مرشحا الرئاسة المصرية يركزان على التكامل الإقليمي والحلول الاقتصادية العاجلة

السيسي يعد الأمن القومي العربي وحدة واحدة.. وصباحي ينشد الشراكة

مصري يشاهد حوارا تلفزيونيا للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في أحد مقاهي وسط القاهرة ليلة أول من أمس (أ.ب)
مصري يشاهد حوارا تلفزيونيا للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في أحد مقاهي وسط القاهرة ليلة أول من أمس (أ.ب)
TT

مرشحا الرئاسة المصرية يركزان على التكامل الإقليمي والحلول الاقتصادية العاجلة

مصري يشاهد حوارا تلفزيونيا للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في أحد مقاهي وسط القاهرة ليلة أول من أمس (أ.ب)
مصري يشاهد حوارا تلفزيونيا للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في أحد مقاهي وسط القاهرة ليلة أول من أمس (أ.ب)

استعرض مرشحا الرئاسة المصرية؛ قائد الجيش السابق المشير عبد الفتاح السيسي، وزعيم «التيار الشعبي» حمدين صباحي، على مدار الأيام القليلة الماضية أبرز ملامح برنامجيهما للرئاسة، وأظهرت مقارنة بين البرنامجين توافقا حول مسألتين أساسيتين، ارتكزتا حول أهمية دور الأمن القومي الإقليمي، والبحث عن حلول عاجلة لمعالجة المشكلات الاقتصادية الداخلية.
وأشار مراقبون إلى أن رؤية المرشحين، في إعلاء شأن هذين الملفين، تتوافق إلى حد كبير مع أولويات مصر خلال الفترة المقبلة، وخاصة عقب فترة من الاضطراب شهدتها البلاد منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011 نتيجة خلافات حادة بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية حول التوجهات الأساسية الواجب اتباعها للنهوض بالدولة.
والتقى المشير السيسي رؤساء تحرير الصحف المصرية أمس، ونقلت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» عنه قوله إن «الأمن القومي العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وإن الجيش المصري على أهبة الاستعداد للتدخل لصالح الأمن القومي في الخليج العربي وفي جميع أنحاء الوطن العربي لو تعرض الأمن القومي للخطر، لكن بعد الحصول على موافقة الشعب المصري». كما أكد أنه يعتزم زيارة السعودية في أولى محطاته الخارجية حال فوزه في الانتخابات، التي تقام يومي 26 و27 من الشهر الحالي.
فيما واصل صباحي جولاته الميدانية أمس بعقد مؤتمر جماهيري في محافظة القليوبية، أكد فيه أن المنافسة (مع السيسي) لن تكون مستحيلة، كما يدعي البعض بأن النتيجة محسومة لصالح وزير الدفاع السابق، مشيرا إلى أنه سيعمل على حماية الفقراء وأنه سيستغني عن المعونة الأميركية الاقتصادية التي تقدم لمصر. كما أكد أن «ﻣﺼر هي قلب الأمة العربية وإﺧوﺍﻧﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﺩﻋﻤوﻧﺎ.. ﻭعلاقاتنا يجب ﺃﻥ ﺗﻘوﻡ على ﺷراكة ﻣﻊ ﺩﻭﻝ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ في الأمن ﻭﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ».
وقال الدكتور علي السلمي، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن «المشير يدرك أهمية التعاون العربي في المرحة الراهنة ويضعه على أولوية برنامجه الانتخابي»، مشيرا إلى أن «تعاون الدول العربية الشقيقة مع مصر مقصود به في الأساس القضاء على الإرهاب وأفكاره التي باتت منتشرة في المنطقة؛ وليس فقط الدعم المالي، وهو ما تدركه أيضا الدول الخليجية».
وأشاد السيسي بدول الخليج والدعم الذي قدمته لمصر، مؤكدا أن الأمن القومي المصري دائما ما كان مرتبطا بأمن الخليج والأمن القومي العربي والعكس بالعكس. ولفت وزير الدفاع السابق إلى أن «الجيش المصري يمتلك الآن قوة تدخل سريع على درجة عالية من الكفاءة تجعله قادرا على التدخل عند تعرض البلاد للخطر داخل حدود الوطن وخارجه». وأضاف أن «هذه القوة قادرة على التحرك على الفور وبكفاءة عالية عندما يتعرض الأمن القومي المصري لخطر، لكن هذه القوة ليست بديلا عن الشرطة، لأن عمل الشرطة داخل أراضي الوطن، لكننا أنشأنا هذه القوة في ضوء ما حدث من تهديد للأمن القومي المصري بعد 25 يناير، لا سيما في مواجهة الإرهاب بسيناء».
