شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

مبادئ المكسب والخسارة التجارية تنطبق على سيكولوجية المرضى والأطباء

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية
TT

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

أعمل طبيباً في السنة النهائية، بعد أكثر من 10 سنوات من التدريب. ولقد عملت على تشريح الجثث في مختبر التشريح، وأمعنت النظر طويلاً في كثير من مجلدات وكتب فسيولوجيا الأمراض، وتمكنت من علاج آلاف المرضى الذين كانوا يعانون من علل متنوعة، مثل البواسير، وحتى السرطان.
ورغم كل ذلك، فإن الطريقة التي كنت أرعى بها المرضى كانت في غالب الأمر لا علاقة لها بالعلوم الطبية التي قضيت حياتي المهنية محاولاً استيعابها بأكثر من علاقتها بالعادات، والإشارات البيئية، وغير ذلك من التلميحات الخفية التي أعتقد، أو ربما أعرف القليل عنها.
وفي بعض الأحيان، كنت أصف نوعاً من الأدوية، ليس لأنه أثبت فعالية معينة في العلاج، ولكن بسبب أنه مجرد الخيار الافتراضي المتاح في نظام المشتريات الإلكترونية في المستشفى التي أعمل فيها. وكنت أهتم كثيراً بتكرار غسل يدي - التصرف الضروري للغاية للرعاية الطبية الآمنة، الذي يعتبر من سوء الممارسات المهنية إن لم أفعله - وذلك إذ كان الملصق الترويجي المعلق خارج غرفتي يطالبني دائماً بالتفكير في صحة المريض أكثر من التفكير في صحتي. وكان يسهل علي كثيراً التغيير من تصرفاتي، إذا اطلعت على البيانات التي تفيد بأن زملائي يفعلون شيئاً مختلفاً تماماً أكثر مما لو ظهرت لي بيانات تقول إن العلاج المعين يفيد أو لا يفيد.
ويمكن تفسير هذه الاعترافات من واقع مجال الاقتصاد السلوكي، الذي يؤكد على أن عملية صنع القرار الإنساني تبتعد كثيراً، وبشكل كبير، وبصورة متوقعة، عما يمكن توقعه إذا ما تصرفنا بطريقة «عقلانية» تماماً. فالناس لا يتخذون القرارات دائماً - حتى إن كانت غاية في الأهمية بشأن المنفعة المادية أو المالية - بناء على الحسابات الدقيقة للمخاطر والمنافع. بدلاً من ذلك، فإن سلوكياتنا تتأثر وبقوة بمشاعرنا، وهويتنا، والبيئة المحيطة بنا، إلى جانب الكيفية التي تُطرح بها الخيارات علينا.
يميل الناس في الغالب إلى التمسك بالخيارات الافتراضية عند الاختيار (تتجاوز معدلات التبرع بالأعضاء نسبة 90 في المائة في البلدان التي يحتاج المواطنون فيها إلى التخلي عن حالة التقصير في التبرع، مقارنة بنسبة 4 إلى 27 في المائة في البلدان التي يختار المواطنون فيها المشاركة والتطوع). ويشعر الناس بحساسية كبيرة حيال الخسائر أكثر مما يشعرون حيال المكاسب المتناسبة (فإن خسارة 100 دولار تُشعرك بألم مضاعف أكثر من إحساس السعادة بالحصول على 100 دولار).
وإننا نميل إلى المبالغة في تقدير قيمة الحاضر (إذ يفضل معظمنا الحصول على كوب مجاني من القهوة الآن، بدلاً من كوبين مجانيين من القهوة في الأسبوع المقبل)، وعرض كثير من الخيارات ليس بالأمر الجيد على الدوام (فإن الناس أقل عرضة لشراء منتج من المنتجات، إذا ما تعرضوا لعشرات الخيارات، بدلاً من القليل من الخيارات).
وقد بدأنا في المجتمع الطبي، في الآونة الأخيرة، استكشاف كيف يمكن للاقتصاد السلوكي أن يعمل على تحسين الصحة. وكما هو الحال مع أي مجال من المجالات المهمة، هناك دائماً إمكانية لوجود الضجيج، ولكن مثل هذه الرؤى قد تكون ذات قيمة خاصة في مجال الرعاية الصحية، نظراً لأن عملية صنع القرار الطبي مفعمة بكثير من عدم اليقين والتعقيد والعاطفة؛ وكل هذه العوامل تجعل من الصعب كثيراً تحديد الخيارات المناسبة.
