مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

مقتل 28 وإصابة 24 بهجوم على حافلة كانت في طريقها لزيارة أحد الأديرة * السيسي: تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر التي نفذت العملية الإرهابية

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
TT

مسيحيو مصر في مرمى الإرهاب من جديد

شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً  أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)
شرطي مصري قرب موقع الاعتداء الإرهابي الذي استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر (رويترز) وفي الإطار صورة للحافلة المستهدفة (أ.ف.ب)

مُني المصريون أمس بحادث مروع، استهدف أقباطاً أثناء قيامهم برحلة دينية بصعيد مصر, ادى الى مقتل نحو 28 شخصا، غالبيتهم من الأطفال، وأصاب عشرات آخرين.
وقال مصدر مسؤول في مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إن مجهولين يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي قاموا بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عددا من المواطنين والأطفال الأقباط في طريق صحراوي.
ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى معاقبة الدول «التي تدعم الإرهاب وتمده بالسلاح والتمويل والتدريب». وأضاف السيسي في كلمه وجهها إلى الشعب المصري عبر التلفزيون الرسمي أنه «لا مجاملة ولا مصالحة» مع هذه الدول. وقال إنه تم ضرب المعسكرات التي خرجت منها العناصر الإرهابية التي ارتكبت عملية المنيا الإرهابية أمس، في أول رد فعل من جانبه على العملية الإرهابية.
ولم يحدد السيسي تلك المعسكرات لكن وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية قالت إن الجيش دمر المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة في ليبيا بعد عملية المنيا الإرهابية أمس.
وشدد الرئيس المصري على أن بلاده لن تتردد في ضرب معسكرات الإرهابيين في الداخل والخارج، حيث تواجه حربا ضروسا ضد الإرهاب. وأكد السيسي بعدما عقد اجتماعا مع القيادات الأمنية والعسكرية أن بلاده تخوض حربا ضد الإرهاب بالنيابة عن كافة دول العالم. وأضاف السيسي أنه بعد سقوط النظام الليبي، كانت مصر تدرك أنها بصدد مواجهة شر كبير، وكانت القوات توجد على الحدود لتأمين البلاد. وكشف أنه خلال العامين الماضيين فقط، عبر نحو ألف سيارة رباعية الدفع الحدود نحو مصر، وجرى خلال الثلاثة أشهر الماضية تدمير نحو 300 عربة.
ووجه السيسي خطابه إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معربا عن ثقته فيه وفي قدرته على مواجهة الإرهاب في كافة منابعه بالعالم. وحث السيسي المصريين على توخي الوعي والانتباه والحفاظ على التماسك. وقال: «نحن متألمون ومجروحون، وهذا ثمن ندفعه من أجل حرية حقيقية لبلدنا بدلا أن تقع في أيدي التطرف والإرهاب وتصبح مصر قاعدة للراديكالية في العالم».
وشهدت البلاد أمس استنفاراً أمنياً. فيما وجه السيسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لرعاية المصابين. وذكرت وزارة الصحة المصرية في أحدث بياناتها مقتل 28 مسيحياً على الأقل وإصابة 24 آخرين في هجوم إرهابي على حافلة تقل مسيحيين في رحلة دينية إلى دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة بمحافظة المنيا على الطريق الصحراوي الغربي، وقال خالد مجاهد المتحدث باسم وزارة الصحة، إن «وزير الصحة الدكتور أحمد عماد الدين أمر بنقل جميع المصابين لمعهد ناصر بالقاهرة من مستشفيات مغاغة والعدوة وبنى مزار المنيا... ووَجَّه بتحريك أطقم الرعاية المركزة بمعهد ناصر لسرعة إسعاف المصابين».
وقال مصدر مسؤول بمركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية إنه «تم فرض كردون أمني بمنطقة الحادث بعدما قام مجهولون يستقلون ثلاث سيارات دفع رباعي بإطلاق النيران بشكل عشوائي تجاه حافلة تقل عدداً من المواطنين الأقباط، أثناء سيرها بالطريق الصحراوي الغربي، بدائرة مركز شرطة العدوة».
