أسبوع باريس لـ«هوت كوتور»... ربيع وصيف 2017 يحن إلى حميمية أيام زمان

المصممون يتخبطون بين غزل الأحلام ونسج خيوط تربط الماضي بالمستقبل

TT

أسبوع باريس لـ«هوت كوتور»... ربيع وصيف 2017 يحن إلى حميمية أيام زمان

تأرجح أسبوع الـ«هوت كوتير» في باريس لربيع وصيف 2017 بين المبتكر المنفذ بحرفية عالية والتجاري المغلف باحترافية. بعض العروض جعلتنا نحلم، بينما ذكرتنا أخرى كيف تغير الأسبوع الذي كان في يوم من الأيام قاصرا على النخبة، ومنبرا يستعرض فيه المصمم قدراته وخصوبة خياله، إلى أسبوع يدعي فيه الديمقراطية، ويحاول فيه المصمم البقاء في الساحة بأي ثمن. ما أكده الأسبوع الأخير أن بيوت الأزياء العريقة في مجال «الكوتير» مثل «ديور»، و«شانيل»، و«فالنتينو»، غير محتاجة إلى بذل جهود كبيرة لإقناعنا بأهمية وجمال اقتراحاتها، فهي تتمتع بحرفيين متمرسين ينضوون تحت أجنحتها ويتعاملون مع المهنة بحب وفخر، على العكس ممن لا يمتلكون الإمكانيات الكبيرة نفسها، ومضطرون للبحث على ورشات متخصصة يتعاملون معها لتنفيذ فستان قد يتعدى سعره المائة ألف دولار بسهولة. هؤلاء قدموا أزياء تحاكي الـ«هوت كوتير»، ويقتصر فيها الترف على الأقمشة والتطريز. المشكلة في عروض هذا الموسم أنها افتقرت في السنوات الأخيرة إلى جموح الابتكار وجرأة الاختبار، وهو ما كان يدخل في صميم شخصيتها. فقد كانت في زمن الكبار مختبرا لأفكار قد يراها البعض فانتازية أو سريالية، لكن يتم تطويعها فيما بعد في الأزياء الجاهزة. لم يكن الهدف الأساسي من الـ«هوت كوتير» الربح التجاري بقدر ما كان منح الدار والمصمم على حد سواء «بريستيج» يترجم في مبيعات الأزياء الجاهزة والإكسسوارات والعطور ومستحضرات التجميل فيما بعد. وهذا تحديدا ما كان يعطي أي قطعة تحمل توقيع «هوت كوتير» خصوصيتها وتفردها ويجعلها تحاكي التحف الفنية. لا ننكر أن الأسبوع شهد عروضا مبهرة، لكن نعود ونقول إنه بعيدا عن الديكورات الضخمة التي تنافس الأزياء وأصبحت لصيقة ببعض بيوت الأزياء الكبيرة، تبقى الأزياء أهم ما في الأسبوع، علما بأن هذه الأزياء يجب أن تختزل كل معاني الترف والفخامة في كل غرزة وكل طية. فالديمقراطية هنا لا تنفع حتى وإن كنا في عصر «الإنستغرام». فامرأة مستعدة لدفع مئات الآلاف الدولارات لقاء قطعة فريدة لا شك ترفض رفضا باتا أن يراها الجميع على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تصل إليها، وربما هذا ما جعل بيوت أزياء مثل «فرساتشي» تختار عدم تنظيم عرض أزياء كبير كعادتها، مفضلة عرضا مصغرا استعرضت فيه فساتين لا تتعدى العشرين تصميما، قالت إنها سترحل بها إلى زبوناتها أينما كن عوض استعراضها أمام العالم. ما تبينته الدار أن زبونة الـ«هوت كوتير» لا تريد أن تشتري فستانا استهلك على شبكات التواصل الاجتماعي أو ظهرت به نجمة قبلها حتى وإن كانت من الصف الأول. هذه الزبونة تعرف أن لها سطوة، وأن كلمتها مسموعة، وبالتالي تطمع أن تحصل على تحفة مفصلة على مقاسها، والأهم من هذا لا سبيل لغيرها إليها. هذه الفلسفة أصبحت مهمة الآن أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى أن مفهوم الترف تغير وأصبح مشاعا لكل من لها الإمكانيات المالية، بغض النظر إن كانت تتذوق هذا الترف وتُقدره، أم فقط تستعمله للتباهي ووسيلة للانخراط في ناد لم تكن تدخله في الماضي سوى قلة من الأرستقراطيات والنخبويات.