ومن رواد هذه الحركة الدكتور كيفين فولب، الطبيب في جامعة بنسلفانيا، المدير المؤسس لمركز المحفزات الصحية والاقتصاد السلوكي، وهو يشرف على تصميم التجارب العشوائية بشأن عدد من أهم التحديات في مجال الرعاية الصحية: توجيه الأطباء لتقديم الرعاية الصحية القائمة على الأدلة، وضمان تناول المرضى للأدوية، ومساعدة المستهلكين على اختيار أفضل الخطط الصحية.
ويقول الدكتور فولب: «لقد بدأنا في الحصول على اعتراف واسع النطاق بأن بيئات صناعة القرار في مجال الرعاية الصحية يمكن أن تعكس، وبصورة أفضل، الكيفية التي يتخذ بها الأطباء والمرضى القرارات».
وكان الدكتور فولب، الذي يستعين كل من القطاع العام والخاص بأعماله، قد تعاون في الآونة الأخيرة مع شركة «سي في إس كيرمارك» لاختبار المحفزات المالية الأكثر فعالية لدفع الموظفين للإقلاع عن التدخين. وقد انقسم الموظفون بصورة عشوائية إلى 3 مجموعات: المجموعة الأولى كانت «الرعاية الاعتيادية»، وفيها يحصل الموظفون على المواد التعليمية، ومساعدات الإقلاع عن التدخين، بصورة مجانية. والمجموعة الثانية كانت «برنامج المكافآت»، حيث يمكن للموظفين الحصول على ما يصل إلى 800 دولار على مدى 6 أشهر، إذا ما أقلعوا فعلاً عن التدخين. أما المجموعة الثالثة، فكانت «برنامج الودائع»، وفيه يدفع المدخنون مبدئياً أكثر من 150 دولاراً من أموالهم، ولكن إذا أقلعوا عن التدخين، فإنهم يحصلون على ودائعهم مرة أخرى، إلى جانب مكافأة بقيمة 650 دولاراً.
وبالمقارنة مع مجموعة «الرعاية الاعتيادية»، كان الموظفون في المجموعتين التحفيزيتين الأخريين أكثر عرضة لأن يقلعوا عن التدخين خلال 6 أشهر، ولكن كانت طبيعة المحفزات مهمة. وأولئك الذين عُرض عليهم برنامج المحفزات كانوا أكثر احتمالاً لقبول التحدي من أولئك الذين عُرض عليهم برنامج الودائع. ولكن برنامج الودائع كان أكثر فعالية بمقدار الضعف في تحفيز الموظفين على الإقلاع عن التدخين، وأكثر فعالية بمقدار 5 مرات من برنامج الوسائل التعليمية وعلكة النيكوتين؛ إن التخلي عن المال أمر مؤلم، ولكنه فعال.
وكان هذا من الدروس في الأبحاث التي يديرها الدكتور فولب حول تحفيز الناس لإنقاص الوزن وممارسة التدريبات أكثر من المعتاد. فقد قدم أحد الأبحاث المحفزات للمرضى من خلال إدخالهم في جوائز اليانصيب، أو في عقود الإيداع لتلبية أهداف إنقاص الوزن لديهم. وأولئك من مجموعة اليانصيب كانوا متأهلين لجائزة يانصيب يومية، مع دفعات صغيرة ومتكررة ومكافآت أخرى كبيرة في بعض الأحيان، ولكن إذا تمكنوا من إحراز هدفهم من إنقاص الوزن، أو أقل منه. والناس في مجموعة الإيداع، استثمروا أموالهم (وكانت بضعة دولارات فقط في اليوم، بوجه عام)، التي خضعت للمطابقة بواسطة الباحثين، وكانوا سوف يحصلون على أموالهم - وربما المزيد - إذا حققوا الأهداف المنشودة في نهاية الشهر.
وخلال 4 أشهر، فقدت كلتا المجموعتين أكثر من 3 أضعاف الوزن، بالمقارنة بمجموعة الضبط (نحو 14 رطلاً مقابل 4 أرطال)، ولكن مجموعة الإيداع فقدت وزناً أكثر بقليل من مجموعة اليانصيب. وهناك دراسة مماثلة خلصت إلى أن المرضى كانوا أكثر عرضة للمشي لمسافة 7 آلاف خطوة في اليوم، إذا تلقوا دفعة مالية مقدماً، وجزء من هذه الدفعة يلزم إعادته في كل يوم لا يلبون فيه هدف التمرين، مقارنة بأصحاب اليانصيب، أو المكافآت، أو عوامل التشجيع التقليدية القديمة.
ولقد سلطت أعمال أخرى الضوء على قوة الافتراضات، التي في مجال الرعاية الصحية قد يترتب عليها آثار الحياة أو الوفاة. وليس هناك مجال في الاتجاه الافتراضي السائد لدى الأطباء أكثر وضوحاً من انحيازنا نحو رعاية الأمراض المزمنة التي تفضل الكم على الكيف، وعلى نوعية الحياة.
