قيادات «داعش» استغلت «البعد العقدي» في سوريا.. ومعظمهم يجهل علوم الشريعة

استعانت ببعض طلبة العلوم الشرعية لإيجاد المبررات لخطاب التنظيم الإرهابي

قيادات «داعش» استغلت «البعد العقدي» في سوريا.. ومعظمهم يجهل علوم الشريعة
TT

قيادات «داعش» استغلت «البعد العقدي» في سوريا.. ومعظمهم يجهل علوم الشريعة

قيادات «داعش» استغلت «البعد العقدي» في سوريا.. ومعظمهم يجهل علوم الشريعة

زاد ارتفاع عدد «الجهاديين» الذين شدوا الرحال من بلدان خليجية وأوروبية نحو سوريا من حدة القلق والانشغال لدى المسؤولين الامنيين في الدول العربية والاوروبية، فيما اوضحت مصادر فرنسية ان عدد المجندين من الشباب الفرنسي والذي يوجد حاليا في مسرح المواجهات يصل سبعة مئة وهو رقم يذهل مسؤولي العدل والمخابرات الذين تفيد معلوماتهم وجود 285 عنصر، فيما كشفت مصادر للاسلاميين في لندن انه من ضمن ثماني آلاف الى عشر آلاف من المقاتلين في سوريا، فان الثلثين ينحدرون من السعودية وليبيا وتونس، اتجهوا نحو دمشق منتصف سنة 2012، لكن عدد المجندين من تلك المناطق تراجع خلال الستة اشهر الاخيرة لفائدة الجهاديين الأوروبيين خاصة بعد الهجمة الكيماوية التي أودت بحياة 1400 شخص.
وكانت السعودية أقرت قانونًا يمنع على السعوديين الخروج من المملكة للمشاركة في أعمال قتالية، مهما كان نوعها، وذلك في إطار سياستها في محاربة الارهاب والتشدد الاسلامي. واستهدفت هذه الخطوة في الدرجة الأولى جهاديين يتولون تجنيد الشباب السعوديين للقتال في سوريا، خصوصاً في صفوف «جبهة النصرة» وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام «داعش»، وهما التنظيمان اللذان صنفتهما السعودية بين المنظمات الارهابية. كما تحاول السعودية، ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، تمتين التعاون في ما بينها، من أجل إنشاء شبكة أمنية متكاملة، قوامها إجراءات وقوانين وتدابير ميدانية، تمنع تسرب الارهاب إلى الخليج.
وكشفت مصادر مطلعة لـ»الشرق الأوسط» أن عددا من السعوديين انضموا إلى تنظيم «داعش» الذي تزعم أنها تقاتل نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك من مناطق الصراعات في خارج السعودية، إذ جرى التغرير بهم سابقاً، والتحقوا في معسكرات تابعة للتنظيم الأم في أفغانستان.
وقالت المصادر أنه جرى رصد سعوديين في سوريا، التحقوا سابقاً إلى صفوف «القاعدة»، وكانوا يتنقلون بين المثلث الباكستاني-الأفغاني-الإيراني، واتضح في ما بعد مشاركتهم في القتال إلى جانب تنظيم (داعش)، وذلك بناء على بعض التحقيقات التي أجريت مع من بادر بتسليم نفسه إلى السلطات السعودية. وأضافت: «لا يمكن حصر أعداد السعوديين في سوريا، وذلك بسبب تنقل بعضهم من مناطق القتال في أفغانستان وإيران وباكستان إلى داعش أو جبهة النصرة». وكان المطلوب في إحدى قوائم المطلوبين في السعودية ماجد الماجد تسلل الحدود السعودية – اليمنية، وغادرها إلى باكستان، ثم التحق بكتائب عبدالله عزام تحت قيادة السعودي صالح القرعاوي (سلم نفسه إلى السعودية بعد إصابته بعاهة مستديمة)، وتدرب في مناطق إيرانية على القتال، ثم إنتقل إلى سوريا خصوصا وأنه تولى قيادة الكتائب بعد إصابة زميله القرعاوي، والتحق حين وصوله إلى هناك مع جبهة النصرة، وتوفي متأثراً بمرضه في لبنان بعد القبض عليه، فيما قتل المطلوب في قائمة الـ85 عبدالمحسن الشارخ باللاذقية في مارس (آذار) الماضي، وذلك بعد أن مكث فترة طويلة إلى جانب صفوف كتائب عبدالله عزام في وزيرستان.
