غضب القوميات غير الفارسية يقوّض شرعية الانتخابات الإيرانية

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء قيادات بارزة حول تصريحات المسؤولين عن علاقتها بالنظام

لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
TT

غضب القوميات غير الفارسية يقوّض شرعية الانتخابات الإيرانية

لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)

يهدد الغضب المتصاعد في صفوف القوميات غير الفارسية في إيران، إثر تدهور أوضاعها المعيشية وتنامي سياسات التمييز التي تستهدفها، بتقويض شرعية الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة غداً. ولم يكن غريباً أن يحتل ملف القوميات حيزاً لافتاً من أجندة المعركة الانتخابية التي ركزت هذا العام على ملفات ساخنة عدة، تصدرتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمن القومي. لكن العناوين البارزة في المزايدات الانتخابية بين المرشحين الأساسيين ركزت على الحريات والفساد ومشكلة القوميات غير الفارسية وحقوق الأقليات الدينية، في تطور غير مسبوق، ما دفع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى التحذير من مغبة تحريك «الفوالق العقائدية والجغرافية والقومية واللسانية»، معتبراً انه يعرض البلاد إلى «زلزال كبير» قد يؤدي إلى انهيار الداخل الإيراني.
وتردد صدى دعوة خامنئي في خطب الجمعة الماضية، ففي طهران دعا خطيب جمعتها كاظم صديقي إلى عدم تكريس القضايا القومية والطائفية في خطابات المسؤولين الإيرانيين، وقال إنه «بمعزل عن المسؤولين الذين تم تعيينهم أو عزلهم، فإن الشعب البلوشي كان دائماً إلى جانب النظام». وقال إن «البلوش في شرق البلاد يعانون من الفقر، ومن أجل حل مشكلاتهم لجأوا للتهريب، ولو كنا نهتم بحل مشكلة الفقر لما حدث ذلك».
قبل أربع سنوات، اختار الرئيس الإيراني حسن روحاني تعيين مساعد خاص بشؤون القوميات والأقليات الدينية، ووقع الاختيار على وزير الأمن السابق علي يونسي.
خلال السنوات الأربع الماضية، حاولت حكومة روحاني حصر مطالب العرب والكرد والبلوش والترك برفع القيود عن بعض البرامج الثقافية وتنظيم المهرجانات تحت إشراف فريق يونسي والمخابرات الإيرانية، وبتنسيق مع الحرس الثوري، في محاولة لنزع فتيل التوتر والسيطرة على المارد الذي خرج من القمقم في زمن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. وفي مجموعها تُعتَبَر تطلعات الشعوب غير فارسية أكبر تحدٍّ يواجه دوائر صنع القرار في طهران كشف المستور عنه المزايدات الانتخابية والتناقضات بين المرشحين.
وخلال خطابه اتهم الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني قبل أيام المحافظين الذين انتقدوا سياسات حكومته في أزمة البطالة، بـ«منع توظيف أهل السُنّة وأبناء القوميات». بدوره، قال المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي إن «طاقات القوميات والمذاهب الإيرانية تسمح لهم بدخول الهيكل الإداري في إيران».
روحاني الذي راهن على الحريات، لتخفيف الانتقادات عنه في الملف الاقتصادي، رفع وتيرة وعوده لتلك القوميات، وكان لافتاً إصرار حملته الانتخابية على مخاطبة تلك الأطياف بإدراج متحدثين باللغات المحلية في برامجه الانتخابية، وذلك في محاولة لكسب ودهم قبل المواجهة الكبيرة مع رئيسي.
وأياً كان الرئيس الإيراني المقبل وتوجهاته السياسية، فإنه مُطالَب بوضع الملف الساخن للقوميات على صدر جدول أعماله. ملف لا يحتمل التأجيل في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة التي لعبت إيران دوراً كبيراً فيها خلال السنوات القليلة الماضية. «الشرق الأوسط» استطلعت آراء قيادات بارزة من الأحزاب المعارضة للنظام الإيراني، لبحث ما شهدته الحملات الانتخابية وآفاق الصدام بين النظام السياسي والمجموعات العرقية.

