مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

مقتل 28 وإصابة 24 بهجوم على حافلة كانت في طريقها لزيارة أحد الأديرة * السيسي: تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر التي نفذت العملية الإرهابية

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
TT

مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)

مُني المصريون أمس بحادث مروع، استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر, ادى الى مقتل نحو 28 شخصا، غالبيتهم من الأطفال، وأصاب عشرات آخرين.
وقال مصدر مسؤول في مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إن مجهولين يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي قاموا بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عددا من المواطنين والأطفال الأقباط في طريق صحراوي.
ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى معاقبة الدول «التي تدعم الإرهاب وتمده بالسلاح والتمويل والتدريب». وأضاف السيسي في كلمه وجهها إلى الشعب المصري عبر التلفزيون الرسمي أنه «لا مجاملة ولا مصالحة» مع هذه الدول. وقال إنه تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر الإرهابية التي ارتكبت عملية المنيا الإرهابية أمس، في أول رد فعل من جانبه على العملية الإرهابية.
ولم يحدد السيسي تلك المعسكرات لكن وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية قالت إن الجيش دمر المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة في ليبيا بعد عملية المنيا الإرهابية أمس.
وشدد الرئيس المصري على أن بلاده لن تتردد في ضرب معسكرات الإرهابيين في الداخل والخارج، حيث تواجه حربا ضروسا ضد الإرهاب. وأكد السيسي بعدما عقد اجتماعا مع القيادات الأمنية والعسكرية أن بلاده تخوض حربا ضد الإرهاب بالنيابة عن كافة دول العالم. وأضاف السيسي أنه بعد سقوط النظام الليبي، كانت مصر تدرك أنها بصدد مواجهة شر كبير، وكانت القوات توجد على الحدود لتأمين البلاد. وكشف أنه خلال العامين الماضيين فقط، عبر نحو ألف سيارة رباعية الدفع الحدود نحو مصر، وجرى خلال الثلاثة أشهر الماضية تدمير نحو 300 عربة.
ووجه السيسي خطابه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معربا عن ثقته فيه وفي قدرته على مواجهة الإرهاب في كافة منابعه بالعالم. وحث السيسي المصريين على توخي الوعي والانتباه والحفاظ على التماسك. وقال: «نحن متألمون ومجروحون، وهذا ثمن ندفعه من أجل حرية حقيقية لبلدنا بدلا أن تقع في أيدي التطرف والإرهاب وتصبح مصر قاعدة للراديكالية في العالم».
وشهدت البلاد أمس استنفاراً أمنياً. فيما وجه السيسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لرعاية المصابين. وذكرت وزارة الصحة المصرية في أحدث بياناتها مقتل 28 مسيحياً على الأقل وإصابة 24 آخرين في هجوم إرهابي على حافلة تقل مسيحيين في رحلة دينية إلى دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة بمحافظة المنيا على الطريق الصحراوي الغربي، وقال خالد مجاهد المتحدث باسم وزارة الصحة، إن «وزير الصحة الدكتور أحمد عماد الدين أمر بنقل جميع المصابين لمعهد ناصر بالقاهرة من مستشفيات مغاغة والعدوة وبنى مزار المنيا... ووَجَّه بتحريك أطقم الرعاية المركزة بمعهد ناصر لسرعة إسعاف المصابين».
وقال مصدر مسؤول بمركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إنه «تم فرض كردون أمني بمنطقة الحادث بعدما قام مجهولون يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عدداً من المواطنين الأقباط، أثناء سيرها بالطريق الصحراوي الغربي، بدائرة مركز شرطة العدوة».
ووجه اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية بتشكيل فريق بحث على أعلى مستوى من الأمن العام والأمن الوطني ومديرية أمن المنيا، لكشف غموض الواقعة وسرعة ضبط المتهمين.
ومن جهتها، ألغت دار الإفتاء المصرية احتفالها السنوي باستطلاع هلال رمضان حداداً على أرواح الضحايا.
وقال شهود عيان إن «10 ملثمين أطلقوا النار على الأقباط، بعدما أوقفوا الحافلة وحصلوا على متعلقاتهم الشخصية، ثم أطلقوا الرصاص عشوائياً عليهم وفروا هاربين». وقال بيتر إلهامي المنسق الإعلامي لمطرانية مغاغة بالمنيا، إن «المسلحين استولوا على أموالهم قبل قتلهم». مضيفاً أن «المسلحين كانوا ملثمين ويستقلون سيارات دفع رباعي وفتحوا النار على الحافلة، وسيارة نقل كانت تقل عمالاً كانوا في طريقهم لزيارة الأنبا صموئيل».
وما زالت أصداء حادثي استهداف كنيستي في طنطا والإسكندرية أبريل (نيسان) الماضي ومقتل وإصابة العشرات خلال احتفال المسيحيين في مصر بأحد السعف (الشعانين)، تلقى بظلالها على المشهد العام في البلاد، وتسعى السلطات الأمنية لضبط الجناة، التي أكدت أنهم من محافظة قنا (القريبة من المنيا).
