لوبان وماكرون إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية

إجراءات أمنية مشددة في مكاتب الاقتراع... وفيون وهامون يدعوان لدعم مرشح الوسط

أنصار ماكرون يحتفلون بتأهله للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في باريس أمس (رويترز)
أنصار ماكرون يحتفلون بتأهله للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في باريس أمس (رويترز)
TT

لوبان وماكرون إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية

أنصار ماكرون يحتفلون بتأهله للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في باريس أمس (رويترز)
أنصار ماكرون يحتفلون بتأهله للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في باريس أمس (رويترز)

انتقل مرشح حركة «إلى الأمام»، إيمانويل ماكرون، ومرشحة الجبهة الوطنية، مارين لوبان، إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في حين يرجح المراقبون أن حظوظ الأول في الوصول إلى قصر الإليزيه كبيرة.
وقال مرشح تيار الوسط ماكرون أمس أمام أنصاره: «نطوي اليوم بوضوح صفحة من الحياة السياسية الفرنسية»، و«عبر الفرنسيون عن رغبتهم في التجديد»، مؤكدا سعيه إلى تحقيق «الوحدة». بينما قال مدير الحملة الانتخابية لزعيمة اليمين المتطرف إن تأهل مرشحة حزب الجبهة الوطنية لجولة الإعادة تحول الجولة الثانية إلى «استفتاء على العولمة». بينما دعا كل من مرشح «الجمهوريون» فرنسوا فيون، والحزب الاشتراكي بنوا هامون، إلى التصويت لصالح ماكرون في جولة الإعادة.
وجرت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، التي شهدت «ثورة» سياسية عنوانها «إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي»، وسط أجواء سيطرت عليها المخاوف الأمنية، وفي ظل حالة الطوارئ. ونجحت مارين لوبان في التأهل للدورة الثانية لتحذو حذو والدها جان ماري الذي نجح قبل 15 عاما في الوصول إلى الدورة الرئاسية الثانية. وكما حصل مع والدها، فإن من المرجح أن المنازلة ماكرون ــ لوبان ستكون لصالح الأول.
وللمرة الأولى، يغيب مرشحا القطبين السياسيين التقليديين، أي اليمين التقليدي واليسار الاشتراكي، عن الجولة الثانية. ووفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية، فإن ماكرون حصل على22.19% من الأصوات، فيما حصلت لوبان على 24.38%. أما مرشح اليمين التقليدي فرنسوا فيون، فقد أفادت تقديرات واستطلاعات رأي الخروج أنه يتوازى في نسبة أصواته مع مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون بنسبة 19.5 في المائة. وبدل الثنائية القطبية، تحولت فرنسا إلى صيغة رباعية ما سيشكل تحولا جذريا قياسا لما عرفته فرنسا طيلة خمسين عاما.
وفي ظل هذه النسب، فمن الواضح أن الفضائح قتلت فرص فيون بينما ميلانشون، رغم عدم تأهله للدورة الثانية، قد حقق اختراقا غير مسبوق وتحول إلى ركن من أركان المشهد السياسي بعد أن كان اليسار الراديكالي طرفا هامشيا. أما الحزب الاشتراكي، فقد انهار تماما وليس من المستبعد أن ينفجر من الداخل. وحصل مرشحه بونوا هامون على 6.5 في المائة، وسارع هامون إلى الدعوة للتصويت لصالح ماكرون.
ورغم المخاوف، فإن المشاركة كانت في معدلاتها العادية، أي نحو 80 في المائة. ومنذ أمس بدأت الاتصالات لمعرفة ما سيكون عليه موقف اليمين الكلاسيكي وموقف ميلانشون للدورة المقبلة.
ولم تردع التهديدات الأمنية الناخبين الفرنسيين من التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وكان واضحا من التضارب الجذري بين برامج المرشحين الأربعة الرئيسيين، أن شخصية الرئيس المقبل سيكون لها تأثير حاسم على مسار الأمور في فرنسا اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا، كما على علاقاتها الخارجية، أكان ذلك موضعها داخل أم خارج الاتحاد الأوروبي، ومصير العملة الأوروبية الموحدة، وتعاملها مع القوى الكبرى، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.
