الإرهاب يقسم الطبقة السياسية في فرنسا عشية الانتخابات

منفذ الاعتداء أمضى في السجن 15 عاماً وخرج منه مطلع 2015

جنود فرنسيون في محيط متحف اللوفر أمس بعد الهجوم الإرهابي في الشانزليزيه أول من أمس (أ.ب)
جنود فرنسيون في محيط متحف اللوفر أمس بعد الهجوم الإرهابي في الشانزليزيه أول من أمس (أ.ب)
TT

الإرهاب يقسم الطبقة السياسية في فرنسا عشية الانتخابات

جنود فرنسيون في محيط متحف اللوفر أمس بعد الهجوم الإرهابي في الشانزليزيه أول من أمس (أ.ب)
جنود فرنسيون في محيط متحف اللوفر أمس بعد الهجوم الإرهابي في الشانزليزيه أول من أمس (أ.ب)

مقابل مخزني «ماركس أند سبنسر» و«إيف روشيه» الواقعين على الجهة اليمنى من جادة الشانزليزيه صعودا نحو قصر النصر، وغير بعيد عن قصر الإليزيه القائم على بعد مئات قليلة من الأمتار، ضرب الإرهاب مجددا العاصمة الفرنسية وعاد ليخيم شبحه على النفوس وليشعل مجددا الجدل السياسي بين اليمين واليسار قبل 48 ساعة من جولة الانتخابات الرئاسية الأولى.
العملية الإرهابية التي وقعت في تمام الساعة التاسعة من ليل أول من أمس دامت أقل من دقيقة: سيارة عادية توقفت فجأة إلى جانب حافلة للشرطة ونزل منها شاب مسلح برشاش كلاشنيكوف... بادر من غير مقدمات إلى فتح النار على رجال الشرطة الجالسين في مقاعدهم فقتل على الفور أحدهم وجرح اثنين وسعى لأن يلوذ بالفرار سيرا على الأقدام. إلا أن رجال الأمن الموجودين بكثافة في هذه الجادة التي توصف بأنها «الأجمل في العالم» والتي تستضيف المناسبات الوطنية الكبرى، فتحوا النار عليه فورا فأردوه قتيلا فوقع تماما أمام مخزن إيف روشيه. لكن قتله لم يضع حدا للعملية إذ إن رجال الأمن ظنوا أن له شريكا لاذ بالفرار. و«الشرق الأوسط» التي لا تبعد مكاتبها سوى رمية حجر عن مكان الحادث، تابعت لحظة بلحظة المشهد المفجع. الآلاف من الناس أصابهم الهلع من سماعهم صوت الرصاص فبدأوا بالركض والهرولة في كل اتجاه. أمهات يحملن أطفالهن. شيوخ وشباب، صغار وكبار، هذا يصرخ وذاك يبكي، يسعون للالتجاء إلى مقهى أو مخزن أو الفرار إلى الشوارع الجانبية والالتصاق بمداخل الأبنية. وعندما تسأل عما حصل، كان من الصعب أن تحصل على بداية جواب. الكل خائف والكل يتذكر ما شهدته باريس من أعمال إرهابية، أخطرهما المذبحتان الإرهابيتان اللتان ضربتاها في بداية عام 2015، «صحيفة شارلي إيبدو الساخرة»، وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه «مقتلة مسرح الباتاكلان ومطاعم الدائرة الـ11 من العاصمة».
سريعا جدا، تحولت الشانزليزيه التي يعرفها العرب جيدا لأنها عادة ما تكون مقصدهم الأول في باريس، إلى ما يشبه ساحة حرب: سيارات شرطة ورجال أمن مدججون بالسلاح، سيارات إسعاف يصم زعيقها الآذان، طوافة هليكوبتر تابعة لشرطة العاصمة تحلق فوق المنطقة، دراجون مسرعون ومواطنون عاديون لا يدركون ما يحصل أمام أعينهم... والأسوأ من ذلك ألا أحد كان يعرف ما إذا كان الجاني الذي تعرفت الشرطة هويته سريعا «اسمه كريم الشارفي وعمره 39 سنة» بفضل أوراق السيارة التي حملته إلى المكان، قد عمل بمفرده، أم أن له شركاء فقام رجال الأمن وهم يشهرون سلاحهم بعمليات تفتيش وملاحقة في الحي الذي قطعت الطرقات المفضية إليه، كما أغلقت محطات المترو القريبة؛ ما زاد من كثافة الناس. ولم تتأخر الإشاعات التي تناقلتها الألسن وبثتها الوسائل الإعلامية عن زيادة الهلع بين من يؤكد وجود عملية احتجاز رهائن وآخر فرار رجل ثان إلى مرآب تحت الأرض تحت