ومع وضع هذا في الاعتبار، عكف الباحثون على دراسة ما إذا كان اختيار نوع الرعاية المتوفر لأصحاب الأمراض المزمنة يتأثر بالطريقة التي نعرض بها الخيارات. ولقد تم تكليف المرضى بأمراض مستعصية باستكمال إحدى 3 توجيهات مسبقة، وبصورة عشوائية: حيث تلقت المجموعة الأولى استمارة للمسار المعتمد على الراحة سالفة الاختيار، وتخيرت المجموعة الثانية مربع الرعاية الصارمة، أما المجموعة الثالثة فقد تركت كلا الخيارين فارغين. وكان المرضى أحراراً في تجاوز الخيار الافتراضي، وتخير أي خيار يفضلونه.
ما يقرب من 80 في المائة من المرضى في مجموعة الراحة الافتراضية اختاروا الراحة، بينما هناك 43 في المائة من المرضى في مجموعة الرعاية الصارمة الافتراضية اختاروا الرعاية الصارمة (ونسبة 61 في المائة من المرضى من دون الخيار الافتراضي المدمج تخيروا الراحة). وكما يبدو، فإن القرارات الحاسمة والمهمة للغاية حول الطريقة التي نريد أن نعيش بها أيامنا الأخيرة تتأثر بالأمور المسبقة على القائمة التي نختار منها.
وتراهن شركات التأمين الصحي أيضاً على أن الاقتصاد السلوكي من شأنه أن يحسن من نوعية الجودة، ويقلل التكاليف. وتستخدم شركة «بلو كروس بلو شيلد»، من ولاية ماساتشوستس، مجموعة متنوعة من مفاهيم الاقتصاد السلوكي من أجل التحسين المستمر، بدلاً من البدايات المطلقة. وفي ولاية هاواي، تجري الشركة نفسها التجارب، مع المحفزات المشتركة للأطباء والمرضى من أجل تحقيق أهداف مرضى السكري.
وتحاول الشركات الناشئة المشاركة في هذا المجال هي الأخرى، فشركة «ويلث» الناشئة من حي بروكلين، على سبيل المثال، عملت على تطوير تطبيق لمكافأة المرضى الذين يواظبون على تناول الأدوية. وما يقرب من ثلث الوصفات الطبية في الولايات المتحدة تلقى التجاهل من قبل المرضى، ونحو نصف المرضى لا يتناولون الأدوية بانتظام كما وصفها الطبيب، حتى بعد العرض لأمراض مهددة لحياتهم، مثل النوبات القلبية. وفي كل عام، يتسبب عدم الالتزام بتناول الأدوية في 125 ألف حالة وفاة، تكلف نظام الرعاية الصحية ما يقرب من 289 مليار دولار.
وتعتقد شركة «ويلث» الناشئة أنه بإمكانها مساعدة المرضى في إدارة أنفسهم.
يقول ماثير لوبر، رئيس مجلس إدارة الشركة والمؤسس المشارك: «نريد أن نعطيهم مكافآت فورية وحقيقية مقابل سلوكياتهم الصحية الجيدة. ولكن في نهاية المطاف، فإننا نعمل في مجال تشكيل العادات الشخصية، ونريد للسلوكيات أن تتماسك وتستمر».
إحدى المريضات خرجت من المستشفى بعد نوبة قلبية، وقامت بتحميل تطبيق شركة ويلث، وأودعت الشركة 150 دولاراً في حسابها الشخصي، المبلغ الذي سوف تحتفظ به إذا واظبت على تناول كل الأدوية الخاصة بها لمدة 3 أشهر كاملة. وفي كل صباح، ترسل شركة ويلث رسالة لتذكيرها بتناول الدواء. وإذا التقطت لنفسها صورة ذاتية وهي تتناول الدواء، يمكنها الاحتفاظ بالمبلغ المالي، وإذا نسيت تناول الدواء، تحصل على إخطار آخر من الشركة على مدى اليوم بأكمله، وربما رسالة نصية أو اثنتين. وإذا مر اليوم بالكامل من دون تناول الدواء، تخسر دولارين من حسابها. وإذا تجاهلت تناول الدواء لعدة أيام متتالية، تفقد 2 دولار عن كل يوم، وتتلقى مكالمة هاتفية بالإضافة إلى ذلك.
ويبدو أن النظرة الأكثر شمولاً للسلوك البشري صارت من الضروريات لمزيد من العلاج الفعال. والرعاية الصحية في جوهرها هي نتاج قرارات يومية لا عدد ولا حصر لها من ناحية الأطباء والمرضى، ومن خلال الكشف عن المحفزات الحقيقية لنا، فقد نتمكن من دفع بعضنا بعضاً في اتجاه اتخاذ القرارات الأكثر حكمة لأجل حياة أكثر صحة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)

