«ديلفو» جوهرة تغلفها بلجيكا بالسرية حفاظًا على نخبويتها

مصممة الحقيبة كريستينا زيللر: يصعب التحكم في انتشارها مع الوقت لكن نستطيع السيطرة على جودتها وتفردها

كريستينا زيللر في مكتبها  -  يتم الانتباه إلى كل شائبة والتخلص منها قبل تحويل القطعة الجلدية للدباغة وقسم التصميم
كريستينا زيللر في مكتبها - يتم الانتباه إلى كل شائبة والتخلص منها قبل تحويل القطعة الجلدية للدباغة وقسم التصميم
TT

«ديلفو» جوهرة تغلفها بلجيكا بالسرية حفاظًا على نخبويتها

كريستينا زيللر في مكتبها  -  يتم الانتباه إلى كل شائبة والتخلص منها قبل تحويل القطعة الجلدية للدباغة وقسم التصميم
كريستينا زيللر في مكتبها - يتم الانتباه إلى كل شائبة والتخلص منها قبل تحويل القطعة الجلدية للدباغة وقسم التصميم

قبل أن تولد «هيرميس» بثماني سنوات، وبلجيكا كملكية دستورية بعام، ولدت «ديلفو» في عام 1829، مما يجعلها أقدم دار إكسسوارات في العالم. صحيح أن اسمها ليس متداولاً في ساحة الموضة، إلا أن الدار تتعمد ذلك خوفًا عليها من الاستهلاك، إضافة إلى أنها كانت - ولا تزال - مفخرة بلجيكا، تمامًا مثلما هي «هيرميس» بالنسبة لفرنسا و«لويفي» لإسبانيا. مصممتها كريستينا زيللر تقول إن أحد أسباب عدم شهرتها يعود إلى شخصيتها البلجيكية التي لا تميل إلى نفش ريشها والتغني بنفسها «بيد أن ما تعرفه أية بلجيكية من الطبقات الأرستقراطية أو العامة أن حقيبة تحمل توقيع (ديلفو) هي أغلى هدية تُقدم عند التخرج، أو عندما تبلغ الفتاة الـ18 من عمرها». فهي تُسجل أهمية المناسبة من جهة، كما تبقى معها إلى الأبد لتورثها لبناتها من جهة ثانية، لا سيما أن تصاميمها كلاسيكية وجلودها فاخرة تتحدى الزمن.
هذا تحديدا ما تشعر به وأنت تتطلع إلى صور التقط بعضها في الخمسينات من القرن الماضي تُزين حائطًا كاملاً في مقرها الرئيسي ببروكسل، وتُعطيك الانطباع كما لو أنها التقطت بالأمس القريب.
مقر الدار تم ترميمه وافتتاحه أخيرًا بمعمار عصري للغاية، بنوافذ عالية تصل إلى السقف، ومساحة شاسعة تشمل الطابق الأرضي، حيث يوجد في جانب منه مخزن يحتوي على كميات هائلة من كل أنواع الجلود المترفة، وفي جانب آخر المعمل الذي تتم فيه عمليات تنفيذ وإنهاء رؤية كريستينا زيللر وفريقها. امرأة لا تستطيع أن تخمن عمرها الحقيقي، وكل ما تشي به، بطولها الفارع وأناقتها اللافتة، أنها قد تكون عارضة أزياء سابقة. في الطابق الأول، حيث توجد مكاتب الرسم والإبداع، استقبلتني بقميص أبيض بسيط وبنطلون أسود واسع يغطي نصف الساق، بينما غطيت أصابعها بخواتم هندسية مبتكرة تذكرك بأننا في بلجيكا، عاصمة التصميم الحداثي. وعلى شماعة خلفها، علقت معطفًا واسعًا لا يقل حداثة من تصميم البلجيكي راف سيمونز.
تكتشف سريعًا أن كريستينا زيللر بالفعل وُلدت في وسط يتنفس الموضة. فوالدتها كانت عارضة أزياء مشهورة في الخمسينات من القرن الماضي، ومنها ورثت جيناتها وحبها للأناقة.