جادة الشانزليزيه. وبسبب هذا الخوف، فقد أمرت الشرطة بإبقاء رواد المقاهي والمطاعم والفنادق في الداخل لساعات طويلة، الأمر الذي زاد من التوتر. وعندما كان رئيس الوزراء ووزير الداخلية ينبهان، في الأسابيع الأخيرة إلى أن فرنسا ما زالت مهددة، لا بل إن التهديد في أعلى درجاته، كانت أكثرية الناس تزم شفاهها إبداء لعدم اكتراثها. لكن ما حصل في مدينة مرسيليا قبل ثلاثة أيام عندما قبضت الشرطة على رجلين كانا يعدان لعملية إرهابية واسعة وقبلها مهاجمة شرطية في مطار أورلي أو مهاجمة رجال أمن في متحف اللوفر، كان بمثابة جرس إنذار جدي. وما زاد من مخاوف المسؤولين الأمنيين والسياسيين ثلاثة: الأول، الهزائم التي تلحق بتنظيم داعش في العراق وسوريا وصعوبة الاستمرار في إيصال المقاتلين والمتطرفين إلى هذين البلدين. ويرجح متابعون للشأن الإرهابي، أن هذا المعطى الجديد يدفع بـ«داعش» إلى تفضيل قيام «جنود الخلافة» بعمليات إرهابية في بلدان إقامتهم. والثاني، سعي المتشددين الفرنسيين أو المقيمين على الأراضي الفرنسية العودة إلى فرنسا بسبب تطور الأوضاع الميدانية. وهؤلاء، في رأي المسؤولين يشكلون تهديدا مباشرا بسبب الخبرات القتالية التي كسبوها وتقنيات التفخيخ والتفجير التي تدربوا عليها. وأخيرا، فإن اقتراب موعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يدفع أصحاب المشروعات الإرهابية إلى الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ بسبب الصدى الإعلامي الكبير الذي يمكن أن تلقاه عملياتهم... الأمر الذي هو حاصل حقا.
منذ الصباح الباكر، كان عمال بلدية باريس في الشانزليزيه لإزالة أثار الدماء وتنظيف الجادة التي عمدت الشرطة إلى فتحها مجددا أمام حركة السير وأمام الراجلين. وسريعا جدا، عاد هذا الشارع المعروف عالميا بأنه شعار باريس لتدب فيه الحركة العادية. ولولا وجود عشرات كاميرات التلفزة والصحافيين من غالبية أصقاع الأرض وتجمهر الباريسيين لمشاهدة المكان لما دار في خلد أحد أن عملية إرهابية ضربت هذه الجادة الشهيرة التي كانت من بين المناطق المشمولة بأفضل حماية أمنية. وككل مرة، استضاف قصر الإليزيه اجتماعا أمنيا دام حتى وقت متأخر من الليل، ثم اجتماعا صباحيا لمجلس الدفاع للنظر في الحادث وطمأنة المواطنين إلى أن العملية الانتخابية ستجري بشكل طبيعي وأن الحكومة والأجهزة الأمنية ستحرص على توفير السلامة لـ67 مكتب اقتراع بفضل تعبئة خمسين ألف رجل أمن وشرطة. وأطل رئيس الجمهورية في ساعة متأخرة ليدعو إلى الهدوء وإلى الاتحاد ورص الصفوف والدفاع عن الديمقراطية المستهدفة من قبل الإرهابيين.
بانتظار أن تنجلي مناطق الظل في عملية ليل أول من أمس، فإن الثابت أن «إرهابيي» اليوم ليسوا سوى مجرمي الأمس من القياس الصغير. ذلك أن كريم الشارفي لم يكن نكرة لدى الأجهزة الأمنية أو القضاء. فهذا الرجل المولود في فرنسا في ضاحية باريسية، الذي كان يعيش مع والدته في منزل يقع في مدينة شيل «ضاحية باريس الشمالية» له سجل إجرامي طويل، إذ إنه حكم عليه بالسجن في عام 2005 بسبب إطلاقه النار في مناسبتين على ثلاثة من رجال الأمن، ولم يخرج منه إلا بداية عام 2015 وفق معلومات حصلت عليها صحيفة «لوموند». وبداية هذا العام، دخل في مرمى الأجهزة الأمنية التي أوقفته واستجوبته بسبب تهديدات أطلقها بقتل رجال أمن وبسبب ميوله الإسلامية الراديكالية الجديدة بحسب ما أشار إليه متحدث باسم وزارة الداخلية. ونتيجة لذلك، فتح تحقيق قضائي بحقه أنيط إلى قسم مكافحة الإرهاب. لكن كريم الشارفي، وبعكس المعلومات الأولى التي تم تبادلها، لم يكن اسمه موجودا على لائحة الأشخاص الخطرين.