ما تستخلصه أيضا من الأسبوع أنه ممزق بين الماضي الجميل والحاضر المضطرب، ما جعله يعاني من ازدواجية أقرب إلى الانفصام. فقد روض معظم المصممين جموحهم وتبنوا أسلوبا أرادوا منه التذكير بالزمن الجميل عندما كانت الأزياء الرفيعة تقدم في صالونات حميمة، لكنهم لم يستطيعوا أن يديروا ظهورهم لوسائل التواصل الاجتماعي تماما. صحيح أنهم خففوا منها بتقليص عدد المدونات وفتيات «الإنستغرام» اللواتي كن يحتللن المقاعد الأمامية على حساب محررات الموضة في المؤسسات التقليدية في المواسم الماضية، إلا أنهم لم يستطيعوا إلغاءها تماما. فالعملية اقتصرت على نوع من الغربلة، حفاظا على خصوصية العروض والزبونات اللواتي يحضرن العروض للشراء، وهو ما انعكس أيضا على الديكورات التي استعملت لتعكس جمال الأزياء لا أن تسرق الأضواء منها.
«شانيل» مثلا قدمت عرضها لربيع وصيف 2017 كالعادة في «لوغران باليه» الذي توسطته مرايا دائرية ممتدة من منصة العرض إلى أعلى، قالت الدار إنها استلهمته من مرايا توجد في مشغلها الواقع بشارع «غامبون» ومطبوعة بالآرت ديكو، فيما ظهرت على الجوانب مزهريات تحتضن باقات من السوسن الأبيض. غني عن القول إن هذه المرايا وانعكاسات الضوء عليها كانت خلفية رائعة للأزياء التي غلبت عليها ألوان فاتحة وهادئة مع زخات ماسية تخللت ثنايا كثير من التصاميم.
كعادته أكد كارل لاغرفيلد أنه ساحر يتمتع بقدرات تأثير هائلة بغض النظر عما يقدمه. استهل العرض بمجموعة من التايورات بخصور عالية زادتها الأحزمة التي تجلس تحت الصدر مباشرة وضوحا. لم تكن أجمل ما في العرض، بل يمكن القول إنها كانت صارمة إلى حد ما بأحجامها وسماكة أقمشتها، ولم تنجح الألوان ذات الدرجات الهادئة التي تتباين بين الأخضر والوردي والمشمشي والليلكي والأصفر، ولا الأحزمة في التخفيف من صرامتها. ما يشفع لها أنها مفصلة بأسلوب لا يُعلى عليه من شأنه أن يروق لسيدة أعمال أو شابة تريد أن تفرض وجودها وتعانق تضاريس جسدها. لحسن الحظ سرعان ما أتبعها بمجموعة تتميز بخطوط مستقيمة تتفرع وتتسع من أسفل فيما شرحت الدار بأنه مستوحى من شكل الملعقة، أو بالأحرى من تحفة فنية نحتها الفنان السويسري الأصل ألبرتو جياكوميتي في العشرينات من القرن الماضي تُعرف في الأوساط الفنية بـ«المرأة الملعقة» (Spoon Woman).. كارل لاغرفيلد ترجم هذا الشكل من خلال التفصيل المستقيم من الأكتاف إلى الركبة أو أسفلها، حيث يتسع التصميم إما نافشا ريشا وإما بكشاكش متفتحة. وإذا بدا هذا الشكل جديدا وغريبا للوهلة الأولى في القطع الموجهة للنهار، فإنه أخذ بُعدا أكثر أناقة وتفردا في أزياء المساء والسهرة. فهو على الأقل جديد، وهو ما يعتبر عز الطلب في هذا الموسم بالذات. لكن إذا كانت النية التمويه على تضاريس الجسم وإعطاء الانطباع بالرشاقة فإن العملية تحتاج إلى بعض التدبير والتنسيق، وربما هذا ما جعل الحزام جزءا لا يتجزأ في هذه التشكيلة. فالمصمم هذه المرة لم يحتفل بالنحافة كعادته وعانق الأنوثة بكل تناقضاتها، وهو ما يمكن اعتباره مُنعشا بالنسبة لمصمم لم يخف يوما ميله إلى المرأة النحيفة. لمناسبات السهرة والمساء قدم فساتين تخاطب كل الأذواق والأجيال مثل فستان أسود على شكل معطف طويل بياقة عالية ظهرت به العارضة جيجي حديد، وآخر يتميز بخصر عال وكشاكش من الريش من أسفل ظهرت به العارضة كيندل جينر. ويبدو أن الريش كان ملحا على المصمم لأنه اكتسب قوة غير مسبوقة في هذه التشكيلة، حيث ظهر إما في أكمام وإما حواشي مجموعة لا بأس بها من التصاميم. من ناحية الألوان فإن الدرجات الهادئة غلبت حتى على فساتين السهرة، من اللون الأبيض إلى الوردي، فيما أضفى اللون الماسي كثيرا من البريق عليها.