ورغم أن كريستينا درست الصحافة، وبالتالي فهي ليست مصممة أزياء بالمعنى المتعارف عليه، فإن هذا لم يمنع «ديلفو» من الاستعانة بخبرتها الطويلة في مجال الموضة. خبرة اكتسبتها من العمل في دور أزياء كبيرة، مثل موسكينو في الثمانينات، ثم كريستيان لاكروا وكارل لاغرفيلد وجيفنشي. في هذه الأخيرة، عملت لعشر سنوات تقريبًا، وكانت لها يد كبيرة في طرح حقائب حققت نجاحات تجارية، مثل «أنتيغونا» و«باندورا» وغيرهما. تشرح لي أن العمل التجاري والإداري هما خلفيتها المهنية، لكنها تضيف ضاحكة:
«أنا مثل الحرباء، يمكنني أن أتأقلم مع أي وضع جديد. عندما عملت مع كارل لاغرفيلد، مثلاً، كانوا ينادونني بمدام كارلا تفكهًا لأني تقمصت الدور جيدًا، وعندما التحقت بـ(ديلفو)، انتابني شعور غامر بأنها تعكس شخصيتي، وتمثلني إلى حد أني لم أبذل أي مجهود يُذكر للتأقلم معها».
كلما زاد الحديث معها، تتأكد أن «ديلفو» كانت لها نظرة ثاقبة في اختيارها، ليس لما تُمثله من ذوق رفيع فحسب، بل أيضًا لفهمها ما تريده المرأة.
ورغم أن زيللر هي سفيرة الدار، بمعنى أنها تمثل قسم التصميم، فهي لا تدعي أنها مصممة بالمعنى المتعارف عليه. فالدار كما تقول «تتوفر على مصممين متخصصين، فيما تقتصر مهمتي على الإشراف عليهم وقيادتهم». وتتابع بسرعة: «ثم إننا لسنا مطالبين بتقديم تصاميم ثورية بقدر ما نحن مطالبون بتطوير ما هو موجود في أرشيفنا الغني. فنحن نتناقش بشكل منتظم، إن لم نقل يومي، للوصول إلى نتيجة تُرضي كل الأطراف، والأهم من هذا لا ننسى أبدًا أصالة الدار وعراقتها».
تواضعها وعدم ادعائها أنها تطمح لإبداع تصاميم مبتكرة وثورية في عالم التصميم، يشير إلى تشبعها بالثقافة البلجيكية، خصوصًا عندما تضيف أنها أدركت منذ أول يوم التحقت فيه بـ«ديلفو»، في عام 2011، أن مهمتها تنحصر في أخذ الدار إلى مرحلة جديدة، بالبناء على ما هو موجود، بمعنى تطويره و«عصرنته»، لا أكثر ولا أقل.
في الوقت ذاته، لا تخفي أن نقلتها من بيوت أزياء معروفة تمتلكها مجموعات ضخمة لها إمكانيات تسويق عالمية إلى دار لا تعرفها سوى النخبة، كانت شجاعة من قبلها. فهي نفسها لم تكن تعرف عن «ديلفو» سوى أنها دار بلجيكية تصمم حقائب مترفة ونخبوية للغاية، لكن «ما إن قمت بأبحاث عن تاريخها، وتعرفت على مبادئها عن قرب، حتى وقعت في غرامها». وتكرر أن ما شدها أكثر إليها أنها غير مستهلكة، ولا تزال مغلفة بالسرية «مثل جوهرة قيمة لا تتطلب سوى القليل من التلميع والصقل لإخراجها من المحلية»، مضيفة: «وكونها لم تتوسع لتصميم الأزياء، مثل (هيرميس) و(لويس فويتون) يُحسب لها، وليس ضدها». فهذا يعني أن التركيز ينصب على تقديم حقائب متميزة وفريدة من نوعها. أما التحدي بالنسبة لكريستينا حاليًا «فلا يكمن في الانتشار، بل في الاستمرار والحفاظ على النجاح الذي حققناه»، آخذة بعين الاعتبار أهمية ألا تقع في مطب الغرف الحرفي من الأرشيف. فهي تستقي عناصر معينة، مثل الإيزيم أو مسكة اليد، لتطويرها، وتضيف إليها خامات وألوانًا جديدة تُكسبها ديناميكية هي كل ما تحتاجه لدخول المنافسة العالمية. فهي كما تشرح لا تريد أن تقدم تصاميم بطابع الـ«فينتاج» الذي «قد يبدو رائعًا عندما تكون المرأة صغيرة في العشرينات من العمر تسرق معطفًا من خزانة جدتها أو إكسسوارات من صندوقها القديم، لكن هذه ليست هي زبونتنا».
