الأمن اليمني يحصي قتلى «القاعدة» في تسع محافظات

ملاحقة التنظيم على محورين وتحسب لعمليات انتقامية

جنود يمنيون في مدينة عزان إثر استعادتها من تنظيم القاعدة (أ. ف. ب)
جنود يمنيون في مدينة عزان إثر استعادتها من تنظيم القاعدة (أ. ف. ب)
TT

الأمن اليمني يحصي قتلى «القاعدة» في تسع محافظات

جنود يمنيون في مدينة عزان إثر استعادتها من تنظيم القاعدة (أ. ف. ب)
جنود يمنيون في مدينة عزان إثر استعادتها من تنظيم القاعدة (أ. ف. ب)

أعلنت وزارة الداخلية اليمنية عزمها حصر قتلى تنظيم القاعدة في تسع محافظات، وأوضحت الوزارة في بيان صحافي أنها أمرت الأجهزة الأمنية بالعاصمة صنعاء وتسع محافظات أخرى بإعداد قوائم تفصيلية عن قتلى تنظيم القاعدة، تتضمن معلومات عن أسمائهم وأعمارهم وجنسياتهم وتواريخ وأماكن مقتلهم، وتشمل المحافظات أمانة العاصمة، وأبين، ولحج، وصنعاء، وشبوة، والبيضاء، وحضرموت، والضالع، ومأرب.
وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية أن سبعة مسلحين يعتقد أنهم من تنظيم القاعدة، قتلوا على يد قوات الجيش في مدن بجنوب البلاد، أمس، فيما توقع مسؤول محلي عمليات انتقامية لتنظيم القاعدة في محافظة البيضاء المحاذية للعاصمة صنعاء. وشددت السلطات في عدد من المحافظات المحيطة بمناطق القتال إجراءات المراقبة لمنع فرار المسلحين إلى مناطقهم. وأوضح موقع الجيش اليمني الإلكتروني أن المسلحين السبعة قتلوا في عملية لقوات الجيش والأمن، في محافظتي أبين وشبوة، ونشر الموقع، نقلا عن مصدر عسكري، أسماء القتلى وهم: حسين فرج، وفواز صالح الحرازي، وأبو البتار العولقي، ومهدي مصلح الشيباني، وقاسم الردفاني، وعمر الكثيري، ورشاد النهمي.
وأكدت باريس أن السلطات اليمنية اعتقلت مواطنين فرنسيين بشبهة انتمائهما إلى تنظيم القاعدة وذلك أثناء محاولتهما مغادرة الأراضي اليمنية عن طريق أحد مطارات البلاد. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية رومين نادال إن «فرنسا تؤكد توقيف مواطنين اثنين في اليمن»، مشيرا إلى أن باريس «تتعاون بشكل وثيق مع السلطات اليمنية في مكافحة التنظيمات الإرهابية الناشطة على أراضيها».
وأضاف أن «تجنيد مواطنين أجانب يشكل على هذا الصعيد مصدر قلق بالغ وهو موضع تعاون بين الأجهزة المختصة».
وكانت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) ذكرت أن الفرنسيين اللذين اعتقلا هما من أصل تونسي وكانا ضمن خلايا تنظيم القاعدة في حضرموت (جنوب شرق) وجرى القبض عليهما خلال محاولتهما مغادرة الأراضي اليمنية من أحد المنافذ الجوية، مشيرة إلى أنهما يدعيان مراد عبد الله عباد وطه العيساوي، وكلاهما في الـ30 من العمر.
ويأتي التأكيد الفرنسي إثر إعلان السلطات اليمنية مقتل سعودي وخبير متفجرات داغستاني (روسي) من تنظيم القاعدة في محافظة شبوة (جنوب) أول من أمس.
وشهدت العاصمة اليمنية أمس استنفارا أمنيا لمواجهة أي اعتداءات يمكن أن ينظمها تنظيم القاعدة، وذلك غداة استهداف حراسة دار الرئاسة ومحاولة اغتيال وزير الدفاع.
والتقى وزير الدفاع اليمني اللواء الركن محمد ناصر أحمد وجهاء مناطق حررها الجيش من عناصر «القاعدة» في محافظة شبوة الجنوبية ووعد الأهالي بتقديم المساعدات اللازمة لهم.
وأكد بيان صدر عن وزارة الداخلية أن قوات الأمن، لحماية صنعاء من أي «أعمال إرهابية محتملة»، «أحاطت العاصمة بعدد من الإجراءات والتدابير الاحترازية في مناطق الحزام الأمني المحيط بأمانة العاصمة وكذا داخل العاصمة نفسها». وذكر البيان أن القوى الأمنية «قامت بتكثيف تواجد الخدمات الميدانية وحواجز التفتيش والنقاط الأمنية ومضاعفة أعداد الجنود المكلفين بحماية المرافق الحكومية والمنشآت الحيوية مع إعطاء اهتمام خاص لحماية المصالح الأجنبية ومقرات السفارات وأماكن سكن الدبلوماسيين». وشددت الوزارة على أنها «تعمل ليل نهار وعلى مدار الساعة لضبط أي عناصر أو تحركات مشبوهة حفاظا على أمن العاصمة».
