار سوق العمل وانخفاض التسريحات

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في حين بقيت عمليات التسريح عند مستويات منخفضة تاريخياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الكثير من الأميركيين يواجهون ضغوطاً متزايدة لتأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية (رويترز) p-circle

أميركا تُنتج 1200 مليونير جديد يومياً... وثروات قياسية تعمّق فجوة الدخل

تواصل الولايات المتحدة ترسيخ مكانتها بوصفها أكبر مولّد للثروات في العالم، إذ يشهد اقتصادها انضمام آلاف الأشخاص إلى قائمة الأثرياء سنوياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)

محضر «الفيدرالي»: بعض المسؤولين بحثوا رفع الفائدة بفعل تداعيات الحرب

أظهر محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، لشهر يونيو (حزيران)، أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط رفعت المخاوف التضخمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تترقب اليوم محضر «الفيدرالي» لمعرفة توجهات وارش بشأن الفائدة

تتركز الأنظار على ما إذا كان وارش سيُدخل تعديلات جوهرية على محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المنعقد يومي 16 و17 يونيو (حزيران).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

العقود الآجلة الأميركية تهوي بعد إعلان ترمب «انتهاء التفاهم» مع إيران

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بشكل حاد خلال تعاملات الأربعاء، مع هبوط العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» إلى أدنى مستوياتها في نحو 4 أسابيع...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجنيه الإسترليني يبلغ ذروة شهر أمام الدولار... وعام أمام اليورو

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

الجنيه الإسترليني يبلغ ذروة شهر أمام الدولار... وعام أمام اليورو

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

ارتفع الجنيه الإسترليني، يوم الجمعة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر مقابل الدولار، وإلى أعلى مستوى له في عام أمام اليورو، وسط ترقُّب الأسواق لاحتمال تحرُّك البنوك المركزية في مواجهة التَّطوُّرات الأخيرة في أسعار الطاقة، عقب الارتفاعات الناجمة عن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.345 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 15 يونيو (حزيران)، مُسجِّلاً مكاسب بنسبة 0.1 في المائة، وفق «رويترز».

وفي المقابل، تراجع اليورو إلى 85.18 بنس، وهو أدنى مستوى له مقابل الجنيه الإسترليني منذ أواخر يونيو 2025، قبل أن يقلص خسائره ليستقر دون تغير يُذكر.

وعزا محللون قوة الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع الأخيرة إلى مجموعة من العوامل، من بينها الأداء الاقتصادي الذي تجاوز التوقعات، وزيادة عمليات استحواذ الشركات الأجنبية على شركات بريطانية، واستقرار المشهد السياسي، إلى جانب توجهات «بنك إنجلترا» بشأن السياسة النقدية.

وقال باري فان دير لان، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية لدى «مونكس» أوروبا، إن تصريحات كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا» هيو بيل، مساء الخميس، والتي أشارت إلى احتمال الحاجة لمزيد من رفع أسعار الفائدة، من المرجح أن تقدِّم دعماً إضافياً للجنيه الإسترليني خلال تعاملات الجمعة.

وأضاف فان دير لان: «عزَّزت هذه التصريحات قناعة الأسواق بأنَّ (بنك إنجلترا) لا يزال أقل استعداداً للتسامح مع التضخم مقارنة بالاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي».

لكنه أوضح أنه، في ظلِّ غياب بيانات اقتصادية بريطانية رئيسية، فمن المرجح أن يتأثر أداء الجنيه الإسترليني بدرجة أكبر بتحركات الدولار عالمياً، وأسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وكان صندوق النقد الدولي قد رفع هذا الأسبوع توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، متوقعاً نمواً بنسبة 1 في المائة في عام 2026. كما تحسَّنت آفاق الاقتصاد البريطاني، بوصفه مستورداً رئيسياً للطاقة، بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني الذي تمَّ التَّوصُّل إليه في يونيو، وما أعقبه من انخفاض في أسعار النفط.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أنَّ بريطانيا ستكون ثالث أسرع اقتصادات مجموعة السبع نمواً هذا العام، بعد كندا والولايات المتحدة، متقدمة بذلك على اقتصادات منطقة اليورو.

ومع ذلك، ارتفعت أسعار النفط بنحو 5 في المائة خلال الأسبوع، مدفوعة بتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب إلغاء واشنطن إعفاءً تجارياً كان يسمح ببعض التعاملات مع إيران.

واستقر خام برنت قرب 76 دولاراً للبرميل، رغم بقائه بعيداً عن ذروته المسجلة في أبريل (نيسان) عند 126 دولاراً للبرميل.

وعلى الصعيد السياسي، خطا عمدة مانشستر الكبرى السابق، أندي بيرنهام، خطوةً مهمةً نحو تولي قيادة الحكومة البريطانية يوم الخميس، بعد حصوله على دعم أغلبية نواب حزب «العمال» لخلافة كير ستارمر.