أعاد الحديث عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج بصيص أمل لدى قطاعات من المصريين في كبح ارتفاع سعر صرف الدولار، إثر موجة تقلبات في العملة الأميركية أعقبت الحرب الإيرانية وما رافقها من تداعيات اقتصادية إقليمية ودولية، غير أن اقتصاديين وخبراء استبعدوا هذا السيناريو في ظل القلق من احتمال استئناف الحرب التي لا تزال رهناً بالمفاوضات.

وأبدت وسائل إعلام مصرية ومدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي قدراً من التفاؤل عقب إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 28 في المائة خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى فبراير (شباط) 2026، لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار، مقابل نحو 23 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024 - 2025.

لكن اقتصاديين، من بينهم هاني توفيق، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «مصر لرأس المال المخاطر»، حذروا من أن الارتفاع الأخير في تحويلات المصريين العاملين بالخارج لا يعكس بالضرورة تحسناً مستداماً في أوضاع سوق النقد الأجنبي، عاداً أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة للتوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة التي بدأت في مارس (آذار)، مستنتجاً أنها «قد لا تكون كافية لكبح الضغوط المتزايدة على سعر صرف الدولار في مصر».

ارتفاع جديد قبل الحرب

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر فبراير (شباط) وحده بنسبة 25.7 في المائة، لتسجل نحو 3.8 مليار دولار، مقابل نحو 3 مليارات دولار خلال الشهر نفسه من العام الماضي، علماً بأن عدد المصريين العاملين بالخارج يتجاوز 5 ملايين مصري، بحسب وزير العمل المصري حسن رداد.

وتوقع توفيق، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن يظل الدولار في «منحنى صعودي» خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتباط الاقتصاد المصري بالتغيرات الجيوسياسية الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على مصادر النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن توقع مستويات الارتفاع المقبلة يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل تسارع التطورات الإقليمية والدولية.