كذلك، فإن هوية الرئيس الجديد سيكون لها تأثير على مواقف فرنسا من أزمات العالم العربي والشرق الأوسط. ورأى الكثيرون أن النسبة الجيدة من الناخبين التي قامت بواجبها تشكل «ردا» على التهديدات وبرهانا على التمسك بقواعد الديمقراطية الفرنسية، وعلى رأسها حق الاقتراع.
وكان الرئيس فرنسوا هولاند قد اعتبر، عقب اقتراعه صباح أمس في مدينة تول وسط فرنسا، أن «أقوى رسالة» يستطيع الفرنسيون توجيهها تكمن في «إظهار أن الديمقراطية هي الأقوى». في حين رأى إيمانويل ماكرون، مرشح الوسط ووزير الاقتصاد السابق، في السياق عينه، أنه «من الضروري التوجه إلى صناديق الاقتراع في ظل الأوضاع التي نعرفها». وإذا كان من إجماع برز في فرنسا في الساعات الأخيرة، فقد تم حول الحاجة إلى الاقتراع بكثافة، وعدم الالتفات إلى التهديدات الأمنية.
وبالنظر إلى الأرقام التي نشرتها وزارة الداخلية تباعا، يبدو أن الفرنسيين قد سمعوا النصيحة وعملوا بموجبها. فحتى الساعة الخامسة عصرا، بلغت نسبة المقترعين 69.42 في المائة بتراجع طفيف عما كانت عليه في انتخابات عام 2012 في الفترة عينها «1 في المائة». وأشارت تقديرات إلى أن نسبة الامتناع عن التصويت كانت بحدود 20 في المائة، وهي نسبة متوسطة لا تشذ كثيرا عما حصل في السابق.
ومنذ انطلاق العملية الانتخابية، كان المرشحون الـ11 من أوائل المقترعين، كل في معقله. وبينما انتخب المرشح الاشتراكي في مدينة «تراب» التي هو نائب عنها، اقترع ماكرون في مدينة «لو توكيه» البورجوازية في الشمال، في حين انتخبت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان في مدينة «هينان بومون» العمالية شمالي باريس.
من جانبه، اقترع فرنسوا فيون، مرشح اليمين التقليدي في الدائرة السابعة، وهي إحدى الدوائر الأكثر بورجوازية في العاصمة من باريس التي يمثلها في البرلمان. مقابل ذلك، فإن مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلانشون اقترع في حي شعبي شرقي باريس.
كان الترقب طيلة يوم أمس سيد الموقف، ليس فقط لأن الانتخابات جرت على خلفية التهديدات الأمنية فقط، بل وخصوصا بسبب تعقيد المشهد السياسي. فبعكس كل ما عرفه الفرنسيون من انتخابات من هذا النوع منذ مجيء الجمهورية الخامسة، فقد توجهوا إلى صناديق الاقتراع وسط خلط كبير في الأوراق، وتوقع مفاجآت لجهة هوية المرشحين اللذين سيتأهلان للجولة الثانية التي ستجرى في السابع من مايو (أيار).
وبما أن قاعدة «الصمت الانتخابي» منعت منذ منتصف ليل الجمعة ــ السبت نشر نتائج استطلاعات الرأي، وبسبب تقارب حظوظ المرشحين الأربعة الأوائل «إيمانويل ماكرون، مرشح الوسط، مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، فرنسوا فيون، مرشح اليمين الكلاسيكي وجان لوك ميلانشون، مرشح اليسار المتشدد، فإن انعدام اليقين فتح الباب أمام كل الاحتمالات. وزاد من حالة الارتباك ضيق الوقت بعد عملية الشانزليزيه الإرهابية، ما لم يسمح للمحللين بتقييم تداعيات وانعكاساتها على توجهات الناخبين.