وأضاف المرشح الرئاسي أن «هذه القوة تستطيع التدخل في الشرق والغرب والشمال والجنوب ثم خارج حدود الوطن»، مشيرا إلى أن هذه القوة شبيهة بقوة التدخل السريع التي تمتلكها الدولتان العظميان الولايات المتحدة وروسيا، وكذلك الاتحاد الأوروبي، ولكن بقوة أقل في الكفاءة. وأوضح السيسي أن قوة التدخل السريع المصرية لديها معايير للتدخل تقوم على أن يكون هناك حدود لاستخدام القوة، فهي لا تستخدم دبابة على سبيل المثال في مواجهة فرد، مؤكدا أن الجيش المصري هو جيش لحماية الأمن القومي المصري والعربي.
وكان السيسي قد ذكر في حوار تلفزيوني أجراه مساء أول من أمس أن مساعدات الدول الخليجية لبلاده التي تعاني الكثير من المشاكل الاقتصادية بلغت أكثر من 20 مليار دولار خلال الفترة ما بعد 30 يونيو الماضي. وأضاف: «ما قدم لمصر كثير، وما سيقدم لمصر مهم وقد يكون كثيرا.. أنا واثق».
وتقدم السيسي بالشكر للعاهل السعودي والأشقاء السعوديين، مضيفا: «حفظ الله بلادكم»، وكشف عن أن «أولى زياراته الخارجية ستكون للمملكة العربية السعودية». كما وجه التحية والتقدير «لأشقائنا بالإمارات على دعمهم ومساندتهم»، وقال لهم إن «الشيخ زايد لم يمت»، وأكد السيسي أن «المصريين لن ينسوا من وقف إلى جانبهم ومن وقف ضدهم»، موجها حديثه لقطر، حيث قال: «لا تخسروا الشعب المصري أكثر من ذلك».
وأضاف قائد الجيش السابق: «أحترم وأقدر كل المواثيق والمعاهدات الدولية بما فيهم معاهدة السلام»، وعن تركيا قال: «تركيا هي من تغلق الباب لسلوكها تجاه مصر، وأحمل للشعب الجزائري كل احترام وتقدير». وقال السيسي: «إننا تواجهنا تحديات في كل قطاعات الدولة المصرية»، مشيرا إلى أن حجم الديون يصل إلى 1.7 تريليون جنيه ولا ينبغي أن يورث للأجيال المقبلة. وأضاف خلال حواره التلفزيوني أن «لدينا الإصرار والعزيمة لمواجهة التحديات، ولا بد من العمل حتى يعيش الجميع في وضع أفضل»، مشيرا إلى ميزانية البلاد، وأنه يجري سداد 200 مليار جنيه لخدمة الدين، و200 مليار جنيه للدعم، و208 مليارات جنيه للأجور؛ وفقا للموازنة.
وبالنسبة لبرنامجه الانتخابي، قال السيسي «برنامجي قائم على استراتيجية تتكون من عدة محاور متوازية»، موضحا أنه يمكن زيادة الظهير الصحراوي لكل محافظة مما يوفر ما بين 50 إلى 100 ألف فدان في كل محافظة؛ وتابع: «أستهدف استصلاح أربعة ملايين فدان، ونمتلك التربة الصالحة والمياه اللازمة للاستصلاح»، لافتا إلى أن برنامجه الانتخابي يتضمن 22 مدينة صناعية و26 مدينة ومركزا سياحيا وثمانية مطارات.
وأكد السيسي أن هناك برنامجا حقيقيا لتوفير الطاقة وسيجري تطبيقه بالقانون، مشيرا إلى أنه يحتاج دعم المصريين للآليات التي سوف يعمل عليها لحل مشكلة الطاقة، ولفت المشير إلى أن المؤسسة العسكرية استطاعت أن تحافظ على قيمها الأدبية والمعنوية في ظل انهيار الوضع الراهن بالبلاد على مدار سنوات طويلة، مؤكدا أنه لا عودة إلى ما قبل 25 يناير وما قبل 30 يونيو. وعن وجود تنظيم الإخوان في مصر، قال السيسي: «لن أسمح بوجود مكتب الإرشاد في ولايتي»، وأكد أن المجتمع الدولي متضامن مع الموقف المصري في مواجهة الإرهاب، وعلى الغرب أن ينتبه.
وعن رؤية الإدارة الأميركية للوضع في مصر، قال إن «الإدارة الأميركية كانت لديها رؤية للمشهد المصري.. والقانون الأميركي يلزمها بالتعامل مع الواقع»، وتابع: «سنتعامل مع الجميع من أجل مصلحة مصر، وأتصور أن الجميع يعلم مدى وطنيتي».