ولم يستبعد الخبير الاقتصادي المصري أن تحمل البيانات المقبلة تراجعاً في تدفقات تحويلات العاملين بالخارج، مع تقلص أعداد المصريين العاملين في بعض دول الخليج نتيجة الظروف الاقتصادية والتوترات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب استمرار الضغوط على إيرادات قطاعي السياحة وقناة السويس.

وأوضح توفيق أن استمرار الاضطرابات الإقليمية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري، سواء عبر تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها على إيرادات قناة السويس، أو من خلال تباطؤ النشاط السياحي، وهو ما يزيد الحاجة إلى مصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية.

رجل يحصي جنيهات مصرية خارج أحد البنوك في القاهرة (رويترز)

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، استمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد عقب اندلاعها في مطلع مارس من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً. وأربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية هذا الأسبوع بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء والخميس.

حدود آمنة

وكان الأكاديمي والباحث الاقتصادي خالد الشافعي أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال إن التحركات الأخيرة في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لا تزال ضمن «الحدود الآمنة»، مشيراً إلى أن تذبذب العملة الأميركية بين مستويات 50 و55 جنيهاً خلال الفترة الماضية «لا يمثل مؤشراً يدعو إلى القلق حتى الآن».

وأوضح الشافعي أن حالة التذبذب الحالية يصعب تحديد سقفها الزمني بصورة دقيقة، في ظل ارتباط موارد مصر الدولارية بعوامل خارجية تتأثر بحركة الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والتطورات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يعتمد بصورة رئيسية على 5 مصادر أساسية للنقد الأجنبي، تشمل: إيرادات السياحة، وعائدات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات، إلى جانب تدفقات «الأموال الساخنة»، وهي جميعها مصادر تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الاقتصادية العالمية.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد في أكثر من مناسبة أن «مصر تكبدت خسائر بنحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، إلى جانب استضافة نحو 10 ملايين وافد، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وأشار الشافعي إلى أن الحكومة المصرية اتخذت خلال الفترة الأخيرة خطوات وصفها بـ«الإيجابية» لاحتواء الضغوط المرتبطة بسوق الصرف، من بينها تخفيف بعض قرارات إغلاق المحال التجارية، إلى جانب التحرك المبكر لملاحقة أي مؤشرات على عودة السوق السوداء للعملة الأميركية، بهدف الحفاظ على استقرار السوق النقدية ومنع المضاربات.

وكانت وزارة الداخلية قد أكدت، الأربعاء، «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (نحو 490 ألف دولار)»، معتبرة أن ذلك يأتي في إطار «تواصل الضربات الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

ولا يرى هاني توفيق بديلاً لمواجهة تحديات سعر الصرف المتقلب سوى «المضي في تنشيط عمليات الاستكشافات النفطية والغازية، إلى جانب تبني سياسات أكثر فاعلية لترشيد الاستهلاك وتقليل ضغوط الطلب على الدولار، بما يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية».


تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

عبر «خفض إيجارات مناطق البحث والاستكشاف، وتسريع استخراج الموافقات»، تُقدم الحكومة المصرية تيسيرات جديدة للتوسع في مشروعات قطاع التعدين.

ووفق وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، فإن «بلاده تعمل على تطوير بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية في قطاع التعدين، من خلال تحديث الأطر التشريعية والتعاقدية والتحول إلى نماذج متوافقة مع أفضل الممارسات العالمية وتوفير حوافز مناسبة للمستثمرين».

وأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية، في بيان، الجمعة، أنه في إطار توجه الدولة نحو تطوير قطاع التعدين وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، وافق مجلس الوزراء على تعديلات اللائحة التنفيذية لـ«قانون الثروة المعدنية». وأوضحت أن التعديلات تهدف إلى «تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد القومي».