ووجه اللواء مجدي عبد الغفار وزير الداخلية بتشكيل فريق بحث على أعلى مستوى من الأمن العام والأمن الوطني ومديرية أمن المنيا، لكشف غموض الواقعة وسرعة ضبط المتهمين.
ومن جهتها، ألغت دار الإفتاء المصرية احتفالها السنوي باستطلاع هلال رمضان حداداً على أرواح الضحايا.
وقال شهود عيان إن «10 ملثمين أطلقوا النار على الأقباط، بعدما أوقفوا الحافلة وحصلوا على متعلقاتهم الشخصية، ثم أطلقوا الرصاص عشوائياً عليهم وفروا هاربين». وقال بيتر إلهامي المنسق الإعلامي لمطرانية مغاغة بالمنيا، إن «المسلحين استولوا على أموالهم قبل قتلهم». مضيفاً أن «المسلحين كانوا ملثمين ويستقلون سيارات دفع رباعي وفتحوا النار على الحافلة، وسيارة نقل كانت تقل عمالاً كانوا في طريقهم لزيارة الأنبا صموئيل».
وما زالت أصداء حادثي استهداف كنيستي في طنطا والإسكندرية أبريل (نيسان) الماضي ومقتل وإصابة العشرات خلال احتفال المسيحيين في مصر بأحد السعف (الشعانين)، تلقى بظلالها على المشهد العام في البلاد، وتسعى السلطات الأمنية لضبط الجناة، التي أكدت أنهم من محافظة قنا (القريبة من المنيا).
ويأتي الحادث قبل ساعات من استقبال المسلمين لشهر رمضان، ولوحت مصادر كنسية بأن «الإرهاب يرتبط دائما بالمناسبات»، لافتة إلى أن «تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة وقع يوم المولد النبوي»، وتفجير كنيستي طنطا والإسكندرية قبل يوم من أعياد الأقباط، وحادث أمس قبل يوم من شهر رمضان، مضيفة أن «هذه الأحداث كلها تقوم بها جماعات متطرفة، تحاول ضرب العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر».
وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته عن تفجير كنيسة الإسكندرية، مذكراً وقتها بمزاعم سابقة أطلقها التنظيم في عام 2015، عندما أعلن عن تأسيس فرع له في الصعيد على غرار ما يعرف بـ«ولاية سيناء»، لكن مصادر مصرية قالت إنها «تحكم قبضتها على مدن الصعيد».
إلا أن مصدراً أمنياً قال إن «صحراء وجبال صعيد مصر تعد مركزاً للإعداد للعمليات الإرهابية»، لافتاً إلى أن «طبيعة جبال الصعيد وامتدادها على رقعة مترامية الأطراف، تسمح بحرية التحرك للعناصر المتطرفة دون رقابة تذكر، ما يجعل السيطرة عليها أمراً بالغ الصعوبة».
وقال مراقبون إنه نظراً لطبيعة الصعيد الجغرافية فقد سمحت رقعتها بتحرك جماعات لتجارة السلاح دون رقابة في أماكن مختلفة، حيث لم يعد مقتصراً على الأسلحة الصغيرة أو محلية الصنع فقط، بل امتدَّ ليشمل أسلحة ثقيلة ومتطورة لم تكن متاحة وربما غير معروفة من قبل. وقال شهود عيان أمس إن «العناصر الملثمة كان تمسك بأسلحة متطورة».
ووفقاً لتقديرات غير رسمية تتراوح نسبة المسيحيين بمصر من 10 إلى 15 في المائة من عدد السكان البالغ عددهم أكثر من 90 مليون نسمة.
وفور الحادث أمر النائب العام المستشار نبيل أحمد صادق، بفتح تحقيق موسع لسرعة التوصل إلى الجناة، إذ انتقل أعضاء النيابة إلى الموقع لإجراء التحقيقات الفورية، للتوصل إلى كيفية ارتكاب الحادث، ومناظرة جثامين القتلى وندب الطب الشرعي لتوقيع الكشف عليها.