* الأحواز تعاني تمييزاً عنصرياً وحرماناً من التنمية
شهدت المناطق العربية في جنوب إيران عودة الروح القومية أكثر من أي وقت مضى، بموازاة تنشيط الذاكرة والانفتاح الإعلامي العربي على شكوى الأحوازيين من التمييز العنصري وحرمان مناطقهم.
وتعليقاً على تحذيرات خامنئي من إثارة القضايا القومية، قال رئيس حركة النضال العربي لتحرير الأحواز حبيب جبر لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران تمرّ اليوم بمرحلة حرجة لم تعهدها منذ تأسيسها كدولة حديثة على حساب الشعوب المحتلة عام 1936، أزمة تستهدف كيانها كدولة وتهددها بالتفكُّك، فعلى الصعيد الخارجي تواجه إيران عزلة سياسية على المستويين الإقليمي والدولي، رغم التوافق الحاصل بينها وبين دول (5 + 1)، بشأن الملف النووي، وبفضل سياسة أوباما المتواطئة مع هذه الدولة المارقة».
ويلفت حبيب جبر إلى أن «مشروع طهران التوسعي الذي صرفت من أجله المليارات، بدأ في الانكفاء والتقهقر والانحسار، بعد (عاصفة الحزم) بقيادة المملكة العربية السعودية، وبروز التحول المفاجئ في الموقف الأميركي من دور إيران في المنطقة بعد مجيء الرئيس دونالد ترمب واعتبارها من أكبر الدول الراعية للإرهاب في العالم، وهي مصنَّفَة سلفاً من ضمن دول محور الشر، وسبق الموقف الأميركي، مواقف دول إقليمية كبيرة، مثل المملكة العربية السعودية وحتى تركية لمواجهة سياسات إيران التوسعية والحد من دورها التخريبي في المنطقة، وهذا ما لمسناه من تصريحات ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة، حول العزم على نقل المعركة إلى العمق الإيراني، ليكون الجزاء من جنس العمل».
وعلى الصعيد الداخلي، يوضح حبيب جبر أن «ما تواجهه إيران ليس أزمة شرعية النظام فحسب، بل يتعدى ذلك إلى أزمة وجود، تهدد الدولة الفارسية ككيان هش قائم على شرعية مزيفة فُرِضَت بالقوة لصالح الفرس على شعوب كانت قائمة بكياناتها المستقرة، في مقدمتها الشعب العربي الأحوازي. على الرغم من رفض هذه الشعوب مخطط القوى الاستعمارية في مطلع القرن الماضي، الهادف إلى إلحاقها قسراً في كيان مستحدَث سُمِّي لاحقاً بـ(إيراني)، تكون السلطة فيه للفرس، إلا أن المصالح الاستعمارية كانت تقتضي ذلك. قاومت هذه الشعوب هذا الكيان منذ اليوم الأول من فرضه على كل الأصعدة والمستويات. ولكن الفرس وجدوا دعماً غير محدود لضمان بقاء هذا الكيان».
ويشدد حبيب جبر على أن «الآونة الأخيرة مَكَّنَت الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة هذه الشعوب من تصعيد وتيرة نضالها لتحقيق أهدافها السياسية، وتجلى ذلك في العمليات العسكرية التي طالت هذه الدولة في بلوشستان قبل أيام وفي الأحواز التي تعددت فيها المواجهات ومظاهر الرفض، كان أحدثها المواجهات التي اندلعت فجر يوم أمس، وكذلك في كردستان. فمقاومة هذه الشعوب باتت تؤرق النظام وترهبه، بل أصبحت تحركات هذه الشعوب في الوقت الراهن بمثابة الترددات الأولية التي تسبق الزلزال الكبير الذي حذر منه خامنئي في تصريحاته الأخيرة، التي طالَبَ فيها مرشحي الانتخابات الرئاسية بعدم التطرق إلى حقوق الشعوب المحتلة حتى في إطار ما ينص عليه الدستور الإيراني».
ويؤكد جبر أن «الأمر الذي يؤكد الهلع والخوف الكبيرين اللذين يعيشهما هذا النظام من خطورة حراك هذه الشعوب والمجهول المقبل لا محالة. الشعوب المحتلة اليوم تتطلع إلى دور مهم وكبير لها في مواجهة الدولة الإيرانية، خصوصاً أنها الآن تحاول أن تجمع قواها الفاعلة في إطار عمل منسق ينسجم مع تطلعات ومصالح الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، ويحقق أهداف الجميع. لذلك جميع القوى الفاعلة لدى هذه الشعوب دعت إلى مقاطعة مسرحية (الانتخابات) في إيران، بل دعت لمواجهتها بكل السبل، مثل ما دعت له حركة النضال العربي لتحرير الأحواز عبر بيانها. فالانتخابات في إيران عموماً، وانتخابات الرئاسة على وجه التحديد، تُعتَبَر مسرحية سياسية رديئة الإخراج لبيع الوهم للداخل وخداع الخارج، للظهور بمظهر الديمقراطية أمام العالم وكسب الشرعية المفقود أصلاً».

* اليأس يدفع الأكراد إلى مقاطعة الاقتراع
شهدت المناطق الكردية في إيران ظروفاً مشابهة لتلك التي عاشها إقليم كردستان العراق في ظل نظام «البعث». لكن عادت الحيوية إلى نشاط الأحزاب السياسية الكردية، أخيراً، فضلاً عن عودة أكبر الأحزاب إلى حمل السلاح بوجه «الحرس الثوري»، بعد يأس الأكراد من التوصل إلى حلول عادلة لمطالبهم.
وقال نائب أمين عام الحزب الديمقراطي الكردستاني حسن شرفي لـ«الشرق الأوسط» إن المرشحين لم يقدموا وعداً للشعوب غير الفارسية في إيران «جديراً بالاهتمام أو إعلان موقف» من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وأوضح أن «كل فترة من مسرحية الانتخابات في إيران يطلقون وعوداً نظراً للحقائق الموجودة على الأرض من تجاهل لحقوق الشعوب غير الفارسية. وفي الأوضاع العادية التطرق للنقاش من هذا النوع محظور، ويستحق العقاب، لكن في أيام الانتخابات يتحدثون بطريقة سطحية وهابطة عن حقوق القوميات وحصرها في الملابس المحلية وحق التحدث باللغة الأم، ويستخدمون تلك الوعود كأداة للحصول على أصوات الشعب الكردي»، وتابع: «المرشحون أدلوا بتصريحات لا أهمية لها، وهذا القليل أغضب المرشد الإيراني علي خامنئي، فمنع المرشحين حتى من استخدامها كأداة انتخابية، وحذر من الدخول إلى هذا النقاش».
وحول تحذير خامنئي قال شرفي إن «موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني من تحذير خامنئي تجاه تحريك الفوالق القومية والوطنية في إيران واضح ونعرف جيداً أن قضية الشعوب غير الفارسية من المشكلات التي لم تُحلّ بعد في إيران، في وقت يستمر فيه بشكل واضح كفاح تلك الشعوب من أجل الحفاظ على الهوية، وتأمين الحقوق الوطنية والسياسية، وقادة النظام يعتبرون هذا الكفاح تهديداً للنظام والوحدة الإيرانية وهي حقيقة يحاولون دائما إنكارها وإبقاءها طي الكتمان. خامنئي لا يطيق التطرق لأبسط قضايا الشعوب غير الفارسية من قبل المرشحين أو أي تلميح يعترف بمشكلة الشعوب في إيران، حتى لو اختُصِرَت باللغة والملابس».
وحول الرسالة التي يوجهها الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الكرد في إيران، قال شرفي إن رسالة حزبه هي الرسالة التي أعلنها الحزب بالاشتراك مع الأحزاب الكردية الخمسة، ودعوا فيها الشعب الكردي إلى مقاطعة صناديق الاقتراع، موضحاً أن «المشاركة في المسرحية الانتخابية تُعد نوعاً من اللامبالاة، وعدم الاحتجاج على تصرفات النظام في كردستان. فضلاً عن ذلك، فإن المسرحيات الانتخابية لم تؤدِّ إلى الاستجابة للمطالب السياسية والقومية للشعب الكردي، والتغيير في كرسي الرئاسة لم يؤدّ إلى تغيير في السياسة والنهج المعادي للكرد وضياع حقوق الشعب الكردي».
وعن موقف الكرد إذا ما حدث صدام بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال شرفي إن الصدام بين النظام وواشنطن «لا يبدو قريباً، واحتمالاته ضعيفة». وأضاف أن هذا الصدام إذا ما حدث فإنه خاضع لإرادة الشعوب في إيران حتى يقوموا بدور في هذه المواجهة، وفق تصوراتهم، لكن المؤكد أن مواقف هذه الشعوب ستكون وفق مصالحها».