وأشار بعض المحللين إلى أنَّ وضوح الرؤية بشأن القيادة المقبلة، إلى جانب التزام بيرنهام بالقواعد المالية العامة، قدَّما دعماً محدوداً للجنيه الإسترليني، محذرين في الوقت ذاته من احتمال تصاعد تقلبات الأسواق البريطانية مع بدء تنفيذ سياساته الاقتصادية.


محافظ «المركزي التركي» يحذر من مخاطر ارتفاع التضخم الأساسي مع استمرار تباطؤ الاقتصاد

محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
TT

محافظ «المركزي التركي» يحذر من مخاطر ارتفاع التضخم الأساسي مع استمرار تباطؤ الاقتصاد

محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)
محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان يتحدث خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي التركي فاتح كاراهان، في عرض تقديمي يوم الجمعة، إن الارتفاع الأخير في معدل التضخم الأساسي في البلاد يشكل مخاطر صعودية على مسار التضخم على المدى القريب، في وقت يواصل فيه النشاط الاقتصادي التباطؤ بفعل تشديد الأوضاع المالية.

ضغوط من أسعار الغذاء والطاقة

وأشار العرض التقديمي إلى أن التطورات المرتبطة بعوامل العرض في أسعار الغذاء والطاقة شكلت ضغوطاً صعودية على التضخم الرئيسي. وفي قطاع الخدمات، أوضح أن تراجع الجمود السعري، ولا سيما في بنود الإيجارات والتعليم، ساهم في دعم مسار خفض التضخم.

وأضاف البنك المركزي أن تضخم السلع الأساسية شهد في الفترة الأخيرة بعض التحركات الصعودية مجدداً، لكنه يتوقع تراجع الضغوط الناجمة عن التكاليف خلال الفترة المقبلة. كما أكد أن ارتفاع التضخم الأساسي لا يزال يشكل مصدر مخاطر بالنسبة للتوقعات قصيرة الأجل.

استمرار تباطؤ النشاط الاقتصادي

ولفت عرض كاراهان إلى استمرار اتجاه تباطؤ النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى فقدان الناتج المحلي الإجمالي بعض الزخم، في حين بقي معدل استخدام الطاقة الإنتاجية دون متوسطاته التاريخية.

وأوضح أن المؤشرات الرائدة المتعلقة بمبيعات التجزئة، وإنفاق البطاقات المصرفية، ومبيعات السيارات، والإنفاق على السلع المعمرة تشير إلى تباطؤ الطلب المحلي، كما أشار إلى استمرار تباطؤ نمو القروض.

تحسن في ميزان الحساب الجاري

أشار كاراهان إلى تقلص عجز التجارة الخارجية خلال الربع الثاني، موضحاً أن الصادرات حافظت على قوتها، وأن ارتفاع إيرادات السياحة وأعداد الزوار ساهم في دعم ميزان الحساب الجاري.

وأكد البنك المركزي أن نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي بقيت أقل من متوسطاتها التاريخية، مشيراً إلى استمرار الإقبال على الودائع بالليرة التركية، والحفاظ على قوة احتياطيات البنك المركزي.

سياسة نقدية متشددة

وقال رئيس البنك المركزي التركي إن موقف السياسة النقدية المتشددة سيستمر حتى تحقيق استقرار الأسعار.

وأوضح أن قرارات أسعار الفائدة ستُتخذ على أساس كل اجتماع، مع الأخذ في الاعتبار التضخم الفعلي والمتوقع، إلى جانب الاتجاه الأساسي للتضخم.

وأضاف كاراهان أنه في حال حدوث انحراف واضح عن الأهداف المحددة في توقعات التضخم، فإن البنك المركزي سيطبق إجراءات إضافية للتشديد النقدي عند الحاجة.


اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
TT

اليابان تلوّح بتحول تاريخي في استثمارات التقاعد… واستجابة فورية بالأسواق

شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في طوكيو (إ.ب.أ)

أشعلت الحكومة اليابانية موجة تفاؤل في الأسواق المالية بعدما أعلنت عزمها تشجيع صناديق التقاعد الحكومية على زيادة استثماراتها في الأصول المحلية، في خطوة قد تعيد توجيه مئات المليارات من الدولارات إلى الاقتصاد الياباني، وتمنح دعماً قوياً للين وسوق السندات بعد أشهر من الضغوط.

وجاء الإعلان على لسان وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، التي قالت إن الحكومة تريد اتخاذ إجراءات تشجع صناديق التقاعد، وفي مقدمتها صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي (GPIF)، على زيادة استثماراتها «بشكل كبير» في الأصول المالية اليابانية.

ولم تمض دقائق على التصريحات حتى انعكست آثارها على الأسواق؛ إذ ارتفع الين الياباني، وقفزت الأسهم، في حين سجلت عوائد السندات الحكومية أكبر انخفاض يومي لها منذ أكثر من عام، في إشارة إلى رهان المستثمرين على أن الأموال اليابانية قد تبدأ بالعودة إلى الداخل.