وأشارت المصادر إلى أن هناك عدد ممن إلتحقوا في سوريا، راحوا ضحية خداع من قبل مجرمين، وصفتهم المصادر بأنهم «خلايا نائمة سيتم إستئصالهم عبر العمليات الإستباقية التي تنفذها أجهزة الأمن السعودية منذ إندلاع ظاهر الإرهاب بالسعودية في عام 2003»، إذ يصل المغرر بهم إلى تركيا، بكل سهولة نتيجة سلامة وضعه الأمني عبر أي مطار دولي في السعودية، ويحمل معه رقم الهاتف المحمول لأحد المهربين من الجنسية السورية الذي يعمل على مساعدته في إيصاله إلى الجماعات المقاتلة في (داعش) مقابل 150 دولار على الشخص الواحد، وحين وصوله يجري إستقباله من قبل قائد الكتيبة أو الجناح العسكري المسؤول عن المنطقة الذي يتحفظ على جواز السفر وجهاز الهاتف الذي يحمله.
وأضافت: «معظم القيادين في داعش يجهلون العلم الشرعي، وبالتالي يتم الإستعانة ببعض طلبة العلوم الشرعية الذين يلتحقون إلى تنظيم دولة العراق والشام، ويكلفون بالتنقل بين الكتائب لعرض المبررات والاسانيد لخطاب داعش».
وأكدت المصادر أن عثمان آل نازح هو أحد السعوديين الذين ألتحقوا في داعش العام الماضي، وذلك بعد أن أطلق سراحه نتيجة تورطه في قضايا أمنية. ويحمل آل نازح شهادة الماجستير في قسم الشريعة من جامعة الملك خالد في منطقة عسير، ويتنقل بين الكتائب لتأيد السعوديين على المبادرة في المشاركة بالقتال ضد جبهة النصرة من جهة، ويحرض على حسابه في أحدى مواقع التواصل الإجتماعي، طلبة العلم الشرعي بالإنضمام إلى القتال في سوريا من جهة أخرى، وذلك نتيجة جهل المقاتلين من معظم الجنسيات بالعلم الشرعي.
ولفتت المصادر إلى أن آل نازح لم يخرج لوحده إلى ساحة القتال في سوريا، بل اصطحب معه شقيقه خالد وعدد من أبناء قريته إلى هناك، حيث جرى إستغلاله من قبل القيادين في داعش نتيجة ضعف شخصيته، وهو منفذ بناء على أوامرهم في التنظيم.
وذكرت المصادر أن الجهات الأمنية، أبلغت بعض مكاتب القضاة في المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض، إيقاف النظر في عدد من القضايا لمتورطين في خلايا الفئة الضالة، وذلك بعد هروبهم إلى مناطق القتال في سوريا، إذ جرى الإفراج عنهم بكفالة بناء على رأي القاضي، واستغلوا خروجهم من السجن من أجل الالتحاق مع الجماعات المسلحة هناك. وأضافت «القضاة في المحكمة الجزائية المتخصصة يستقبلون طلبات إطلاق السراح بكفالة من الموقوفين خلال المثّول في مجلس القاضي، إذ يجمع القضاة على الموافقة بالإفراج أو التريث من ذلك، وذلك بعدة اعتبارات، من بينها خطورته الأمنية، ومدى انضباطه داخل السجن، وموقفه من القضية نفسها، حيث يستغل بعض المتأثرين بالفكر المتطرف إلى التغرير بالمفرج عنه، وتقديم التسهيلات بالهروب إلى مناطق القتال».
وحول عودة التائبين بعد أن اتضحت لهم الرؤية الحقيقية في التنظيمات الإرهابية، قالت المصادر أن معظم العائدين كانوا عبر تركيا، حيث سهلت السفارة السعودية في تركيا إجراءات عودة الكثير من السعوديين، ومنحت البعض منهم تذكرة عبور نتيجة احتجاز جواز السفر من قبل القيادين في داعش، في المقابل الأعداد الذي استقبلتهم السفارة السعودية في بيروت كانت محدودة جداً.
وأكدت المصادر أن الجهات الأمنية في الرياض تستقبل العائدين في الرياض في مطار الملك خالد الدولي، بالتنسيق مع أسرهم، وتمنح لهم فرصة الإلتقاء بهم، ومن ثم يتم التحفظ عليه للتحقيق معه، حول تورطه في دخوله مناطق الصراع.