ويخوض الجيش منذ 29 أبريل (نيسان) حربا ضد تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة في مدن بجنوب البلاد، وسيطر على معاقل التنظيم في كل من شبوة وأبين، أبرزها المحفد وعزان، وميفعة، وتمكن من قتل عشرات المسلحين، بينهم قيادات أجنبية، فيما لم يعرف عدد قتلى الجيش خلال هذه العمليات. وخاض الجيش معركته مع «القاعدة» عبر محورين، المحور الأول محور أبين بقيادة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء الركن محمود أحمد الصبيحي، والمحور الثاني محور شبوة، بقيادة وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر أحمد، وشارك في هذه الحرب رئيس جهاز الأمن القومي اللواء الدكتور علي الأحمدي، وقائد المنطقة العسكرية الثالثة اللواء الركن أحمد سيف محسن اليافعي.
وعلى صعيد ذي صلة، شددت السلطات في كل من محافظتي حضرموت والبيضاء إجراءات ملاحقة العناصر المسلحة التي فرت من مناطق القتال. وتوقع محافظ محافظة البيضاء القريبة من العاصمة صنعاء، الظاهري أحمد الشدادي، رد فعل انتقاميا من هذه العناصر يستهدف معسكرات الجيش والأمن، ودعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة للخلايا الإرهابية. وقال الشدادي في تصريحات: «إنه من غير المستبعد أن تلجأ العناصر المتطرفة بعد سيطرة الجيش على معاقلهم في شبوة وأبين إلى دفع الإرهابيين الفارين والخلايا الموجودة في البيضاء إلى تنفيذ عمليات انتقاما من المواقف الشعبية الرافضة للفكر والممارسات الإرهابية المأجورة لتجار الموت والدمار».
وفي حضرموت، أعلن عدد من القبائل وقوفهم إلى جانب الجيش واستعدادهم لمنع تسلل العناصر الإرهابية الفارة من محافظة شبوة. واتفق مشايخ القبائل في مديرية الضليعة المحاذية لشبوة، على العمل جنبا إلى جنب مع الأجهزة الأمنية في المديرية لمنع تسلل أي عناصر إرهابية إليها، وإلقاء القبض على من يتمكن منهم من الوصول إلى المديرية.
وفي منطقة الحوطة بمحافظة شبوة، قال وزير الدفاع اليمني لأهالي ووجهاء مناطق حررها الجيش من «القاعدة» إن الدولة «ستولي احتياجات ومتطلبات المواطنين اهتماما مميزا بعد القطيعة التي تسببت بها العناصر الضالة لفترة طويلة»، وذلك بحسب تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية الرسمية.
وفي تصريحات نشرها في وقت سابق موقع وزارة الدفاع، أشاد وزير الدفاع اليمني «بالمآثر البطولية التي اجترحها المقاتلون من منتسبي القوات المسلحة والأمن وأبطال اللجان الشعبية والمتعاونين».
وأكد الوزير على «استمرار الحملة في ملاحقة ما تبقى من عناصر الإجرام والشر حتى يتم استئصال هذا الورم السرطاني الخبيث من جسد وطننا».
بدوره، دعا محافظ البيضاء الظاهري أحمد الشدادي في تصريح نشره موقع وزارة الداخلية، المحافظة «خاصة المديريات التي يشتبه بتواجد الخلايا الإرهابية فيها»، إلى «تعاون أكثر فاعلية مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة لأفراد تلك الخلايا الفارة من جحيم المعارك في محافظتي أبين وشبوة تفاديا لأي ردود فعل انتقامية».
وفي جانب ذي صلة، تجول محافظ أبين جمال ناصر العاقل، ومحافظ لحج أحمد عبد الله المجيدي، ووكيل الجهاز المركزي للأمن السياسي لمحافظات عدن ولحج وأبين اللواء ناصر منصور هادي، أمس، ميدانيا إلى المواقع التي دارت فيها الأعمال القتالية ضد معاقل العناصر الإرهابية الضالة بمديرية المحفد بمحافظة أبين.
وخلال الزيارة ألقى قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء الركن محمود أحمد سالم الصبيحي كلمة أشار فيها إلى أن زيارة محافظي أبين ولحج تأتي دعما لصمود المقاتلين في مواقع الشرف والبطولة بعد أن جرى تطهير المديرية من عناصر الإرهاب ومن يسمون بأنصار الشريعة وتنظيم القاعدة، مؤكدا أن المقاتلين الأبطال يتمتعون بمعنويات عالية بعد أن دكوا أوكار الإرهابيين وطهروا المناطق التي كانوا فيها.
من جهته أكد محافظ أبين جمال العاقل أن «المقاتلين حققوا انتصارا كبيرا بدحر عناصر الإرهاب من مديرية المحفد، وتطهير كل أوكارها، حيث أصبحت المديرية محررة من تلك العناصر، وغدت محافظة أبين كاملة تتأهب نحو البناء والتنمية بعد قضائها على المخربين».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.