ولخص مصدر أمني الأجواء التي أحاطت أمس بالجولة الأولى التي جرت في ظل حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بالقول: «إنها الساعات الـ12 الأطول في تاريخ الانتخابات الفرنسية». وتركز هم السلطات على تلافي أي حادث يمكن أن يعكر مجراها.
وقبيل فتح أبواب مكاتب الاقتراع الثامنة صباحا، قال وزير الداخلية ماتياس فيكيل إن «جهوزية الوزارة والأجهزة الأمنية تامة». وتوجه فيكيل إلى رجال الأمن برسالة مقتضبة اعتبر فيها أنهم يشكلون «سياج الديمقراطية». وقامت وزارته بتعبئة خمسين ألف رجل من الشرطة والدرك، انضم إليهم 7 آلاف عسكري، إضافة إلى الجهود التي قامت بها البلديات من خلال تعبئة الشرطة البلدية. وبعضها ذهب أبعد من ذلك، فاستعان بالمكاتب الأمنية الخاصة من أجل السهر على راحة الناخبين في المكاتب التي تشهد حشدا واسعا كما في باريس مثلا التي لها أكبر عدد من مكاتب الاقتراع بـ593 مكتبا.
من جانبه، أعلن وزير العدل جان جاك أورفواس أن «توفير الأمن للفرنسيين عمل جماعي ويخص الوزارات السيادية كافة؛ ولذا فإنه يتم تقاسم المعلومات المتوافرة بين الأجهزة»، مضيفا أن ثمة «تنسيقا كبيرا بين جهود الأطراف». ويبلغ عدد مكاتب الاقتراع على كل الأراضي الفرنسية 67 ألف مكتب؛ الأمر الذي حفز وزارة الداخلية إلى تفضيل قيام رجال الأمن بدوريات تفقد وحراسة على وضع حواجز ثابتة أمام المكاتب.
بموازاة ذلك، تم تشكيل وحدات للتدخل السريع لدى بروز أي تهديد. أما داخل المكاتب، فإن القانون الفرنسي يمنع وجود رجال الشرطة المسلحين. وبحسب فريدريك بشنار، المدير السابق لجهاز الشرطة الفرنسية، فإن العناصر المتوافرة، رغم التعبئة الكبرى التي قامت بها وزارة الداخلية، لا تكفي لتوفير حراسة ثابتة لمكاتب الاقتراع كافة. من هنا خيار الدوريات المتنقلة، التي تطمئن الناخبين وتسهر على سلامة العملية الانتخابية.
ويرى ألان بوير، وهو خبير أمني، أن الخلية الإرهابية التي أوقفت الأسبوع الماضي في مرسيليا كانت الأخطر، مضيفا أنه بالنظر إلى ما عثر في شقة الرجلين من أسلحة يفيد بأنهما «كانا ينويان القيام بمجموعة من العمليات الإرهابية»، وليس فقط استهداف أحد المرشحين، بل الاستفادة من الاستحقاقات الانتخابية لتنفيذها ولضرب فرنسا.
وخلال يوم أمس، حصلت أحداث قليلة جدا، بل عديمة الأهمية. لكن الحرص على الأمن دفع الشرطة إلى إغلاق مكتبين للاقتراع لفترة قصيرة.
وفي جولة على عدد من المكاتب في باريس والضواحي، كان واضحا أن الهم الأمني تقدم على غيره عقب الهجوم الذي استهدف ليل الخميس ــ الجمعة رجال الشرطة في جادة الشانزليزيه. لكن السلطات سهرت على تلافي إظهار أن العاصمة أو المدن الكبرى، مثل ليون ومرسيليا، تعيش حالة حصار. ومنذ الصباح، بدأ التوافد على مكاتب الاقتراع واستمر متصاعدا حتى إقفالها مساء، علما بأن القاعدة هي الإقفال الساعة السابعة في حين تبقى مفتوحة في باريس وعدد من المدن الكبرى حتى الثامنة.