وسبق أن تبنى تنظيم داعش الإرهابي تفجير الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس في القاهرة ديسمبر (كانون الأول) أوقع 28 قتيلاً. أعقبه نشر فيديو هدد فيه باستهداف المسيحيين المصريين.
ونفذ التنظيم المتشدد الذي يتركز نشاطه في شمال سيناء تهديداته باستهداف أقباط في مدينة العريش، مما دفع عشرات الأسر المسيحية للنزوح من المدينة، بعد مقتل 7 أقباط على يد عناصر التنظيم في فبراير (شباط) الماضي، وأخيراً امتدت العمليات الإرهابية للتنظيم إلى القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى، استهدف بعضها الكنائس... ويخوض الجيش المصري، بمعاونة الشرطة، حرباً شرسة ضد تنظيم داعش الإرهابي والجماعات الموالية له في شمال سيناء منذ سنوات، قتل فيها المئات من الجانبين.
يأتي حادث أمس بعد يومين من تحذير السفارة الأميركية بالقاهرة رعاياها الموجودين في مصر، من تهديد «محتمل» لـ«حركة سواعد مصر»، المعروفة بـ«حسم» الإرهابية. وذلك بعد نشر الحركة مقطع فيديو عبر حسابها بموقع «تويتر»، قالت فيه إنه لهجوم على حاجز أمني بحي مدينة نصر، أسفر عن مقتل 3 شرطيين، بينهم ضابطان، وإصابة 5 آخرين، مطلع مايو (أيار) الحالي.
وقالت السفارة في رسالة نشرتها عبر موقعها الإلكتروني، إنها تحذر الأميركيين الموجودين بمصر، من «تهديد محتمل هذا المساء لحركة (حسم)، تلك المنظمة الإرهابية المعروفة». وأضافت أنه «لا يتوافر لدينا مزيد من المعلومات عن ذلك التهديد المحتمل، غير أننا على تواصل مع السلطات المصرية».
من جهته، أدان شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء الحادث الإرهابي، مشيراً إلى أن هؤلاء الإرهابيين لن ينجحوا في شق النسيج الوطني. وأكد رئيس الوزراء على جبن وخسة تلك الأعمال الإرهابية التي تستهدف النيل من أمن واستقرار الوطن، مؤكداً عزم الدولة حكومة وشعباً على التصدي بكل قوة لتلك الأفكار والأعمال الإرهابية والقضاء عليها، جنباً إلى جنب مع الاستمرار في عمليات البناء والتنمية.
وقال السفير أشرف سلطان المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن «الحادث لم ينل من أمن مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء وجه بسرعة ضبط الجناة، وتشديد الإجراءات الأمنية بشكل عام.
وأعلن مجلس الوزراء أمس أن «الرئيس السيسي وجَّه جميع أجهزة الدولة والمسؤولين المعنيين بسرعة التعامل مع هذا الحادث الغاشم، والتأكد من توفير جميع أوجه الرعاية ﻷسر الضحايا والمصابين، وكذا تقديم جميع الإجراءات والتسهيلات اللازمة على الوجه الأكمل».
في غضون ذلك، أصدرت الكنيسة المصرية بياناً صحافياً، أمس، قالت فيه: «تلقينا بكل الألم والحزن أنباء ذلك الاعتداء الآثم الذي تعرض له مصريون أقباط»، مضيفة: «إذ نواسي كل هذه الأسر المجروحة ونتألم مع كل الوطن لهذا العنف والشر الذي يستهدف قلب مصر ووحدتنا الوطنية التي هي أثمن ما نملكه، ونحفظه ونحميه... وإذ نقدر سرعة استجابة المسؤولين، والتعامل مع الحادث، فإننا نأمل اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تفادي خطر هذه الحوادث التي تشوه صورة مصر، وتتسبب في الآم العديد من المصريين».