الحديث عن البريق يجعل اسم إيلي صعب أول ما يقفز إلى الذهن، لأنه عاد إليه في هذه التشكيلة من خلال التطريز السخي. على غير عادته، لم يكن الهدف الأول لإيلي صعب أن يبيع لنا حلما بقدر ما كان إحياء ذكرى أيقظت كثيرا من الحنين إلى ماضينا الجميل. كانت مصر ملهمته، حيث غرف من نيلها زرقة وصفاء ألوانه، ومن سينما الأبيض والأسود كلاسيكية كل قطعة تعانق الجسم بأنوثة لا تخطئها العين، ومن جمال ورقي نجمات الخمسينات والستينات أناقة التشكيلة ككل. كان العرض لقاء حميما بفاتن حمامة وهند رستم وتحية كاريوكا وسامية جمال وغيرهن. وحسب تصريح إيلي صعب فقد «كان الكل أنيقا في مصر أيام عزها، عندما كانت تُعرف بهوليوود الشرق». ورغم أن التركيز كان على الماضي القريب، كانت هناك أيضا ومضات تستحضر حضارة الفراعنة، مثل عين واقية من الحسد باللون الأزرق مطرزة على تنورة مستديرة في فستان طويل وغيرها. القول إن إيلي صعب استخدم البريق والتطريز بجرعات خفيفة وموزونة لن يكون صحيحا، لأنه أظهر كرما في استعمال الخرز والترتر والأحجار غاب من عروضه لعدة مواسم. ومع ذلك لم يُسبب هذا الكم زغللة أو تخمة بل العكس تماما، فكل فستان كان يمر من أمامك يُنسيك ما سبقه لتكتشفي كم أنت عطشانة لماء النيل والعوم في زرقته. هذا لا يعني أن الأزرق، بدرجاته المتباينة بين السماوي الهادئ والداكن، كان اللون الوحيد أو الأقوى، لكنه أكثر ما يعلق بالبال، بل كان هناك تعادل بينه وبين ألوان أخرى مثل الذهبي والبيج المتلون بدرجات متنوعة، فيما كان القاسم المشترك بينها جميعا بريق الماس والترتر والأحجار، ما جعل العرض مثيرا بالنسبة للضيوف العرب تحديدا، ليس توزيع الموسيقى الذي جمع الغربي بالعربي فحسب، بل كونها ثاني مرة يستقي فيها المصمم من الجغرافيا العربية. المرة الأولى كانت تشكيلة «شمس بيروت» التي اعتمد فيها لونا واحدا، هو الذهبي، وحينها لم يتصور أحد أن ينجح في إعطاء لون واحد عدة شخصيات من دون أن يصيب بالملل، وهو ما تكرر في هذه التشكيلة التي أغرقها بالتطريز ومع ذلك اكتسبت توازنا عجيبا. تجنب المصمم الغرف من الثقافة العربية إلى حد الآن، ربما يعود إلى خوفه من النمطية كما قد يكون خوفا من الوقوع في مطب الكليشيهات والفولكلور. تشكيلته لربيع وصيف 2017 أكدت أنه لا خطر عليه من هذا الأمر، فالتطريز كان عصريا كذلك الدمج بين الألوان، لتكون النتيجة فساتين تقطر برومانسية تعشقها زبونته، ولا شك ستشكره عليها وهي تتخايل بها هذا الصيف.