* الدستور الإيراني لا يعترف بحقوق البلوش
تعد القومية البلوشية ذات الأغلبية التي تقطن في جنوب شرقي إيران من أكثر مناطق معاناة من الحرمان. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يرى ناصر بليده القيادي في حزب الشعب البلوشي ورئيس منظمة «يو إن بي أو» (منظمة الشعوب الأصلية) أن «الدستور الإيراني لا يوجد فيه مجال لحل القضية القومية للشعب البلوشي»، موضحاً أن الدستور «لا يعترف باللغة البلوشية، وأن أهل السنة لا يُسمَح لهم بالترشح والتنافس على منصب الرئيس. عندما لا يحق لأحد أن يترشح، فمن الطبيعي أنه لا يوجد دليل على مشاركته في الانتخابات انطلاقاً من ذلك، فإن الوعود التي يقدمها المرشحون لن تؤدي إلى نتائج ملموسة».
وتابع بليده أنه «وفق الدستور، فإن مهمة رئيس الجمهورية تفعيل القانون الأساسي، لكن أيّاً من رؤساء الجمهورية حتى الآن لم يفعل المواد المتعلقة بحقوق القوميات، وعندما لا ينفذ الرئيس القانون الأساسي، فكيف يمكنه العمل بوعوده؟! لا معنى لوعود المرشحين». وأضاف أن «المرشد الإيراني يخشى من إسقاط النظام أو أن تخرج الأمور من قبضته إذا ما نزلت الشعوب إلى الشوارع ولا ننسى أن الشعوب هم الأكثرية في إيران، وفي حال وجود نزاع داخلي فبإمكانهم إسقاط سلطة ولاية الفقيه».
وقال بليده إن «النظام الإيراني الحالي منح المشروعية للظلم ضد الشعب البلوشي، ويستخدم الدين أداةً سياسيةً، من أجل ذلك يجب ألا ينخدع الشعب البلوشي على يد النظام الظالم».
وأشار بليده إلى أن «الشعوب بإمكانها أن تلعب دور قوة تريد تقسيم السلطة، وتساعد على صعود نظام براغماتي، وأن تمنع صعود نظام مركزي يتبع سياسة الهيمنة القومية والطائفية في السياسة الداخلية، وأن تمنع نظاماً يتبع السياسة الإمبريالية لفرض الهيمنة في السياسة الإقليمية التي أدّت إلى حروب داخلية في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مثل نظام ولاية الفقيه. للشعب الإيراني مصالح مشتركة مع شعوب المنطقة لتغيير النظام في إيران».

* الترك منزعجون من التكتم على قضاياهم
يتطلع الترك الذين يشكلون أكبر مجموعة عرقية في إيران بعد الفرس، إلى تحقيق مطالب أبرزها الاعتراف باللغة الأم والملابس والحقوق الثقافية.
القيادي في الحركة الوطنية لأذربيجان الجنوبية صالح كامراني يوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين في الانتخابات الرئاسية «لاحظنا رسم خطين أحمرين من السلطة لم يجرؤ أي من المرشحين، حتى الذين تجاوزوا (فلتر الفقهاء)، من الاقتراب منهما، والخط الأول هو الخوض في النشاط العسكري والخارجي للحرس الثوري الإيراني، والثاني الدخول إلى قضايا الشعوب غير الفارسية، خصوصاً الترك والعرب. من الخصائص الأخرى في الانتخابات أنها محصورة بالفرس، وأن كل المرشحين الستة منهم، وهذا يعني أنهم لا يثقون بالمرشحين من غير الفرس ممن خسروا أنفسهم وذابوا في نظام ولاية الفقيه، ويريدون حصر السلطة 100 في المائة بيد القومية الفارسية».
وحول الوعود التي أطلقها المرشحون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، قال كامراني: «يجب القول إنها مجرد شعارات واستراتيجيات انتخابية لا أكثر، وليس بإمكانها تغيير الوضع الحالي، خصوصاً إذا أخذنا موقع رئيس الجمهورية السياسي والقانوني الذي لديه إمكانيات محدودة في البنية السياسية الإيرانية. من أجل ذلك أنا كشخص من الشعب التركي في أذربيجان الجنوبية بتعداد سكاني 35 مليوناً، أطالب بمقاطعة ما تسمى بالانتخابات في إيران، حتى لا توجد حجج داخلية ودولية لاستمرار النظام». ويضيف كامراني أن «النظام لديه الوعي الكامل بأن الوعي بين الشعوب غير الفارسية بلغ مستوى لا يمكن السيطرة عليه. مناقشة المطالب الوطنية في أيام الحملات الانتخابية على لسان أصحاب السلطة يؤكد أن هندسة هذه المطالب لن تخرج من الحالة السائدة لدى النظام. يمكن أن نرى هذا الضعف بوضوح في تحذير خامنئي من الدخول إلى قضايا الشعوب غير الفارسية، لأن النظام استخدم القضايا القومية في انتخابات الماضية للخداع والحصول على المشروعية، فالكذب والخداع أصبحا مفضوحين، من أجل ذلك في هذه الفترة يريد أن يرد على سيف المطالب القومية بالمدفعية والصواريخ. هذا في وقت يُظهِر الأمرُ ضعفَه أكثر».
وطالَب كامراني الشعوب غير الفارسية بأن «تقاطع الانتخابات الشكلية وعدم المشاركة في مسرحية الدمى المتحركة»، وأضاف: «إذا أساء النظام لثلاثة أرباع المجتمع بحصر الترشح في الفرس فيجب تحقيره بمقاطعة صناديق الاقتراع»، وحول آفاق الصدام بين إيران وأميركا وموقف الشعوب الإيرانية يوضح قائلاً: «من لا يعرف أن النظام ليس بإمكانه الاستمرار لشهر في حال مواجهة خارجية مع النظام من دون حضور ودعم غير الفارسيين. من لا يعرف أنه من دون الأذريين والأحوازيين وغيرهم لا تبقى قوات عسكرية للدفاع عن النظام».