غير ان قيادات اصولية في بريطانيا فسرت لـ»الشرق الاوسط» اقبال الشباب الخليجي والسعودي على السفر الى سوريا، بسبب «البعد العقدي»، اي ان هؤلاء الاسلاميين الخليجيين يعدون ديار المسلمين واحدة ولا فرق بين مصر او السعودية او سوريا، عندا تتعرض احدها لعدوان، فيكون القتال من منظورهم «فرض عين».
يقول الدكتور هاني السباعي الاسلامي المصري مدير مركز المقريزي للدراسات في اتصال هاتفي اجرته معه «الشرق الاوسط» ان «الشباب الخليجي جميعهم يؤمن بالبعد العقدي، بالاضافة الى ان سوريا من جهة البعد المكاني هي الاقرب لشد الرحال اليها لنصرة اخوانهم في الدين هكذا يؤمن هؤلاء الشباب في ادبياتهم التي تربوا عليها منذ سنوات طويلة».. وكشف السباعي الى ان ابو خالد السوري الذي ارسله زعيم القاعدة أيمن الظواهري وهو مؤسس «احرار الشام» للصلح بين «داعش» و»جبهة النصرة « كان محتجزا مع ابو مصعب السوري في سجون النظام الرئيس السوري بشار الاسد، قبل ان يفرج عنه 2011، ويتوجه الى الشريط القبلي. وقال ان ابو خالد السوري، الذي «قتل لاحقا من عناصر داعش كان من ابرز قيادات القاعدة». وأبو خالد وهو من حلب أمضى فترة في العراق وأفغانستان مقربا من زعيم القاعدة الظواهري وسلفه أسامة بن لادن أرسل إلى سوريا لمحاولة إنهاء الحرب الضروس بين جبهة النصرة وتنظيم «داعش». وحمل مقاتلون إسلاميون منافسون تنظيم « داعش» المسؤولية عن مقتل السوري 2014 ، وبعد ذلك بيومين دعا زعيم جبهة النصرة مسلحي تنظيم الدولة إلى قبول تحكيم العلماء المسلمين خلال خمسة أيام لإنهاء الاقتتال فيما بينهما، أو مواجهة حرب ستؤدي إلى إبادتهم. وقد انتهت هذه المهلة بالفعل». وتطرق السباعي الى مقال بصحيفة الاندبندنت الاحد الماضي, التي نقلت مشاهد من شريط فيديو مثير للقشعريرة وضعته الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على الإنترنت، حيث يظهر مجموعة من الجهاديين الأجانب وهم يحرقون جوازات سفرهم للتأكيد على التزامهم الدائم بالجهاد». وفي عملية التخلص من الجوازات قام كل شخص بالإعلان عن ولائه للتنظيم , ولكن الخوف ليس مما يحدث الان , ولكن بعد عودة هؤلاء من اتون الحرب والقتال , مشبعين بخبرات قد تثير بالطبع قلق اجهزة الامن العربية والغربية, كما حدث من قبل في تفجيرات لندن 2005».
ويظهر في الشريط جهادي كندي وهو يلقي خطابا قصيرا بالإنجليزية قبل أن يتحول للعربية وجاء فيها ‘هي رسالة موجهة إلى كندا ولكل القوى الأميركية، «نحن قادمون «، فيما قال جهادي أردني :»نحن أحفاد أبو مصعب الزرقاوي ونحن قادمون «. وعلق مراسل الاندبندنت كوكبيرن على أصالة وحرفية فيلم الفيديو قائلا إنه مصنوع بطريقة جيدة وربما أنتج في مناطق شمال أو شرق سوريا. ويضيف قائلا إن هذا ‘يستحق النظر إليه وبهدوء مع الأخذ بعين الإعتبار أن هؤلاء ليسوا عصابة معزولة تختبئ في الصحراء أو مغاور الجبال، ف»داعش» اليوم تسيطر أو تستطيع العمل من داخل منطقة شاسعة تمتد ما بين الفرات والبحر المتوسط، ومن الحدود الأردنية إلى جنوب تركيا». ويقول كوكبيرن إن تهديدات كهذه وحرق الجوازات أثارت ذعرا لدى الاجهزة الامنية في كثير من البدان, وأن الجماعات القتالية بدأت تسيطر عليها الجماعات المرتبطة بالقاعدة أو المستنسخة عنها.
من جهته قال ياسر السري مدير «المرصد الاسلامي» وهو هيئة حقوقية بلندن تهتم باخبار الاصوليين حول العالم: «لا بد ان تفكر مثل هؤلاء الشباب حتى تقترب من السبب الذي دفعهم الى الذهاب الى هناك». واضاف السري لـ»الشرق الاوسط»:» ان الشباب يذهب الى هناك للفوز باحد الحسنيين، اما النصر او الشهادة، هذا ماتعلموه وحفظوه عن ظهر قلب».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.