ويأتي الحادث قبل ساعات من استقبال المسلمين لشهر رمضان، ولوحت مصادر كنسية بأن «الإرهاب يرتبط دائما بالمناسبات»، لافتة إلى أن «تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة وقع يوم المولد النبوي»، وتفجير كنيستي طنطا والإسكندرية قبل يوم من أعياد الأقباط، وحادث أمس قبل يوم من شهر رمضان، مضيفة أن «هذه الأحداث كلها تقوم بها جماعات متطرفة، تحاول ضرب العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر».
وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته عن تفجير كنيسة الإسكندرية، مذكراً وقتها بمزاعم سابقة أطلقها التنظيم في عام 2015، عندما أعلن عن تأسيس فرع له في الصعيد على غرار ما يعرف بـ«ولاية سيناء»، لكن مصادر مصرية قالت إنها «تحكم قبضتها على مدن الصعيد».
إلا أن مصدراً أمنياً قال إن «صحراء وجبال صعيد مصر تعد مركزاً للإعداد للعمليات الإرهابية»، لافتاً إلى أن «طبيعة جبال الصعيد وامتدادها على رقعة مترامية الأطراف، تسمح بحرية التحرك للعناصر المتطرفة دون رقابة تذكر، ما يجعل السيطرة عليها أمراً بالغ الصعوبة».
وقال مراقبون إنه نظراً لطبيعة الصعيد الجغرافية فقد سمحت رقعتها بتحرك جماعات لتجارة السلاح دون رقابة في أماكن مختلفة، حيث لم يعد مقتصراً على الأسلحة الصغيرة أو محلية الصنع فقط، بل امتدَّ ليشمل أسلحة ثقيلة ومتطورة لم تكن متاحة وربما غير معروفة من قبل. وقال شهود عيان أمس إن «العناصر الملثمة كان تمسك بأسلحة متطورة».
ووفقاً لتقديرات غير رسمية تتراوح نسبة المسيحيين بمصر من 10 إلى 15 في المائة من عدد السكان البالغ عددهم أكثر من 90 مليون نسمة.
وفور الحادث أمر النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق، بفتح تحقيق موسع لسرعة التوصل إلى الجناة، إذ انتقل أعضاء النيابة إلى الموقع لإجراء التحقيقات الفورية، للتوصل إلى كيفية ارتكاب الحادث، ومناظرة جثامين القتلى وندب الطب الشرعي لتوقيع الكشف عليها.
وسبق أن تبنى تنظيم داعش الإرهابي تفجير الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة ديسمبر (كانون الأول) أوقع 28 قتيلاً. أعقبه نشر فيديو هدد فيه باستهداف المسيحيين المصريين.
ونفذ التنظيم المتشدد الذي يتركز نشاطه في شمال سيناء تهديداته باستهداف أقباط في مدينة العريش، مما دفع عشرات الأسر المسيحية للنزوح من المدينة، بعد مقتل 7 أقباط على يد عناصر التنظيم في فبراير (شباط) الماضي، وأخيراً امتدت العمليات الإرهابية للتنظيم إلى القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى، استهدف بعضها الكنائس... ويخوض الجيش المصري، بمعاونة الشرطة، حرباً شرسة ضد تنظيم داعش الإرهابي والجماعات الموالية له في شمال سيناء منذ سنوات، قتل فيها المئات من الجانبين.
يأتي حادث أمس بعد يومين من تحذير السفارة الأميركية بالقاهرة رعاياها الموجودين في مصر، من تهديد «محتمل» لـ«حركة سواعد مصر»، المعروفة بـ«حسم» الإرهابية. وذلك بعد نشر الحركة مقطع فيديو عبر حسابها بموقع «تويتر»، قالت فيه إنه لهجوم على حاجز أمني بحي مدينة نصر، أسفر عن مقتل 3 شرطيين، بينهم ضابطان، وإصابة 5 آخرين، مطلع مايو (أيار) الحالي.
وقالت السفارة في رسالة نشرتها عبر موقعها الإلكتروني، إنها تحذر الأميركيين الموجودين بمصر، من «تهديد محتمل هذا المساء لحركة (حسم)، تلك المنظمة الإرهابية المعروفة». وأضافت أنه «لا يتوافر لدينا مزيد من المعلومات عن ذلك التهديد المحتمل، غير أننا على تواصل مع السلطات المصرية».
من جهته، أدان شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء الحادث الإرهابي، مشيراً إلى أن هؤلاء الإرهابيين لن ينجحوا في شق النسيج الوطني. وأكد رئيس الوزراء على جبن وخسة تلك الأعمال الإرهابية التي تستهدف النيل من أمن واستقرار الوطن، مؤكداً عزم الدولة حكومة وشعباً على التصدي بكل قوة لتلك الأفكار والأعمال الإرهابية والقضاء عليها، جنباً إلى جنب مع الاستمرار في عمليات البناء والتنمية.
وقال السفير أشرف سلطان المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن «الحادث لم ينل من أمن مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء وجه بسرعة ضبط الجناة، وتشديد الإجراءات الأمنية بشكل عام.