من جانبه، قال الدكتور علي السلمي، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن «المشير يدرك أهمية التعاون العربي في المرحة الراهنة ويضعه على أولوية برنامجه الانتخابي»، مشيرا إلى أن «تعاون الدول العربية الشقيقة مع مصر مقصود به في الأساس القضاء على الإرهاب وأفكاره التي باتت منتشرة في المنطقة وليس فقط الدعم المالي، وهو ما تدركه أيضا الدول الخليجية». وأضاف السلمي أنه «تبين للجميع أن السيسي يتكلم عبر دراسة ورؤية واضحة لمشاكل مصر والمنطقة، كما أننا أمام شخص يتمتع بقدرة على حسم الأمور والتميز بين المهم والأهم، ويطرح حلولا واضحة ومدروسة نابعة من خبراء ومختصين». وعن دور الجيش في حال فوز السيسي بالمنصب، قال السلمي إن «السيسي ينظر إلى الجيش باعتباره مؤسسة وطنية، في إطار دولة مؤسسات نظامية، يشارك مثل غيره في تحمل المسؤولية للبحث عن حلول عملية قابلة للتنفيذ في كل المجالات».
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي الدكتور زهدي الشامي، نائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «برنامج السيسي يعاني غياب وجود خطة بإجراءات عاجلة على المدى المباشر والقصير للتخفيف من المشكلات الحادة؛ كالفقر أو البطالة. فهناك أماني كثيرة جدا، لكنها مؤجلة التحقق»، مضيفا أن «كل الأماني تتعلق بالأساس، ليس بإصلاح الخلل الداخلي، بل بتدفقات خارجية من مصدرين أساسيين، هما المصريون في الخارج ودول الخليج».
ورحبت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بمواقف السيسي بخصوص الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة والقضايا العربية، خصوصا عندما ربط بين السلام الحقيقي والشامل في المنطقة وقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وقال المتحدث باسم حركة فتح، أحمد عساف، في بيان صدر أمس، إن «هذه المواقف تعبير عن عمق الانتماء القومي للمشير السيسي، الذي وصفه الرئيس محمود عباس بأنه قائد وطني وقومي».
ومن جهتها، أعلنت «حركة شباب 6 أبريل» - الجبهة الديمقراطية، أنها ضد ترشح السيسي، ودعت أعضاءها للاختيار بين دعم صباحي أو المقاطعة. وقالت إنه بعد استطلاع آراء الحركة بشأن الانتخابات «ظهر جليا أنهم ضد السيسي، فمنهم من أيد صباحي ومنهم من يرى مقاطعة الانتخابات، ولذا تعلن أن الحرية لأعضائها في اختيار موقفهم من انتخابات الرئاسة».
من جهة أخرى، ﻗﺎﻝ المرشح المنافس ﺻﺒﺎﺣﻲ، ﺇﻧﻪ ﺗرﺷﺢ ﻣﻦ أجل الفقراء وأنه لولا ﺗﻔﺸﻲ ﺍﻟﻔﻘر ﻓﻲ ﻣﺼﺮ، ﻣﺎ ﺗﻘدم ﻟﺤﻤل هذه المسؤولية التي وصفها بالكبيرة، مؤكدا أنه يجد ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﺍﻟﻘدرة على الحكم. وعلى خطى السيسي، قال صباحي: «ﺇﻧﻪ ﻻ ﻭجوﺩ ﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻹﺧوان ﺃﻭ ﺍلأحزاب الدينية ﺣﺎﻝ فوزه بالرئاسة»، مشيرا إلى أن «الدستور ﻳﻤﻨﻊ الأحزاب الدينية».
ﻭجدد ﺻﺒﺎﺣﻲ في تصريحاته أمس ﺘﺄﻛﻴده ﺃﻧﻪ ﻭﺣﻤﻠﺘﻪ ﺍﻻنتخابية يؤمنون بأن 25 يناير ثورة، ﻭ30 يونيو موجة لاستكمالها، مشيرا إلى أنه مع أهداف الثورة، موضحا أن المصريين اكتشفوا بعد تضحيات الشهداء ﺃﻥ النظام القديم ﻻ يزال يحكم، ﻭﻗﺎﻝ: «من حق المصريين بعد ثورتين أن تتحقق مطالبهم، ﻭﻧﺤﺘﺎﺝ لدولة ناجحة مكان الدولة الفاشلة». وأكد ﺻﺒﺎﺣﻲ ﺃﻥ الشعب هو الضامن لتنفيذ وعوده، لأنه لن يقبل برئيس يعيد سياسات الفساد والاستبداد.
وبشأن السياسات الخارجية، ﻗﺎﻝ ﺻﺒﺎﺣﻲ: «مصر هي قلب الأمة العربية وإخواننا في الخليج دعمونا، لكنهم كانوا يدافعون عن أمنهم أيضا، وعلاقاتنا يجب أن تقوم على شراكة مع دول الخليج في الأمن ﻭﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ، مما يجعل هناك تكافؤا ﻣﻊ هذه الدول، ﻭﻧﺤﺘﺎﺝ لنموذج قريب ﻟﻤﺎ قدمته ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ ﻣﻦ وحدة ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻘﻼﻝ لكل دولة، ﻭسنحافظ على العلاقات ﻣﻊ أميركا؛ لكننا لسنا متزوجين بأحد ﻭﻋﺼﻤﺘﻨﺎ ﻓﻲ أيدينا ولن نكون تابعين ﻭلن نقبل المعونة الأميركية الاقتصادية، ﻓﻠﺴﻨﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻬﺎ».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.