صور أقمار اصطناعية... إيران تُحصن مواقع حساسة وسط توترات مع أميركا

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)
صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)
TT

صور أقمار اصطناعية... إيران تُحصن مواقع حساسة وسط توترات مع أميركا

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)
صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)

تُظهر صور أقمار اصطناعية أن إيران شيدت مؤخراً درعاً خرسانياً فوق منشأة جديدة في موقع عسكري حساس وأخفته بالتربة، وفق ما أفاد به خبراء، في خطوة تشير إلى تقدم الأعمال في موقع قيل إن إسرائيل قصفته العام الماضي، وذلك وسط توترات متصاعدة مع الولايات المتحدة.

كما تظهر الصور أن إيران قامت بردم مداخل أنفاق في موقع نووي قصفته الولايات المتحدة خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) الماضي، وحصنت مداخل أنفاق قرب موقع آخر، وأصلحت قواعد صاروخية تعرضت للقصف خلال الصراع.

وتوفر الصور لمحة عن أنشطة إيران في بعض المواقع التي تمثل محوراً للتوترات مع إسرائيل، والولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى التفاوض مع طهران بشأن برنامجها النووي، مع التلويح بخيار عسكري في حال فشل المحادثات.

وفيما يلي بعض الصور التي تظهر التغييرات:

مجمع بارشين العسكري

يقع مجمع بارشين على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرقي طهران، ويُعد من أكثر المواقع العسكرية حساسية في إيران. وكانت أجهزة استخبارات غربية قد أشارت إلى أن طهران أجرت هناك، قبل أكثر من عقدين، اختبارات ذات صلة بتفجيرات قنابل نووية. وتنفي إيران دائماً سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية.

وأفادت تقارير بأن إسرائيل قصفت بارشين في أكتوبر (تشرين الأول) 2024. وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية التي التُقطت قبل الهجوم وبعده أضراراً جسيمة في مبنى مستطيل داخل المجمع، كما تُظهر صور بتاريخ 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أعمال إعادة بناء واضحة للمبنى.

وتُظهر صور ملتقطة في 12 أكتوبر الماضي تطورات في الموقع، مع ظهور هيكل مبنى جديد ومبنيين أصغر مجاورين له. ويبدو في صور 14 نوفمبر أن سقفاً معدنياً يغطي المبنى الكبير.

تُظهر صورة مركبة من صور الأقمار الاصطناعية مجمع بارشين العسكري قبل الضربات وبعد الضربات الإسرائيلية في فترات متعددة (رويترز)

غير أن صور 13 ديسمبر (كانون الأول) تُظهر المنشأة وقد غُطيت جزئياً، وبحلول 16 فبراير (شباط) لم تعد مرئية، بعدما حُجبت بما يقول خبراء إنه هيكل خرساني.

وأشار «معهد العلوم والأمن الدولي» (ISIS)، في تحليل للصور بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني)، إلى تقدم في بناء «تابوت خرساني» حول منشأة حديثة في الموقع حدّدها باسم «طالقان 2».

وكان المعهد قد أفاد في نوفمبر بأن الصور تُظهر «استمرار أعمال البناء، ووجود ما يبدو أنه غرفة أسطوانية طويلة، ربما وعاء احتواء لمتفجرات شديدة الانفجار، بطول نحو 36 متراً وقطر 12 متراً داخل مبنى».

وأضاف المعهد أن «أوعية احتواء المتفجرات شديدة الانفجار ضرورية لتطوير الأسلحة النووية، لكنها يمكن أن تُستخدم أيضاً في العديد من عمليات تطوير الأسلحة التقليدية».

وقال ويليام غودهيند، محلل الصور الجنائية في شركة «تدكون غراوند»، إن لون السقف الجديد يشبه لون المنطقة المحيطة، مضيفاً: «من المرجح أنه تمت تغطيته بالتراب لإخفاء لون الخرسانة».

وكتب مؤسس المعهد ديفيد أولبرايت على منصة «إكس»: «تعطيل المفاوضات له فوائده: خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع الماضية، كانت إيران مشغولة بدفن منشأة طالقان 2 الجديدة... وهناك مزيد من التربة المتاحة، وقد تتحول المنشأة قريباً إلى مخبأ غير قابل للتعرّف، يوفر حماية كبيرة من الضربات الجوية».