لكن يبقى السؤال عما إذا كانت ستنجح في الحفاظ على نخبوية الدار وتفردها، وفي الوقت ذاته تحقيق الأرباح. فهذه هي المعادلة التي تسعى إليها مستشهدة بامرأة قابلتها في حفل عشاء في شانغهاي، لم تسمع عن الدار من قبل، لكن خرجت من الحفل وهي معجبة بمبادئ الدار البلجيكية، ولم تُقاوم نشر رسالة على «إنستغرام» في اليوم التالي، تقول فيها: «ديلفو ماركة المرأة التي لا تحتاج إلى ماركة»؛ جملة لخصت بالنسبة لكريستينا ما تقوم عليه الدار منذ بدايتها إلى اليوم.
المتتبع لتاريخ الدار يتبين أنها شهدت عدة تغيرات منذ تأسيسها في عام 1829، لكن تبقى أصالتها وعراقتها على رأس أولوياتها دائمًا.
فقد تخضع معاملها البلجيكية لعمليات تجميل تتجلى في معمارها العصري والآلات الحديثة، إلا أن تقنياتها لا تزال تحترم طرق دباغة تحترفها منذ أكثر من قرن، إلى جانب تقنيات تقليدية خاصة بها لمعالجة الجلود. فهي، مثلاً، لا تزال تتعامل مع كل سنتمتر على حدة، تتخلص من شوائبه حتى لو كانت مجرد نقطة أو خطًا رفيعًا لا تراهما العين المجردة. وتشمل العملية الحقيبة من الداخل والخارج على حد سواء، فيما قد تستغرق أكثر من 25 ساعة من العمل اليدوي عليها، علمًا بأن حقيبة واحدة يمكن أن تتكون من 64 جزء حتى تأتي متكاملة من كل الجوانب، ومن ثم تستحق مكانتها في سوق الترف والرقي. كل هذا من دون مبالغات تستجدي لفت الانتباه لأن الأناقة بالنسبة لـ«ديلفو» ترادف البساطة.
عندما أذكرها بمجموعة «بوسيير ديتوال» Poussière d’étoiles التي طرحتها نهاية العام الماضي، وكانت جريئة بنقشاتها الذهبية والهندسية المستوحاة من الفنان غوستاف كليمت، مشيرة إلى أنها كانت موجهة لأسواق تعشق كل ما يلمع ويشي بالفنية، تسارع بتصحيحي قائلة «كونها تعتمد على أشكال فنية وهندسية يجعلها لا تتعارض أبدًا مع مفهوم الأناقة الراقية التي أقصدها. ثم لا تنسي أنه لا بد من تحقيق نوع من التوازن بين الفني والتجاري، أي أن نبيع حقائبنا حتى تُستعمل وإلا ما الفائدة منها؟ المهم أن النجاح التجاري لا يجب أن يأتي على حساب الذوق، وهذا يعني عدم تسرع النجاح، وتقليد استراتيجيات الآخرين، فنحن نتمتع بشخصيتنا الفريدة».
وتستطرد مبتسمة كما لو أنها تذكرت شيئًا مهمًا: «لقد قرأت جريدة (الشرق الأوسط) هذا الصباح، وشدني موضوع عن الموضة جاء فيه أن البساطة هي قمة الأناقة، وهذا يعني أننا على الموجة نفسها، فما لا يعرفه كثير من الناس أن البساطة أكثر صعوبة من التطريزات وما شابهها». ما ترمي له المصممة أننا قد نعيش حاليًا حركة قوية في الترصيع والزخرفة، لكن يبقى لكل واحد أسلوبه ولغته؛ كان واضحًا أنها تشير إلى «غوتشي» التي تحقق كثيرًا من الأرباح بأسلوبها المائل إلى «الماكسيميلزم»، وهو ما يتنافى مع المدرسة البلجيكية عمومًا وفكرة «ديلفو» عن الأناقة.