وتعد نسبة المشاركة أو الامتناع أحد المفاتيح الرئيسية لفهم نتائج الدورة الأولى؛ لأنها يمكن أن تفيد وأن تضر في جانب آخر. ومعروف أن المتقاعدين والمتقدمين في السن والكوادر العليا والمتوسطة هم الأكثر مشاركة، بينما نسبة الشباب عادة ما تكون منخفضة.
وقال عبد الغني، وهو مواطن فرنسي من أصل مغربي يملك مجزرة شرق باريس، إنه بكر في المجيء إلى مكتب الانتخاب لإسقاط ورقة ميلانشون، وإنه دعا أقاربه وأصحابه للاحتذاء به. وبرأيه، فإن ميلانشون «رجل صادق وسياسي مختلف عن الآخرين»، فضلا عن أنه «يدافع عن المنسيين ويريد مساعدة المهمشين، كما أنه صديق للمسلمين». لكن له سببا آخر، وهو أنه «لا يريد أن يرى مارين لوبان في قصر الإليزيه لأنها تكره العرب والمسلمين»، وهي مرشحة «حزب عنصري».
حقيقة الأمر، أن ما يقوله عبد الغني يعكس إشكالية ما يمكن تسميته «الصوت المسلم» أو «الصوت العربي» في رئاسيات فرنسا. وللتذكير، فإن لوبان تتهم مرشح الوسط إيمانويل ماكرون بأنه «رهينة المجموعات الإسلامية»، وأنه لا يدين بقوة نزعة التكتلات ذات الطابع الطائفي، كما أنه لا يدافع عن العلمانية.
ويشكل المتحدرون من أصول عربية ومسلمة نحو 7.5 في المائة من سكان فرنسا، و5 في المائة من الناخبين. وبحسب دراسات أجريت على الانتخابات الرئاسية عام 2012، تبين أن ما يزيد على 80 في المائة صوتت لصالح الرئيس هولاند وضد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بسبب مواقفه من الإسلام وحملته الدعائية اليمينية. وتمنع فرنسا إجراء إحصائيات أو استطلاعات ذات طابع ديني أو عرقي. لذا؛ يتعين التعامل مع الأرقام المتوافرة بكثير من الحذر.
لكن الثابت، أن أصوات هذه الجالية تبقى أقرب إلى الأحزاب والتيارات والمرشحين اليساريين، خصوصا إلى ميلانشون وهامون بسبب مواقفهما من القضايا الدينية، بينما أحزاب اليمين تبدو أكثر تشددا. وعلى سبيل المثال، فإن المرشح فيون دأب في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية على اتباع نهج متشدد يركز على الأصول المسيحية لفرنسا، وعلى أولوية الاندماج في المجتمع الفرنسي، وغير ذلك من أشكال الخطاب الهادف إلى تعبئة جمهور اليمين.
يمثل جان إيف، وهو أستاذ علوم متقاعد، نوعا آخر من الناخبين. يقول إنه اقترع لبونوا هامون، مرشح الحزب الاشتراكي، وحجته أنه «مناضل اشتراكي منذ ثلاثين عاما» ويريد أن يبقى «وفيا» لمبادئه. وأعرب جان إيف عن الأسف للانقسامات التي أصابت الحزب الاشتراكي في الصميم بين جناح يساري، انضم بعضه إلى ميلانشون، وآخر ذهب أركانه إلى ماكرون.
ويرى جان إيف أن غياب الاشتراكيين المتوقع عن الجولة الرئاسية الثانية «نتاج السياسة الليبرالية التي اتبعها هولاند، التي لم تكن لصالح الموظفين والعمال، بل لأصحاب العمل». وعن رأيه بماكرون، الوزير السابق في الحكومة الاشتراكية، اعتبر جان إيف أن الأخير «خان» الرئيس هولاند رغم أنه ترعرع في أحضانه. وفي رأيه، فإن مشروع ماكرون السياسي لجهة الجمع بين اليمين واليسار «سيلاقي صعوبات كبرى»، كما سيكون عاجزا عن توفير أكثرية نيابية تؤمن الاستقرار السياسي في البلاد للسنوات الخمس المقبلة.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.