في المقابل قدم جون بول غوتييه تشكيلة تفتقر إلى بريق الترتر والخرز، واكتفى فيها بالتفصيل الذي يُتقنه. فمنذ أن اعتزل تصميم الأزياء الجاهزة وتفرغ لـ«هوت كوتور» وشقي الموضة الفرنسية كما يحلو لصناع الموضة تسميته، يعطي الانطباع بأنه لا يأخذها بجدية. فنجاح عطوره ومبيعاتها تكفي لاستمراره وتغذية رغبته في إبداع قطع تُعبر عن فلسفته قبل أن تستجدي رضا الأسواق العالمية. الأزياء التي قدمها في الأسبوع الماضي أكدت أنه لا يزال في جعبته كثير، من الناحية التقنية على الأقل، أما اللهو والمرح فما هما إلا لغة مسرحية وبهارات تخفي بين طياتها الكثير من الحرفية والقدرة على التفصيل سواء في تايورات «توكسيدو» أو في فساتين منسدلة تستحضر أميرات الأساطير. القصة التي نسجها المصمم هذه المرة جرت أحداثها في الحقول والمزارع بطلتها فتاة قروية تعيش حياتها بالطول والعرض غير مبالية بأي تفاصيل من شأنها تقييد حريتها، على كل المستويات. لم يقدم المصمم جديدا لم نره من قبل في عروضه، لكنه على الأقل ظل وفيا لأسلوبه، وهذا ما جعل الإخراج المسرحي مهما بالنسبة له للتمويه على المألوف الذي يعتبر مضادا للموضة. الطريف أننا بتنا نعرف مسبقا أنه لن يقدم تصاميم ثورية، كما بتنا نتوقع السيناريو نفسه الذي هو عبارة عن موسيقي يعزف على المنصة أو راقصة تتلوى بفستان فني، ثم ظهور جون بول غوتييه وهو يجري على طولها بعد انتهاء العرض مثل الطفل الذي نجح في الامتحان، ومع ذلك يبقى دائما من العروض التي يتحمس لها الجميع ويترقبونها، لأنها دائما ممتعة تُشعرك بأنك جزء من المسرحية ولست مجرد متابع لها من بعيد. تُشعرك أيضا بالتعاطف مع مصمم يسبح ضد التيار في زمن لم يعد هو الزمن الذي تعود عليه، فيما يمكن اعتباره شجاعة وتمردا على الحال التي آلت إليها الموضة، أو إيمانا بأسلوبه واحتفالا بحريته بعيدا عن إملاءات الأسواق.
وإذا كان جون بول غوتييه ركز على فساتين وتايورات مفصلة تناسب واقع امرأة عملية في حال تعاملت معها بحنكة وذوق، فإن الثنائي الهولندي «فكتور آند رولف» قدما تشكيلة تحمل رسالة نبيلة تمحورت على حماية البيئة والتمرد على الموضة السريعة. ترجما هذه الرسالة باستعمالهما أقمشة مستعملة أعادا تدويرها وتوظيفها بذوق في فساتين تعبق بإيحاءات من الثمانينات، كما تستحضر عهد ماري أنطوانيت وحفلات البلاطات الفخمة بكشاكشها واستدارتها.
التلاعب بالأقمشة المستعملة ليست فكرة جديدة، فقد سبقهما إليها مارتن مارجيلا في الثمانينات، وكانت حينها ردة فعل على الفخامة والبذخ اللذين شهدتهما الموضة في تلك الحقبة، لكن ما يُحسب للثنائي فكتور هورستينغ ورولف سنورين أنهما صبا فيها كثيرا من الحداثة والحيوية، رغم نكهتها السكرية في بعض الحالات. بعد العرض شرح المصممان أن هدفهما لم يكن تقديم أزياء رائعة الجمال ودقيقة التفاصيل لا تخلو من أخطاء، بل العكس تماما، فمن الفوضى يولد الجمال أحيانا، لهذا تعمدا أن تبدو بعض الأجزاء ممزقة أو مرقعة بتقنية الباتشوورك، التي كان من الصعب تصورها في موسم يقوم على الفخامة أولا وأخيرا. ورغم أن الثنائي الهولندي لا يهتم عادة بالجمال بقدر ما يهتم بالفنية التي تخلق حوارا فلسفيا وفكريا، فإنهما هذه المرة لم يستطيعا تجنب العنصر الجمالي الذي تسلل إلى كثير من الفساتين لا سيما ذات التنورات المستديرة.
