الأزمات تكتب العنوان الأبرز للعلاقات التركية ـ الألمانية

من أزمة الجواسيس مروراً باعتقال مراسل «دي فيلت» إلى منع مؤتمر وزير العدل التركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
TT

الأزمات تكتب العنوان الأبرز للعلاقات التركية ـ الألمانية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي خطاباً في إسطنبول هاجم فيه ألمانيا التي ألغت اجتماعات لأعضاء من حكومته في برلين حول تعديل الدستور (أ.ب)

باتت الأزمات هي العنوان الأبرز للعلاقات التركية - الألمانية التي تخرج من أزمة لتدخل الأخرى سريعاً على الرغم من محاولات كل من أنقرة وبرلين للقفز على هذه السمة في العلاقات بينهما التي يبدو أن أهم ما فيها الآن هو ملف اللاجئين، الذي يؤرق أوروبا والذي يشكل ورقة في يد تركيا كلما استدعت الضرورة إشهارها.
ولم تكد أن تهدأ نسبياً أزمة التجسس التي اتهمت فيها ألمانيا عدداً من الأئمة الأتراك العاملين في اتحاد الشؤون الدينية والمساجد الذين يتبعون مباشرة هيئة الشؤون الدينية التركية بعد تفتيش منازل عدد منهم لاتهامهم بجمع معلومات عن المواطنين الأتراك المعارضين للرئيس رجب طيب إردوغان والحكومة، وقيام هيئة الشؤون الدينية بإعادتهم إلى مقار عملهم في تركيا، حتى ظهرت أزمة جديدة حول المطالبة بتسليم نحو 40 من الضباط العاملين بـ«الناتو» في أوروبا الذين تقدموا بطلبات لجوء إلى ألمانيا لخوفهم من العودة إلى تركيا، بسبب اتهام السلطات لهم بالتورط في محاولة الاغتيال.
وما هي إلا أيام على هذه الأزمة حتى اندلعت أزمة أخرى تمثلت في القبض على مراسل صحيفة «دي فيلت تسايتونج» الألمانية في تركيا دنير يوجال، وهو ألماني من أصل تركي لاتهامه بدعم الإرهاب، ثم إصدار محكمة تركية قراراً بحبسه.
واستمراراً للتلاحق السريع للأزمات، ألغت السلطات الألمانية بمدينة جاجيناو الخميس فعالية كانت ستنظمها جمعية الأتراك الأوروبيين الديمقراطيين، وكان من المقرر أن يلقي فيها وزير العدل التركي بكير بوزداغ، كلمة في تجمع للمواطنين الأتراك في إطار حملة التصويت بـ«نعم» على التعديلات الدستورية الخاصة بالانتقال إلى النظام الرئاسي التي سيجري الاستفتاء عليها في 16 أبريل (نيسان) المقبل، بدعوى ضيق الصالة التي كان من المقرر أن تستضيف الفعالية.
وردت أنقرة في اليوم نفسه باستدعاء السفير الألماني في أنقرة مارتن إردمان للاحتجاج على القرار الذي فجر غضب أنقرة التي اتهمت برلين على لسان وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أمس (الجمعة) باتباع معايير مزدوجة بعد أن منعت وزير العدل التركي من إلقاء كلمة أثناء اجتماع قائلاً إن على برلين أن «تتعلم كيف تحسن التصرف» إذا أرادت أن تحافظ على العلاقات.
وأكد جاويش أوغلو أن تركيا لا تستطيع قبول ما حدث في بلدة جاجناو في ولاية بادن - فورتمبيرج جنوب ألمانيا (التي يقيم بها نحو مليون ونصف المليون تركي)، حيث سحبت السلطات التصريح بالاجتماع، معللة ذلك بعدم وجود مساحة كافية لإقامة الحدث.. «الأمور لا تسير بهذه الطريقة، نحن أيضاً سنرد بالمثل دون تردد».
وطالب وزير الخارجية التركي ألمانيا بالابتعاد عن سياسة التعالي، قائلاً: «عليكم أن تنظروا إلينا كشركاء متساوين... تركيا ليست دولة تحت إمرتكم لستم من الدرجة الأولى وتركيا ليست من الدرجة الثانية».
كما اتهم ما سماه «الدولة العميقة في ألمانيا» بالوقوف خلف إلغاء الفعالية كان سيحضرها وزير العدل التركي، قائلاً إن إلغاء الفعالية يأتي في إطار «الممارسات الممنهجة للدولة العميقة». وأوضح أن الضغوط الممنهجة التي تمارس ضد الأتراك في ألمانيا لن تنال من عزيمتهم، داعياً المسؤولين الألمان للتعاون مع أنقرة بهذا الشأن.