ردم مداخل مجمع أصفهان النووي

يُعد مجمع أصفهان أحد ثلاثة مواقع إيرانية لتخصيب اليورانيوم قصفتها الولايات المتحدة في يونيو. وإلى جانب المنشآت المرتبطة بدورة الوقود النووي، يضم المجمع منطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن معظم اليورانيوم المخصب الإيراني مخزّن فيها.

وأظهرت صور أواخر يناير جهوداً جديدة لردم مدخلين لنفق في المجمع، بحسب تقرير المعهد بتاريخ 29 يناير. وفي تحديث بتاريخ 9 فبراير، قال المعهد إن مدخلاً ثالثاً رُدم أيضاً بالتربة، ما يعني أن جميع مداخل مجمع الأنفاق أصبحت «مدفونة بالكامل».

صورة مركبة من القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر مداخل الأنفاق في مجمع أصفهان النووي (رويترز)

وأوضح المعهد في 9 فبراير أن «ردم مداخل الأنفاق من شأنه أن يُضعف أثر أي ضربة جوية محتملة، كما يجعل الوصول البري في عملية خاصة للسيطرة على أي يورانيوم عالي التخصيب قد يكون مخزناً في الداخل أو تدميره أمراً بالغ الصعوبة».

تحصين مداخل أنفاق قرب موقع نطنز

أفاد معهد العلوم والأمن الدولي بأن صور الأقمار الاصطناعية التي التقطت منذ 10 فبراير تشير إلى جهود مستمرة لـ«تقوية وتدعيم دفاعي» لمدخلين لمجمع أنفاق تحت جبل يبعد نحو كيلومترين (1.2 ميل) عن نطنز، الذي يضم منشأتين أخريين لتخصيب اليورانيوم.

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر الجهود الجارية لتقوية وتدعيم مدخلي نفقين في منشأة تقع في مجمع بالقرب من نطنز (رويترز)

وتُظهر الصور «نشاطاً متواصلاً في أنحاء المجمع يتعلق بهذه الجهود، يشمل حركة العديد من المركبات، بينها شاحنات قلاب وخلاطات إسمنت ومعدات ثقيلة أخرى»، وفق المعهد.

وأضاف أن خطط إيران للمنشأة، المعروفة باسم «جبل بيكاكس»، لا تزال غير واضحة.

قاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ

تقع هذه القاعدة على بُعد نحو 10 كيلومترات (6 أميال) جنوب شيراز، وهي واحدة من 25 قاعدة رئيسة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية متوسطة المدى، بحسب مركز «ألما» الإسرائيلي للأبحاث والتعليم. وقدّر المركز أن الموقع تعرض لأضرار طفيفة فوق سطح الأرض خلال حرب العام الماضي.

صورة مركبة من القمر الاصطناعي بلانت لبز تظهر قاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ (رويترز)

وقال غودهيند إن مقارنة بين صور التُقطت في 3 يوليو (تموز) 2025 و30 يناير تُظهر أعمال إعادة إعمار وإزالة أضرار في المجمع اللوجستي الرئيس، والمجمع الذي يُحتمل أن يكون مقراً للقيادة في القاعدة.

وأضاف: «النقطة الأساسية هي أن المجمع لم يستعد بعد كامل قدرته التشغيلية التي كان عليها قبل الغارات الجوية».

قاعدة صواريخ قم

تقع هذه القاعدة على بُعد نحو 40 كيلومتراً شمال مدينة قم، وقد تعرضت لأضرار متوسطة فوق سطح الأرض، بحسب مركز «ألما».

وتُظهر مقارنة صور التُقطت بين 16 يوليو الماضي و1 فبراير سقفاً جديداً فوق مبنى متضرر. وقال غودهيند إن إصلاحات السقف بدأت على الأرجح في 17 نوفمبر، ومن المرجح أنها اكتملت بعد نحو عشرة أيام.


مفاوضات إيران على حافة الخيار الصعب

فنيون يجرون فحوصات وقائية لطائرة التزود بالوقود جواً «بوينغ كيه سي -135» في قاعدة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
فنيون يجرون فحوصات وقائية لطائرة التزود بالوقود جواً «بوينغ كيه سي -135» في قاعدة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

مفاوضات إيران على حافة الخيار الصعب

فنيون يجرون فحوصات وقائية لطائرة التزود بالوقود جواً «بوينغ كيه سي -135» في قاعدة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
فنيون يجرون فحوصات وقائية لطائرة التزود بالوقود جواً «بوينغ كيه سي -135» في قاعدة بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تحت عنوان «الأجواء الإيجابية» التي عكستها طهران عقب الجولة الثانية من محادثاتها مع واشنطن في جنيف، بدا المشهد في الساعات الأخيرة كأنه يسير على سكتين متوازيتين لا تلتقيان بسهولة؛ فالإيرانيون يتحدثون عن «تقدم» واستعداد لتقديم أوراق عمل مكتوبة تمهيداً لاتفاق محتمل، في حين خرج نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، ليؤكد أن طهران لم توافق بعد على تجاوز «الخطوط الحمر» التي وضعها الرئيس دونالد ترمب، ملمّحاً إلى أن الدبلوماسية قد تبلغ «نهايتها الطبيعية» إذا لم تتغير المعادلة.

ثم جاء تقرير لموقع «أكسيوس» ليضيف مزيداً من الزيت على نار التشاؤم، متحدثاً عن اقتراب الإدارة الأميركية من حرب واسعة النطاق مع إيران، لا مجرد ضربة محدودة، وفق ما نقل عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

وأشار التقرير إلى أن الحشد العسكري الأميركي يشمل حالياً حاملتي طائرات، ونحو اثنتي عشرة سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متعددة، فيما نُفذت أكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل أسلحة وذخائر إلى الشرق الأوسط. وخلال 24 ساعة فقط، وصلت 50 طائرة مقاتلة إضافية من طراز «إف-35» و«إف-22» و«إف-16» إلى المنطقة.