ومباشرة بعد تعرف هويته، قامت القوى الأمنية بمداهمة منزله وألقت القبض على ثلاثة أشخاص من محيطه المباشر. ووفق ما قاله مدعي عام الشؤون الإرهابية فرنسوا مولينس، فإن التحقيق يريد أن يعرف ما إذا كان الشارفي «ذئبا منفردا»، أم أنه تلقى مساعدات لوجيستية أو غير لوجيستية من أشخاص آخرين، خصوصا أن تنظيم داعش سارع لتبني العملية ناسبا إياها إلى «أبو يوسف البلجيكي». والحال أن الشارفي فرنسي المولد والهوية وليس معروفا أن له كنية «داعشية». وترجح تقارير صحافية أن تكون الأمور قد اختلطت على «داعش» بين الشارفي من جهة ورجل آخر سلم نفسه إلى السلطات البلجيكية في مدينة أنفرس «شمال بلجيكا»، الذي تصفه الشرطة هناك بأنه «بالغ الخطورة» وقد عثرت في منزله على أسلحة وعلى بطاقة سفر بالقطار إلى باريس بتاريخ 20 الحالي أي في اليوم نفسه الذي حصلت فيه عملية الشانزليزيه. واللافت بالنسبة للشارفي أنه رغم سجله العدلي الحافل، فقد بقي طليقا ونجح في أن ينفذ عمليته؛ ما يطرح أسئلة جدية حول نجاعة القضاء والتنسيق بينه وبين الأجهزة الأمنية.
هل ثمة علاقة حقيقية بين الشارفي و«داعش»؟ السؤال يشغل الأجهزة الأمنية التي تسعى من خلال فحص الهاتف والحاسوب والمواد التي توفرت لها، إن من خلال عملية الدهم أو تلك التي عثرت عليها في سيارته، فضلا عن التعرف بدقة على علاقاته بالأشخاص الذين كان على اتصال بهم، لجلاء هذه النقطة التي قد تتطلب عدة أيام. وفي هذا السياق، فإن العثور في سيارة الشارفي، إلى جانب بندقية حربية وسكينين وأقنعة، على رسالة مكتوبة بخط اليد تدافع عن «داعش» وتروج لمقولاتها، إضافة إلى تبني التنظيم الإرهابي المستعجل للعملية، لا يعني وفق المحققين، أن هناك «علاقة مباشرة» بين الشارفي و«داعش» أو أنه كان له «مشغل» ينفذ تعليماته.
إزاء هذه العلمية الجديدة، جاءت ردة فعل السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية والحكومة كسابقاتها. وقد سارع هولند إلى التأكيد أن الحكومة ستعمل ما بوسعها للحفاظ على أمن المواطنين وأمن العملية الانتخابية. أما رئيس الحكومة برنار كازنوف فقد رد على مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان ومرشح حزب «الجمهوريون» فرنسوا فيون ليؤكد أن «لا شيء يجب أن يحول دون حصول الاستحقاق الديمقراطي (الانتخابات الرئاسية)» وهاجم المرشحين المذكورين متهما إياهما بـ«استغلال» العملية الإرهابية واستثمارها سياسيا. وبخصوص لوبان، قال كازنوف إنها «تستغل الخوف والتأثر لدى الفرنسيين لغايات محض انتخابية». وكان المرشحان المذكوران اللذان عمدا إلى إلغاء نشاطاتهما الدعائية في اليوم الأخير من الحملة الانتخابية قد دعوا إلى سياسة متشددة في الموضوع الأمني الذي استخدماه رافعة سياسية. ودعت لوبان الرئيس هولند إلى «انتفاضة» أمنية وإلى الرد على الإرهاب بـ«جواب أمني شامل». ومما اقترحته عمليا طرد كل الأشخاص الأجانب الموجودة أسماؤهم على اللوائح الأمنية وفرض الرقابة الشاملة على الحدود ونزع الهوية الفرنسية عن كل مزدوج هوية على علاقة بمشروعات إرهابية... أما فيون فقد ارتأى فرض «حجز إداري» على كل من ورد اسمه على اللوائح المذكورة. وواضح أن كثير مما هو مقترح إما هو مخالف للنصوص الدستورية وإما أن الحكومة تعمل به مثل الرقابة على الحدود.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.