رغم كم الإبداع الذي تابعناه في أسبوع لربيع وصيف 2017، فإن أكثر من عبر عن روحه واختزلها هو الإيطالي بيير باولو بيكيولي، مصمم «فالنتينو»، باقتباسه من مسرحية «العاصفة» لشكسبير مقولة الساحر بروسبيرو «إنها من الأمور المغزولة بالأحلام» التي أسقطها على الـ«هوت كوتير»، ليؤكد لنا أننا في موسم بيع الحلم. واعترف بيكيولي أنه لم يكتف بشكسبير واقتبس أيضا من فلوبير مقولته بأن «الهدف من الفن هو صنع الأحلام»، وما قدمه في اليوم الأخير من الأسبوع كان فنا بكل المقاييس. غني عن القول إن قلة تتحقق أحلامها، في حين تبقى أزياء هذا الموسم بالنسبة للغالبية منا مجرد أحلام تدغدغ الخيال من بعيد. كانت هذه أول تشكيلة «هوت كوتير» يقدمها المصمم لـ«فالنتينو» بشكل منفرد، بعد مغادرة نصفه الثاني في العمل ماريا غراتزيا تشيوري الدار، لتكون أول مصممة تدخل «ديور» منذ تأسيسها. هي الأخرى قدمت تشكيلة حالمة استوحتها من غابة مسحورة تسكنها الجنيات، واستغلت فيها كل إمكانيات «ديور» لتعبر عن حلمها من خلال أزياء عصرية ترقص على نغمات رومانسية. لكن الفرق بينهما شاسع، فماريا غراتزيا في أول الطريق ويلزمها بعض الوقت لتتشرب تاريخ وعراقة الدار وتُتقن لغتها الفرنسية، وهو ما يختلف بالنسبة لبيكيولي. فهو لم ينسلخ عن المحيط الذي يعرفه جيدا، وبالتالي كان من السهل عليه أن يقف شامخا على قدميه ولوحده، حسبما أكدته تشكيلة تقمص فيها دور نحات تارة ودور شاعر أو بائع أحلام تارة أخرى. كل ما فيها ضج بالحرفية والتعقيد المبسط، وعدم الارتباط بفترة زمنية، رغم أن أساطير اليونان كانت حاضرة فيها.
فقد أطلق على كل قطعة اسم شخصية من هذه الأساطير مثل إيروس، وإيكارو، وأبولو، أثينا وهلم جرا. فستان أثينا مثلا جاء على شكل معطف طويل من الكشمير باللون العاجي تخللته تطريزات خفيفة، بينما استعمل في فستان أبولو، إله الشمس، تقنية على شكل ضفائر مجدولة من الموسلين والتول دمج فيها ما لا يقل عن 15 درجة من اللون الأصفر. أما اللغة الشاعرية التي استعملها فتجسدت في خطوط منسدلة من الأكتاف إلى القدمين، أغلبها بألوان فاتحة وهادئة تصدمك ببساطتها الراقية، فيما جاء بعضها الآخر مطرزا بدقة وكأنه حديقة أزهار متفتحة بفضل تقنية الماكارمي التي تطلبت قرابة ألفي غرزة تقريبا.
وكأنه خاف على كل هذا الجهد من التلف وتعمد تغطيته بالتول الذي لعب دور ستارة خفيفة زادت القطعة جمالا. البليسيهات أيضا كانت قوية في بعض الاقتراحات وكانت تتحرك بحرية، لكن من دون أن تخرج عن الخط المرسوم لها.
لا شك أن هذا العرض بالذات كان مهما بالنسبة لبيير باولو بيكيولي، تماما مثل ما كان لماريا غراتزيا تشيوري. فكل الأعين كانت منصبة عليهما نظرا لشعبيتهما كشريكين عملا في «فالنتينو» لنحو 25 عاما، ونجحا أن يكونا خير خلف للمؤسس غارافاني فالنتينو الذي حضر العرض، وكان مثل كل الضيوف مشدوها. بينما قدمت تشيوري تشكيلة حالمة أقدامها في الأرض، وقدم بيكيولي تشكيلة حالمة تحلق في السماء بقوتها، وكانت كل ما نحتاجه لكي نتأكد من قوة الـ«هوت كوتير»، وأهميتها في الحاضر والمستقبل.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.