صورة نشرها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي من لقاءاته مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هامش المحادثات الإيرانية في جنيف

وبين هاتين الروايتين تتشكل منطقة رمادية: ليست انهياراً رسمياً للمفاوضات، ولا اختراقاً يضمن اتفاقاً قريباً. غير أن تصاعد الضغط العسكري، واتساع سلة المطالب الأميركية، وضيق هامش المناورة أمام طهران، تجعل «التفاؤل» الإيراني أقرب إلى إدارة الوقت منه إلى إعلان اقتراب تسوية.

أوراق عمل ومهلة أسبوعين

حسب ما رشح من جنيف، خرجت طهران من الجولة الثانية مركّزة على مفهومي «المبادئ التوجيهية» و«الأجواء البنّاءة»، في محاولة لتثبيت أن مسار التفاوض لم ينكسر بعد، وأن ثمة أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. في المقابل، تشير روايات متقاطعة إلى أن واشنطن تنتظر من إيران العودة خلال أسبوعين بمقترح «مفصل» أو «مكتوب» يجيب عن الأسئلة الجوهرية للاتفاق، بدلاً من الاكتفاء بعناوين عامة.

وقال مسؤول أميركي إن محادثات جنيف مع إيران «أحرزت تقدماً، لكن لا تزال هناك تفاصيل كثيرة بحاجة إلى مناقشة»، مضيفاً أن الجانب الإيراني أبلغ واشنطن بأنه سيعود خلال الأسبوعين المقبلين «بمقترحات مفصلة لمعالجة بعض الفجوات القائمة في مواقفنا».

وأوضح المسؤول أن إيران طرحت خلال المحادثات فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة محددة قد تتراوح بين عام وثلاثة أو خمسة أعوام، غير أن هذا الطرح «لا يلبّي بمفرده» مطلب الرئيس دونالد ترمب بإنهاء التخصيب بالكامل.

وأشار مسؤولون أميركيون مطلعون إلى أن الولايات المتحدة تدرس، في المقابل، إمكان رفع بعض العقوبات المالية والمصرفية والحظر المفروض على مبيعات النفط الإيراني، في حال قدّمت طهران خطة «مقنعة» تضمن رقابة كافية على برنامجها النووي وتتضمن حوافز اقتصادية مناسبة، وفقاً لشبكة «سي بي إس» الإخبارية.

وأكد مسؤول أميركي أن صياغة البيان الصادر عن البيت الأبيض تعكس أن «الكرة في ملعب طهران»، وأن على الإيرانيين تقديم خطة واضحة خلال 14 يوماً يمكن أن تحظى بقبول ترمب.

هذا التفصيل، مهلة الأسبوعين، ليس تقنياً، إنه ساعة رملية سياسية: إما أن تقدّم طهران صياغات قابلة للاختبار والتحقق، وإما تُتهم بأنها تستخدم المفاوضات لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات. ومع أن طهران تحاول فصل الملف النووي عن باقي الملفات الحساسة، فإن الإشارات الأميركية الأخيرة توحي بأن «الاتفاق الموعود» المطلوب في واشنطن لم يعد نووياً فقط، بل أوسع وأثقل كلفة.

الخطوط الحمر

تصريحات فانس جاءت لتؤطر الخلاف بلغة حادة: المحادثات «سارت جيداً في بعض النواحي»، لكنها كشفت في نواحٍ أخرى عن أن الإيرانيين «غير مستعدين للاعتراف بخطوط حمر» وضعها ترمب والعمل على تجاوزها. واللافت هنا ليس فقط مضمون الرسالة، بل ما تفتحه من باب لتفسير أن واشنطن تتهيأ مبكراً لاتهام طهران بالتعنت، تمهيداً لنقل الملف من طاولة التفاوض إلى خيارات أكثر قسوة.

هنا يذهب فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أبعد من ذلك، معتبراً في حديث مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات «وصلت عملياً إلى مأزق»، لأن الإدارة الأميركية، وفق تقديره، لا تضع الملف النووي وحده على الطاولة، بل ترفقه بقضايا أخرى «مثل قدرات الصواريخ البعيدة المدى، ودعم الوكلاء، والسلوك الداخلي العنيف»، وهي ملفات «يرفض النظام حتى الآن بحثها»، حسب قوله.

ووفق نديمي، فإن هذا الاتساع في الشروط يجعل احتمال الصفقة الشاملة ضعيفاً، وإن كان لا يستبعد «اتفاقاً مرحلياً في اللحظة الأخيرة» هدفه تأخير الانفجار لا منعه.

في المقابل، يحذر باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا»، من القفز سريعاً إلى إعلان الفشل. ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أنه «من المبكر جداً» اعتبار المفاوضات ميتة، لأن الطرفين تبادلا مسودات ويحاولان إيجاد طريقة «للنزول عن الشجرة» دون أن يظهر أيٌّ منهما وكأنه تراجع عن ثوابته.

لكن بارفي يلفت إلى عاملين قد يحددان المصير: أولاً، ما إذا كانت طهران ستعتبر التنازلات «وجودية» أم قابلة للتسوية؛ وثانياً، مزاج ترمب نفسه، إذ قد لا يملك الصبر على «تكتيكات المساومة البازارية» التي يتقنها الإيرانيون، أو قد لا يرغب أصلاً في منحها وقتاً أطول.

تفاوض أم ضغط يصنع حرباً؟

هنا يلتقي التحليل السياسي مع لغة القوة، حيث يتحدث تقرير «أكسيوس» عن مشهد تعبئة عسكرية متصاعدة: حاملتا طائرات، عشرات السفن، مئات الطائرات المقاتلة، وتعزيزات دفاع جوي، إلى جانب مئات رحلات الشحن العسكرية التي تنقل ذخائر وأنظمة إلى المنطقة، في صورة توحي بأن الإدارة لا تلوّح فقط، بل تبني خياراً عملياتياً متكاملاً.