كما أكد مجلس النواب (البرلمان) أن الحادث الإجرامي الخطير الذي تعرضت له الحافلة يهدف إلى النيل من قوة ومتانة النسيج الوطني ووحدتنا الوطنية، مضيفاً في بيان له، أمس، أن «الحادث لن يثنى مصر بقيادتها وشعبها وقواتها المسلحة ورجالها عن تطهير أرض مصر من هؤلاء المهلكين للنسل والحرث، واقتلاع جذورهم ليظل أذان المآذن يُرفع وأجراس الكنائس تُقرع».
من جهته قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إن «حادث المنيا لا يرضى عنه مسلم ولا مسيحي ويستهدف ضرب الاستقرار في مصر». داعيا خلال كلمته في احتفال حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي أقامتها الكنيسة البروتستانتية بمناسبة مرور 500 عام على تأسيسها أمس، بالوقوف دقيقة حدادا على أرواح ضحايا حادث المنيا الإرهابي، مطالبا المصريين «أن يتحدوا جميعا في مواجهة هذا الإرهاب الغاشم».
وشارك شيخ الأزهر أمس في يوم الكنيسة الألماني في العاصمة برلين بحضور البروفسور كريستينا أوس دير آو رئيس يوم الكنيسة الألماني البروتستانتية، وتوماس دي ميزيير وزير الداخلية الألماني، ودعا رجال الدين في الغرب أن يسهموا في تصحيح الصورة المغلوطة في أذهان الغربيين عن الإسلام والمسلمين، مؤكدا أنه «آن الأوان لأن تتجاوب أجراس الكنائس في الغرب ونداء المآذن في الشرق لتقول لا لهذا العبث باسم الأديان، ولا للعبث بالفقراء والنساء والأطفال، هؤلاء الذين يدفعون من دمائهم وأجسامهم وأشلائهم فاتورة حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، بعد أن تراخى القادرون على وقف هذه الحروب، التي أكلت الأخضر واليابس في عالمنا العربي».
وتأتي مشاركة الأزهر في احتفال يوم الكنيسة الألماني خطوة على طريق الحوار بين الأديان من أجل السلام والتعارف وثقافة التسامح... بعد أن أتم الأزهر جولات حوارية مكثفة مع المؤسسات الدينية الكبرى في الغرب لتأكيد التسامح بين الأديان.
وقال الطيب إن «الأديان السماوية هي أولا وأخيرا ليست إلا رسالة سلام إلى البشر؛ بل أزعم أنها رسالة سلام إلى الحيوان والنبات والطبيعة بأسرها، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لا يبيح للمسلمين أن يشهروا السلاح، إلا في حالة واحدة هي دفع العدوان عن النفس والأرض والوطن، ولم يحدث قط أن قاتل المسلمون غيرهم لإجبارهم على الدخول في دين الإسلام؛ بل إن الإسلام لا ينظر لغير المسلمين من المسيحيين واليهود إلا من منظور المودة والأخوة الإنسانية».
مضيفا أن «أصول مصادرنا الدينية التي نعتمد عليها في الفتوى والتشريع قديما وحديثا تصف المسيحيين بخصال أربع، وخصلة خامسة جميلة، هذه الخصال هي أنكم أكثر الناس حلما حين تسود الفتن، وأسرع الناس عافية مما تصابون به من نوازل وأزمات، وأنكم أكثر الناس استعادة للعزم والحزم، وأنكم خير الناس لليتامى والمساكين والضعفاء... والخامسة الحسنة الجميلة هي أنكم تنصفون المظلوم وتحولون بين المستضعفين وبين المتسلطين عليهم ظلما وعدوانا».
وتابع شيخ الأزهر: «أظنكم تتفقون معي في أن التاريخ لم يسجل اندلاع حرب في الشرق بين المسلمين والمسيحيين، وسبب ذلك سبب شرعي خالص، هو أن شريعة الإسلام تفرض على ولاة أمور المسلمين حماية غير المسلمين وضمان أمنهم وسلامتهم، فلا يُعقل أن يكلف جيش المسلمين بحماية المواطنين المسيحيين ثم يسمح له بأن يعلن الحرب عليهم أو يشارك في حرب تُعلن عليهم».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.