ولحسن الحظ أن خريطة الموضة واسعة يمكنها احتواء كل التوجهات، فبينما تحقق «غوتشي» بسخاء تطريزاتها وتوهج ألوانها أرباحًا غير مسبوقة، فإن نتائج «ديلفو» السنوية الأخيرة تؤكد هي الأخرى ارتفاعًا ملموسًا يؤكد أنها تسير في الطريق الصحيح، وبأن هناك سوقا للترف الهادئ تُحركه زبونات يردن منتجات لا مثيل لها وغير مُستهلكة بشكل كبير. لكن هذا لا يعني بقاء الدار نخبوية أو سرية، فهناك استراتيجيات للتوسع العالمي، وإن كانت محدودة ومدروسة. فاليوم الذي سيزيد فيه الإقبال على حقائب «ديلفو» سيأتي لا محالة، وهو ما تطمح إليه كريستينا وتتخوف منه على حد سواء، مشيرة إلى أنها مستعدة له. سلاحها هو تاريخ الدار وحرفيتها قائلة: «قد لا نستطيع التحكم في نوعية الزبونات مع الوقت، لكننا نستطيع التحكم في التصميم والجودة والدقة.. هذه الأشياء لن تتغير ولن نتنازل عنها أبدًا... فنحن لسنا دار ترف فحسب، بل دارا استثنائية في هذا الخصوص».
على هذا الأساس ترفض الدار الاعتماد على الإعلانات التجارية في المجلات وغيرها، فزبوناتها كافيات لنشر اسمها في الأوساط التي تهمها، وهو ما يحول لحد الآن دون أن تتحول «ديلفو» إلى سلعة مستهلكة. ومع ذلك، فإن هذا لم يصد فتيات مجتمع ونجمات من مثيلات أوليفيا باليرمو، وسيينا ميللر، وأليكسا تشانغ، وريهانا وكايتي هولمز، وغيرهن، بالعمل كسفيرات لها بمحض إرادتهن بعد أن أغوتهن تصاميم الدار، لا سيما حقيبة مستلهمة من حقيبة {مارغريتا» الكلاسيكية القديمة كُتبت عليها جمل طريفة ومعبرة مثل «Ceci n’est pas un Delvaux» التي أكدت أن الشخصية البلجيكية ليست جادة أو خجولة دائمًا، بل تتمتع أيضًا بروح نكتة ومرح.
** محطات في تاريخ الدار
* 1829: تأسست على يد شارل ديلفو ببروكسيل
* 1835: ومع انطلاق أول خط سكك حديدية في أوروبا رابطًا بلجيكا بباقي المناطق المجاورة، أصبح السفر جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العامة، الأمر الذي كان في صالح ديلفو، صانع حقائب وصناديق السفر آنذاك. وزاد الأمر أهمية في عام 1875، عندما أصبحت بلجيكا تتوفر على أكبر شبكة سكك حديد في العالم.
* 1880: انتبه شارل ديلفو إلى أن المرأة تحتاج لحقائب سفر تحملها، فيها أغراضها الشخصية التي لا تستغني عنها.
* 1908: طرحت لأول مرة حقائب للمرأة بخامات وألوان أنيقة
* في عام 1933: انتلقت ملكية الدار إلى فرانز شوينكير الذي حولها إلى دار إكسسوارات فاخرة و«على الموضة». فقد طرح حقائب يد فريدة شدت انتباه الطبقات الأرستقراطية الأوروبية التي باتت تترقب ما يطرحه في كل موسم. فقد كان أول من بدأ تقليد طرح تصاميم موسمية أسوة بعالم الأزياء، وتحديدًا بـ«الهوت كوتير».
* 1970: بعد وفاة فرانز شوينكير، تولت زوجته سولانج قيادة الدار، وجعلتها أكثر مواكبة للموضة
* 2011: انتقلت ملكيتها لعائلة فونغ من هونغ كونغ، التي تملك حاليا 80 في المائة منها، بينما لا تزال حصة 20 في المائة ملكًا عائليًا.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.