وإذا كانت طهران ترى في هذا الحشد محاولةً لليّ الذراع داخل التفاوض، فإن فرزين نديمي يقرأه إشارة شبه حاسمة إلى أن واشنطن «تتحرك بسرعة نحو حملة عسكرية واسعة»، وأن زخمها «لن يتوقف» إلا إذا قدمت إيران تنازلات كبيرة ومن دون إضاعة وقت. هذا المنطق يعيد تعريف المفاوضات: ليست مساراً مستقلاً عن الحرب، بل جزءاً من ترتيباتها، ونافذة أخيرة قبل أن يُقال إن الدبلوماسية استنفدت أغراضها.

مقاتلات أميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال عمليات جوية في مياه الشرق الأوسط (سنتكوم)

في المقابل، ما يجعل خيار الحرب محفوفاً بالمخاطر ليس فقط كلفته، بل أيضاً «سياسة التوقعات» التي صنعها الحشد العسكري نفسه. فكلما ارتفع سقف التعبئة، صار التراجع أصعب، لأنه سيبدو وكأنه انكفاء تحت الضغط أو فشل في انتزاع تنازلات. وهنا تصبح مهلة «الأسبوعين» أكثر من موعد تقني، بل اختباراً للإرادة: هل تستطيع طهران تقديم ورقة مكتوبة تحمل تنازلات قابلة للترجمة؟ وهل يقبل ترمب أصلاً باتفاق «أقل من الحد الأقصى» إذا كان قد صعّد علناً سقف الخطوط الحمر؟

السيناريو الأقرب، وفق ما يظهر من تباين السرديات، هو استمرار التفاوض بوصفه مساراً «معلقاً» فوق فوهة التصعيد: جولات إضافية، ومسودات متبادلة، ووعود بالكتابة، لكن من دون عبور حقيقي للخطوط الفاصلة. وإذا لم يحدث ذلك العبور خلال النافذة الزمنية المعلنة، فستزداد قوة رواية «نهاية الدبلوماسية» التي لمح إليها فانس، وسيزداد معها خطر انتقال الملف من تفاوضٍ تحت الضغط إلى ضغطٍ يصنع الحرب.


تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)
صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)
TT

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)
صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

وافقت «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» بالبرلمان التركي بالأغلبية على تقرير مشترك للأحزاب، يتضمّن الإطار القانوني لـ«عملية السلام» مع الأكراد، بالتوازي مع نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» بعد مناقشات استمرت على مدى أكثر من 6 أشهر.

وحصل التقرير على تأييد 47 من أعضاء اللجنة البرلمانية مقابل رفض عضوين؛ هما نائبان من حزبي «العمل» و«العمال التركي»، وامتناع واحد فقط هي نائبة من حزب «الشعب الجمهوري» أكبر أحزاب المعارضة، عن التصويت.

وتشكّلت اللجنة في 5 أغسطس (آب) 2025 لوضع الإطار القانوني لنزع أسلحة «العمال الكردستاني»، الذي أعلن حلّ نفسه، وإلقاء أسلحته في 12 مايو (أيار) الماضي استجابة لنداء «السلام والمجتمع الديمقراطي» الذي أطلقه زعيمه السجين في تركيا منذ 27 عاماً عبد الله أوجلان في 27 فبراير (شباط) 2025.

مسيرة في مدينة ستراسبورغ الفرنسية في 14 فبراير لأكراد قدموا من أنحاء أوروبا للمطالبة بالإفراج عن أوجلان في ذكرى مرور 27 عاماً على اعتقاله (أ.ف.ب)

وجاء نداء أوجلان بناءً على مبادرة أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية» شريك حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، تحت عنوان «تركيا خالية من الإرهاب» في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، والتي وعد فيها بضمان «الحق في الأمل» لأوجلان (أي إمكانية الإفراج المشروط عنه) مقابل دعوته لحلّ الحزب.

تعديلات قانونية ودستور جديد

ووصف رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، التقرير المشترك بأنه «ليس عفواً عاماً».

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش متحدّثاً في افتتاح جلسة التصويت على التقرير الخاص بعملية السلام ونزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» (حساب البرلمان في إكس)

وقال كورتولموش، في كلمة خلال افتتاح أعمال جلسة التصويت على التقرير: «نمُرّ اليوم بمرحلة تاريخية في قضية الإرهاب، وقد اضطلع البرلمان بواجبه دون تردّد. اللوائح الواردة في التقرير، والناتجة عن الدراسات، تظهر الحاجة إلى دستور شامل، وأن هذا الدستور هو مسؤولية مشتركة للجميع».

وتضمّن التقرير، المؤلف من 60 صفحة مُوزّعة على 7 أقسام رئيسة وملاحق، «مقترحات التنظيم القانوني» و«الديمقراطية» لكنه خلا من عبارة «القضية الكردية»، ولم يذكر صراحة عبارة «الحق في الأمل»، وإن كان تضمّن تعريفاً ضمنياً له، يقوم على تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية في تركيا.

واقترح التقرير، الذي اطّلعت عليه «الشرق الأوسط»، وضع قانون انتقالي مؤقت خاص بـ«عملية تركيا خالية من الإرهاب» (في إشارة إلى عملية السلام) يُناقَش بالتزامن مع عملية نزع أسلحة «المنظمة الإرهابية» (العمال الكردستاني). ويهدف القانون إلى «تعزيز أسس العمل السياسي الديمقراطي، وإعادة دمج الأفراد الرافضين للأسلحة والعنف في المجتمع، وإعداد لوائح لتفسيره تستند إلى أحكام قانون العقوبات، ولا تُوحي، بأي شكل من أشكال، بالإفلات من العقاب، أو العفو».