وحسب الوزارة، تضمنت التعديلات تيسيرات منها «خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسب تصل إلى 60 في المائة لتخفيف الأعباء المالية على المستثمرين خلال المراحل الأولى للمشروعات وتشجيع التوسع في أعمال البحث وزيادة فرص الاستكشاف، وتحديد مدة زمنية لا تتجاوز 30 يوماً لإصدار الموافقات والتنسيقات بما يدعم تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة العمل، فضلاً عن السماح باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز الواحدة بما يحقق الاستفادة المثلى من الموارد التعدينية ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات».

وأكدت الوزارة أنه تم تعديل نسبة مساهمة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في المشروعات المشتركة لتصبح 10 بدلاً من 25 في المائة، بما يسهم في زيادة جاذبية الاستثمار وتشجيع ضخ استثمارات جديدة، كما شملت «وضع إطار واضح لتحديد الإتاوات الخاصة بالخامات غير المدرجة مسبقاً، بما يحقق الشفافية ووضوح الالتزامات المالية للمستثمرين».

«انفوغراف» نشره مجلس الوزراء عبر صفحته بـ«فيسبوك» الجمعة عن تعديلات قانون الثروة المعدنية في مصر

وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن «التيسيرات الحكومية الجديدة تستهدف زيادة الإيرادات بطريقة أكثر استدامة عبر دخل ثابت من الإيجارات، والإتاوات المرتبطة بالإنتاج، والضرائب على الأرباح وهذا أفضل من عملية التقاسم التعاقدية».

أضاف القليوبي لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من التعديلات «تحسين مناخ الاستثمار في التعدين، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتقليل زمن الموافقات، وتوحيد جهة التعامل، وإدخال نظام طرح عبر المزايدات العالمية».

وتابع: «فضلاً عن التحول من نظام مشاركة إلى نظام إتاوة وضرائب». ويفسر: «قبل التعديلات كان النظام المعمول به هو الاعتماد على اتفاقيات شبيهة بالبترول (تقاسم الإنتاج) بالدخول في الإنتاج بنسبة 50 إلى 50، لكن بعد التعديل أصبح يعتمد على نظام إتاوة يصل من 5 إلى 20 في المائة، ويعتمد على ضرائب أرباح، وعلى رسوم إيجارات ومساحات، وهو نظام مألوف عالمياً، ويقلل المخاطر القانونية والتعاقدية، ويجعل مصر دولة ذات تنافسية».

وأطلقت مصر في وقت سابق المنطقة الاقتصادية الخاصة للمثلث الذهبي بهدف تطويرها، إذ تتضمن مشروعات تعدين وصناعات ذات قيمة مضافة. وتعد هذه المنطقة بين (قنا وسفاجا والقصير) من أغنى المناطق في مصر من حيث المعادن مثل الحديد، والنحاس، والذهب، والفضة، والجرانيت، والفوسفات، وتمثل نحو 75 في المائة من الموارد المعدنية للدولة.

وتضمنت التعديلات الحكومية، حسب بيان «البترول والثروة المعدنية»، الجمعة، تنظيم إصدار تراخيص المعامل المتخصصة وتحديد اشتراطات تشغيلها بما يضمن إحكام الرقابة على الأنشطة التعدينية ورفع كفاءة عمليات التحليل، وإنشاء فروع ومكاتب لهيئة الثروة المعدنية داخل وخارج مصر بما يسهم في دعم الترويج لفرص الاستثمار وتيسير الإجراءات للمستثمرين، فضلاً عن تعزيز التحول الرقمي من خلال إتاحة التقديم على المناطق التعدينية وسداد الرسوم إلكترونياً عبر بوابة مصر للتعدين.

ويشير القليوبي إلى أن «التيسيرات تتيح مرونة أثناء فترات البحث والاستكشاف، والمرونة تتمثل في أن المستثمر يستطيع أن يستكشف من خلال قطعة الامتياز الواحدة أكثر من معدن، وبالتالي يجعل هناك نوعاً من المرونة خلال فترات البحث والتنقيب ويقلل التقييد بالشراكة عبر تحويل بسيط للرخصة من استكشاف لاستغلال».