أكبر صندوق تقاعد في العالم

ويحظى صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني باهتمام استثنائي لأنه أكبر صندوق تقاعد في العالم؛ إذ يدير أصولاً تبلغ 293.6 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 1.8 تريليون دولار حتى نهاية مارس (آذار) الماضي.

وأي تعديل في سياسة استثمارات هذا الصندوق لا يقتصر تأثيره على اليابان فحسب، بل يمتد إلى أسواق الأسهم والسندات والعملات حول العالم؛ نظراً لضخامة استثماراته الخارجية.

ويحتفظ الصندوق حالياً بتوزيع متوازن تقريباً بين الأسهم المحلية، والأسهم الأجنبية، والسندات اليابانية، والسندات الأجنبية، وهي السياسة التي اعتمدها خلال السنوات الأخيرة لتنويع المخاطر وتحقيق عوائد مستقرة للمستفيدين من نظام التقاعد.

عودة إلى الداخل

ويعتقد المستثمرون أن الحكومة تسعى إلى إعادة جزء من رؤوس الأموال اليابانية الضخمة إلى السوق المحلية، في وقت يواجه فيه الين ضغوطاً مستمرة، بينما تعاني سوق السندات تقلبات حادة بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي، وحذر «بنك اليابان» في رفع أسعار الفائدة.

وارتفع الين بنحو 0.6 في المائة مباشرة بعد تصريحات وزيرة المالية ليصل إلى 161.28 ين للدولار قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه لاحقاً. كما تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 11.5 نقطة أساس إلى 2.76 في المائة، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أكثر من عام، في حين سجلت الأسهم اليابانية مكاسب واسعة.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي»، إن الأسواق تنظر إلى هذه الخطوة بإيجابية لأنها قد تسهم في الحد من التقلبات التي شهدتها العملة اليابانية والسندات خلال الأشهر الماضية، وإن لم تكن تمثل «حلاً سحرياً».

لماذا الآن؟

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه اليابان ضغوطاً متزايدة نتيجة استمرار ضعف الين، الذي هبط الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات وزيادة الضغوط على الأسر والشركات، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط.

كما تواجه الحكومة انتقادات بشأن سياستها المالية التوسعية، في حين لا يزال «بنك اليابان» يتحرك بحذر شديد في رفع أسعار الفائدة رغم عودة التضخم.

وتقول الحكومة إنها تريد مساعدة الأسر على الاستفادة بصورة أكبر من النمو الاقتصادي، في ظل انتقال اليابان إلى مرحلة جديدة تقوم على أسعار فائدة إيجابية ونشاط أقوى في أسواق المال.

وليست هذه المرة الأولى التي يغيّر فيها صندوق التقاعد العملاق استراتيجيته الاستثمارية. ففي عام 2014، وخلال عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، أجرى الصندوق أكبر تعديل في تاريخه ضمن سياسة «آبينوميكس»، حيث خفّض استثماراته في السندات المحلية وزاد انكشافه على الأسهم والأصول الأعلى مخاطرة لدعم النمو الاقتصادي.

ثم عاد في 2020 ليزيد استثماراته في السندات الأجنبية من 15 في المائة إلى 25 في المائة، مقابل خفض السندات اليابانية من 35 في المائة إلى 25 في المائة؛ في محاولة لتعزيز العائدات في ظل أسعار الفائدة المنخفضة داخل اليابان.

أما اليوم، فإن الاتجاه يبدو معاكساً؛ إذ تسعى الحكومة إلى إعادة جزء من تلك الأموال إلى الداخل لدعم الأسواق المحلية.

هل يمكن تنفيذ الخطة؟

ورغم الحماس الذي أبدته الأسواق، فإن تنفيذ هذه الخطة لن يكون سهلاً. فصندوق استثمار معاشات التقاعد الياباني يتمتع باستقلالية قانونية، وتتمثل مهمته الأساسية في تحقيق أفضل عائد ممكن للمستفيدين من نظام التقاعد بأقل مستوى من المخاطر، وليس تنفيذ سياسات الحكومة الاقتصادية.

كما أن الصندوق يخضع لإشراف وزارة الصحة والعمل والرفاهية، وليس وزارة المالية؛ ما يعني أن أي تعديل في سياسة الاستثمار يتطلب توافقاً حكومياً وإجراءات تنظيمية معقدة... وأقرَّت وزيرة المالية بهذا الأمر، مؤكدة أن القرار «ليس بيدها وحدها»، وأن الحكومة ستعمل على بناء توافق داخلي قبل المضي في أي تغييرات.

ومن المتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر مع إقرار الحكومة النسخة النهائية من خطتها الاقتصادية الجديدة في 21 يوليو (تموز) الحالي، وهي الخطة التي يترقبها المستثمرون لكونها قد تحدد مستقبل السياسة المالية، ودور أكبر صندوق تقاعد في العالم في إعادة تشكيل الأسواق اليابانية والعالمية.