اقترح التقرير البرلماني ترتيبات قانونية تسمح بإعادة اندماج من يلقون أسلحتهم من عناصر «العمال الكردستاني» في المجتمع (رويترز)

واقترح التقرير مراجعة التشريعات الجنائية على أساس يُعطي الأولوية للعدالة في التنفيذ، في ضوء اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الدستورية التركية، والاتفاقيات الدولية التي تُعدّ تركيا طرفاً فيهاً. وعلى وجه الخصوص، شروط الإفراج المشروط، ومُدد الأحكام، والاحتجاز، والحبس الاحتياطي، وتقييم آلية تأجيل الأحكام، مع مراعاة أن الحقّ في الحياة له الأولوية على جميع الحقوق الأخرى للمحكومين المرضى، وكبار السن.

تعزيز الديمقراطية

وفيما يتعلّق بفرض الوصاية على البلديات، أوصى التقرير بتعديل التشريعات لضمان إجراء الانتخابات من قِبل مجالس البلديات حصراً في حال عزل رئيس البلدية المنتخب لأسباب منصوص عليها في القانون، ما يعني إنهاء نظام تعيين الأوصياء من قبل الحكومة الساري به العمل حالياً.

وطالب التقرير بمراجعة التشريعات بهدف إزالة العقبات التي تحول دون الممارسة الكاملة والشاملة للحقوق، والحريات الأساسية، ومراجعة قانون الاجتماعات، والمظاهرات بما يُوسّع نطاق الحقوق، والحريات، مع الحفاظ على جوهرها، ومراجعة قوانين الصحافة، والإذاعة لضمان حماية جميع أشكال النقد، والاعتراض، والمطالب ضمن الأطر القانونية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الحياة الديمقراطية.

جانب من اجتماع اللجنة البرلمانية للتصويت على التقرير المشترك حول الإطار القانوني لنزع أسلحة «العمال الكردستاني» (البرلمان التركي - إكس)

وتضمّن التقرير اقتراحات بشأن إعادة هيكلة المؤسسة التركية لحقوق الإنسان، والمساواة، لتعزيز فاعليتها، ومراجعة قانوني العقوبات، ومكافحة الإرهاب، والتشريعات ذات الصلة، لتعزيز حرية التعبير في إطار مبدأ اليقين القانوني.

كما اقترح صياغة قانون للأحزاب السياسية، وقوانين انتخابية جديدة، وقانون لأخلاقيات العمل السياسي، بما يتماشى مع مبادئ الشفافية، والمشاركة الديمقراطية، والديمقراطية داخل الأحزاب، والتعددية، والعدالة في التمثيل.

واعترض نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، خلال جلسة التصويت، على إغفال التقرير عبارة «القضية الكردية» وتعريفه للمشكلة بأنها «قضية إرهاب»، وكذلك على عبارات «تركيا بلا إرهاب» (في إشارة إلى عملية السلام والمجتمع الديمقراطي) و«منظمة إرهابية» في إشارة إلى حزب «العمال الكردستاني».

أوجلان والاندماج الديمقراطي

وبالتزامن مع انعقاد جلسة اللجنة البرلمانية، أصدر حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» بياناً حول لقاء وفده، المعروف بـ«وفد إيمرالي»، الاثنين الماضي مع أوجلان، والذي استمر نحو 4 ساعات في سجن إيمرالي شديد الحراسة في غرب تركيا.

وبحسب البيان، الذي نشره الحزب عبر حسابه في «إكس»، عبّر أوجلان عن ارتياحه لسير عملية السلام، قائلاً إن العملية التي خُضناها أثبتت قدرتنا وقوتنا على التفاوض، ما مكّننا من الانتقال من سياسة العنف والانقسام إلى سياسة «الاندماج الديمقراطي».

وأكّد ضرورة أن يتوافق تقرير اللجنة البرلمانية مع الحقائق الاجتماعية الأساسية، مُوضّحاً أن «السياسة التي تُعالج الأمر بمنطق (القضاء على الإرهاب) لا تُمثّل حلاً، بل تعد تعنّتاً، وأن العملية الجارية الآن هي عملية إنهاء الإنكار، والتمرّد، ونريد الآن مناقشة كيفية التوحد، والعيش معاً في سلام».

وقال أوجلان إن اختزال القضية في بعض التعديلات في القانون الجنائي سيكون خطأً، وإن المبادئ الجوهرية للاندماج الديمقراطي موجودة في إعلان 27 فبراير 2025.

أوجلان أطلق نداء لحل حزب «العمال الكردستاني» في 27 فبراير 2025 (إ.ب.أ)

وعن النقاشات الدائرة حول تعريف المواطنة، قال أوجلان إنها تُعبّر عن الرابطة القائمة مع الدولة بغضّ النظر عن العرق، أو اللغة، أو المعتقد، أو النظام الفكري، و«أُفضّل استخدام مصطلح (المواطن الحر)، لأن (المواطنة الحرة) أوسع، وسيتم ذلك ضمن الحدود الديمقراطية، وبطريقة تُعطي الأولوية لسلامة الدولة».

وحسب البيان، قال أوجلان: «لقضيتنا بُعد أمني، ولكن لها أيضاً بُعد سياسي أوسع، ولأننا سننخرط في العمل السياسي نبذنا السلاح، والعنف، وسنخوض حملة سياسية ديمقراطية بكل معنى الكلمة».

وفيما يتعلق بقضية «الوحدة الكردية»، قال أوجلان إن «مقترحي للعلاقة بين الأكراد أنفسهم وبين الأكراد المتفرقين هو (الوحدة الديمقراطية)، هذه ليست دولة منفصلة، ​​بل مبدأ شامل للحكم الديمقراطي».