وزير البترول والثروة المعدنية خلال «منتدى المعادن الحرجة» في إسطنبول يوم الثلاثاء (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

وبينما تؤكد «البترول والثروة المعدنية» أن «التعديلات الحكومية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير قطاع التعدين، وتهيئة مناخ أكثر تنافسية للاستثمار». يشير مراقبون إلى أن «التعديلات تأخرت بعض الوقت؛ لكنها تعتمد على مُحفزات وتيسيرات لتسريع عمليات الاستثمار».

وكان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي قد اطلع خلال اجتماع، الاثنين، مع كريم بدوي على جهود وزارة البترول والثروة المعدنية لتحفيز الاستثمار في قطاع التعدين.

ويرى أستاذ البترول والطاقة أن «التعديلات تزيد الإيرادات». ويوضح أن «مصر تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 1 في المائة حالياً إلى نحو 6 في المائة».

كما أعلن الوزير بدوي أثناء مشاركته في «منتدى المعادن الحرجة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» بإسطنبول، الثلاثاء الماضي، أن «مصر تستعد لبدء تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي الشامل للمعادن خلال يونيو (حزيران) المقبل، وهو أول مشروع من نوعه منذ عام 1984». وأوضح أن «إتاحة البيانات الجيولوجية الدقيقة تمثل ركيزة أساسية لتقييم الموارد التعدينية، وطرح فرص استثمارية أكثر جاذبية، وجذب المستثمرين، وتسريع قراراتهم الاستثمارية».


«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تواصل الأسهم الأميركية صعودها نحو تسجيل مزيد من الأرقام القياسية يوم الجمعة، مدعومة بنتائج قوية لشركات كبرى مثل «أبل» و«إستي لودر»، في وقت ساهم فيه التراجع المحدود لأسعار النفط في تهدئة التقلبات ودعم استقرار الأسواق العالمية خلال عطلة عيد العمال.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.6 في المائة، معززاً المستوى القياسي الذي سجله في الجلسة السابقة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 226 نقطة، أو 0.5 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما زاد مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.7 في المائة ليواصل تسجيل قمم تاريخية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وتصدرت شركة «أبل» قائمة الرابحين بارتفاع سهمها 3.3 في المائة، بعد إعلانها عن نتائج فصلية فاقت توقعات المحللين من حيث الأرباح والإيرادات.

كما ارتفع سهم «إستي لودر» بنسبة 4.2 في المائة عقب إعلانها عن أرباح قوية، مدعومة بشكل جزئي بأداء قوي في السوق الصينية، إلى جانب رفع بعض توقعاتها المستقبلية. وصعد سهم «كولغيت - بالموليف» بنسبة 3.1 في المائة بعد نتائج أفضل من المتوقع، رغم تحذير رئيسها التنفيذي نويل والاس من استمرار التقلبات الاقتصادية الكلية وتباطؤ نمو القطاع خلال عام 2026.

ويظل مسار أسعار النفط العامل الأبرز المؤثر في آفاق الاقتصاد العالمي، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية. وقد تراجعت الأسعار يوم الجمعة بعد ارتفاعات حادة شهدتها في وقت سابق من الأسبوع.

وانخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 109.88 دولارات للبرميل، رغم بقائه مرتفعاً بنحو 11 في المائة على أساس أسبوعي. وجاءت هذه التحركات في ظل استمرار المخاوف من إطالة أمد إغلاق مضيق هرمز، ما قد يعيق تدفقات النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.

وفي سوق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالتزامن مع تراجع أسعار النفط، حيث انخفض عائد السندات لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.39 في المائة مقارنة بـ4.40 في المائة في نهاية جلسة الخميس.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، أغلقت العديد من البورصات أبوابها بسبب عطلة رسمية، فيما ارتفع مؤشر «نيكي 225» في طوكيو بنسبة 0.4 في المائة، في حين تراجع مؤشر «فوتسي 100» في لندن بنسبة 0.6 في المائة.