وأعلن مجلس الوزراء أمس أن «الرئيس السيسي وجَّه جميع أجهزة الدولة والمسؤولين المعنيين بسرعة التعامل مع هذا الحادث الغاشم، والتأكد من توفير جميع أوجه الرعاية ﻷسر الضحايا والمصابين، وكذا تقديم جميع الإجراءات والتسهيلات اللازمة على الوجه الأكمل».
في غضون ذلك، أصدرت الكنيسة المصرية بياناً صحافياً، أمس، قالت فيه: «تلقينا بكل الألم والحزن أنباء ذلك الاعتداء الآثم الذي تعرض له مصريون أقباط»، مضيفة: «إذ نواسي كل هذه الأسر المجروحة ونتألم مع كل الوطن لهذا العنف والشر الذي يستهدف قلب مصر ووحدتنا الوطنية التي هي أثمن ما نملكه، ونحفظه ونحميه... وإذ نقدر سرعة استجابة المسؤولين، والتعامل مع الحادث، فإننا نأمل اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تفادي خطر هذه الحوادث التي تشوه صورة مصر، وتتسبب في الآم العديد من المصريين».
كما أكد مجلس النواب (البرلمان) أن الحادث الإجرامي الخطير الذي تعرضت له الحافلة يهدف إلى النيل من قوة ومتانة النسيج الوطني ووحدتنا الوطنية، مضيفاً في بيان له، أمس، أن «الحادث لن يثنى مصر بقيادتها وشعبها وقواتها المسلحة ورجالها عن تطهير أرض مصر من هؤلاء المهلكين للنسل والحرث، واقتلاع جذورهم ليظل أذان المآذن يُرفع وأجراس الكنائس تُقرع».
من جهته قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إن «حادث المنيا لا يرضى عنه مسلم ولا مسيحي ويستهدف ضرب الاستقرار في مصر». داعيا خلال كلمته في احتفال حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي أقامتها الكنيسة البروتستانتية بمناسبة مرور 500 عام على تأسيسها أمس، بالوقوف دقيقة حدادا على أرواح ضحايا حادث المنيا الإرهابي، مطالبا المصريين «أن يتحدوا جميعا في مواجهة هذا الإرهاب الغاشم».
وشارك شيخ الأزهر أمس في يوم الكنيسة الألماني في العاصمة برلين بحضور البروفسور كريستينا أوس دير آو رئيس يوم الكنيسة الألماني البروتستانتية، وتوماس دي ميزيير وزير الداخلية الألماني، ودعا رجال الدين في الغرب أن يسهموا في تصحيح الصورة المغلوطة في أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين، مؤكدا أنه «آن الأوان لأن تتجاوب أجراس الكنائس في الغرب ونداء المآذن في الشرق لتقول لا لهذا العبث باسم الأديان، ولا للعبث بالفقراء والنساء والأطفال، هؤلاء الذين يدفعون من دمائهم وأجسامهم وأشلائهم فاتورة حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، بعد أن تراخى القادرون على وقف هذه الحروب، التي أكلت الأخضر واليابس في عالمنا العربي».
وتأتي مشاركة الأزهر في احتفال يوم الكنيسة الألماني خطوة على طريق الحوار بين الأديان من أجل السلام والتعارف وثقافة التسامح... بعد أن أتم الأزهر جولات حوارية مكثفة مع المؤسسات الدينية الكبرى في الغرب لتأكيد التسامح بين الأديان.
وقال الطيب إن «الأديان السماوية هي أولا وأخيرا ليست إلا رسالة سلام إلى البشر؛ بل أزعم أنها رسالة سلام إلى الحيوان والنبات والطبيعة بأسرها، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لا يبيح للمسلمين أن يشهروا السلاح، إلا في حالة واحدة هي دفع العدوان عن النفس والأرض والوطن، ولم يحدث قط أن قاتل المسلمون غيرهم لإجبارهم على الدخول في دين الإسلام؛ بل إن الإسلام لا ينظر لغير المسلمين من المسيحيين واليهود إلا من منظور المودة والأخوة الإنسانية».
مضيفا أن «أصول مصادرنا الدينية التي نعتمد عليها في الفتوى والتشريع قديما وحديثا تصف المسيحيين بخصال أربع، وخصلة خامسة جميلة، هذه الخصال هي أنكم أكثر الناس حلما حين تسود الفتن، وأسرع الناس عافية مما تصابون به من نوازل وأزمات، وأنكم أكثر الناس استعادة للعزم والحزم، وأنكم خير الناس لليتامى والمساكين والضعفاء... والخامسة الحسنة الجميلة هي أنكم تنصفون المظلوم وتحولون بين المستضعفين وبين المتسلطين عليهم ظلما وعدوانا».
وتابع شيخ الأزهر: «أظنكم تتفقون معي في أن التاريخ لم يسجل اندلاع حرب في الشرق بين المسلمين والمسيحيين، وسبب ذلك سبب شرعي خالص، هو أن شريعة الإسلام تفرض على ولاة أمور المسلمين حماية غير المسلمين وضمان أمنهم وسلامتهم، فلا يُعقل أن يكلف جيش المسلمين بحماية المواطنين المسيحيين ثم يسمح له بأن يعلن الحرب عليهم أو يشارك في حرب تُعلن عليهم».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.