ولفت جاويش أوغلو إلى محاولة المسؤولين الألمان العام الماضي عرقلة اجتماع للرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع المواطنين الأتراك، عبر البث المباشر، حول المحاولة الانقلابية الفاشلة، في الوقت الذي أعطوا فيه الإذن لتنظيم حزب العمال الكردستاني اجتماعاً شارك فيه قادته. من جانبه، أكد وزير العدل التركي بكير بوزداغ أن قرار إلغاء الفعالية أكبر من أن تتخذه بلدية، واصفاً القرار بـ«الفضيحة»، وبأنه يتنافى مع اللباقة الدبلوماسية.
وقال خلال كلمة أمس (الجمعة) في ندوة بعنوان «النظام الرئاسي الجديد في عيون الشباب» في مدينة مالاطيا شرق تركيا: «لا يوجد درس ديمقراطي يمكن أن تتلقاه تركيا من ألمانيا، ونرى أن الأمراض القديمة عادت إليها».
وأضاف بوزداغ أن ألمانيا أصبحت ملاذاً لكل الإرهابيين الذين يستهدفون تركيا، وكذلك مرتكبي الجرائم في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها بلاده في 15 يوليو (تموز) الماضي والذين قالوا إن ألمانيا أصبحت قبلتهم، معتبراً منعه من المشاركة في فعالية بألمانيا «ممارسة فاشية».
بدوره، دان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، إلغاء الفعالية، قائلاً إن «هذه القرارات تكشف بشكل صريح الوجه الحقيقي لأولئك الذين يحاولون في كل مناسبة تلقين تركيا درساً في حرية التعبير والديمقراطية وإن صدور هذا القرار الفاضح من دولة تحتضن المنظمات الإرهابية يبعث على القلق فيما يخص مستقبل أوروبا».
ومن جانبه، انتقد كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية الذي يعارض النظام الرئاسي، قرار إلغاء الفعالية، قائلاً: «إن قرار إلغاء الفعالية من قبل الحكومة الألمانية خاطئ على الإطلاق، كيف لدولة أن تعطي دروساً في الديمقراطية، ومن ثمّ تلغي فعالية من المفترض أن يلقي فيها نوّاب حزب سياسي كلمة أمام المواطنين المغتربين؟».
وفي رد على الاتهامات التركية، أعلن المتحدث باسم الخارجية الألمانية سيجمار جابرييل أنّ قرار إلغاء الفعالية هو قرار محلي، لا علاقة للحكومة الفيدرالية الألمانية به، لافتاً إلى أن الحكومة الألمانية ستعمل كل ما بوسعها لإبقاء سبل الحوار قائمة بينها وبين تركيا.
ويعتقد مراقبون أن أنقرة وبرلين دخلا في سلسلة من الاستفزازات عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في يوليو الماضي على خلفية اتهام أنقرة لبرلين بدعم أنصار الداعية فتح الله غولن، المتهم من جانب السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.
وكان الأسبوع الماضي شهد استدعاء الخارجية الألمانية السفير التركي في برلين علي كمال احتجاجاً على توقيف الحكومة التركية لدنيز يوجال مراسل صحيفة «دي فيلت». وأعربت الخارجية الألمانية عن استنكارها لقرار توقيف الصحافي يوجال موضحة للسفير أن قرار التوقيف لا يمكن القبول به على الإطلاق.
وأوقفت السلطات التركية يوجال بتهمة ترويجه للإرهاب، وتحريض الشعب على الحقد والكراهية، وزرع بذور الفتنة بين الأكراد والأتراك، بالإضافة إلى عضويته في تنظيم إرهابي والقيام بنشر مضامين مخالفة للقانون.
وفي الإطار نفسه، انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مؤتمر صحافي مع الرئيس التونسي الباجي قائد السسي في تونس أمس (الجمعة) القمع المتزايد لحرية الصحافة والتعبير في تركيا، مؤكدة أن حرية التعبير في تركيا لم تحترم بشكل كامل، خصوصاً في قضية الصحفي الألماني يوجال المعتقل لدى السلطات التركية.
وعلقت ميركل، التي زارت أنقرة في الثاني من شهر فبراير (شباط) الماضي على أزمة التجمع الخاص بوزير العدل التركي، قائلة إن القرارات الخاصة بالتجمعات العامة تتخذ على مستوى محلي في ألمانيا.
وفي خطوة على صعيد تهدئة حدة التوتر، اتفق وزير خارجية تركيا وألمانيا خلال اتصال هاتفي أمس (الجمعة) على عقد لقاء الأربعاء المقبل، لبحث ملفات التوتر بين البلدين ومحاولة تهدئة الأوضاع والحفاظ على تطور العلاقات.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.