مستشارة ترامب: حظر الدخول يتعلق بالبلدان التي «تصدّر» الإرهابيين

الرئيس المنتخب يجدد دعوته لتنفيذ فحص دقيق للمسلمين الأتين من الخارج

مستشارة ترامب كليان كونواي تجيب عن أسئلة الصحافيين لدى وصولها إلى برج ترامب في صورة تعود إلى الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مستشارة ترامب كليان كونواي تجيب عن أسئلة الصحافيين لدى وصولها إلى برج ترامب في صورة تعود إلى الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مستشارة ترامب: حظر الدخول يتعلق بالبلدان التي «تصدّر» الإرهابيين

مستشارة ترامب كليان كونواي تجيب عن أسئلة الصحافيين لدى وصولها إلى برج ترامب في صورة تعود إلى الشهر الماضي (أ.ف.ب)
مستشارة ترامب كليان كونواي تجيب عن أسئلة الصحافيين لدى وصولها إلى برج ترامب في صورة تعود إلى الشهر الماضي (أ.ف.ب)

قال الرئيس المنتخب دونالد ترامب إنه لا يزال يعتزم فرض حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وإنشاء سجل خاص للمسلمين داخل الولايات المتحدة، وذلك في أعقاب الهجوم الإرهابي الأخير التي استهدفت سوق أعياد ميلاد في برلين الاثنين الماضي، وأدّى إلى مقتل 12 شخصا وإصابة 48 آخرين.
في غضون ذلك، أوضحت كيليان كونواي، مديرة حملته سابقا ومستشارته، أن الحظر سيقتصر على الآتين من بلدان تصدّر الإرهابيين.
وفي حديثه للصحافيين من منتجعه في بالم بيتش في ولاية فلوريدا، جدّد ترامب دعوته لتنفيذ فحص دقيق للمسلمين الآتين من الخارج والسكان المسلمين الأميركيين الذين يبلغ عددهم نحو 3 ملايين شخص داخل الولايات المتحدة. وقال ترامب للصحافيين حول الهجمات الإرهابية في برلين: «أنتم تعرفون خططي منذ فترة، وقد ثبت أنني على حق»، موضحا أن أعمال العنف في أوروبا وتركيا تثبت أن مقترحاته حول المسلمين صحيحة مائة في المائة، وواصفا ما يحدث من هجمات إرهابية بـ«الشائنة والفظيعة». وأشار ترامب إلى أن الهجوم الإرهابي على السوق ببرلين ليس اعتداء على المسيحيين، وإنما «اعتداء على الإنسانية، ويجب وقفه».
وكان ترامب يتحدث لوسائل الإعلام مساء الأربعاء الماضي عقب اجتماع عقده مع جنرالات وزارة الدفاع الأميركية في بالم بيتش بولاية فلوريدا، واجتماع مع مستشار الأمن القومي المقبل الجنرال مايكل فالين. وناقش ترامب مع كبار قادة الجيش سبل خفض الإنفاق العسكري، لا سيما التكلفة الباهظة لبرنامج المقاتلة القاذفة «إف - 35» الذي قال عنه الأسبوع الماضي إنه «خارج عن السيطرة»، وفق ما نقلت وكالة «رويترز». وجرى اللقاء في نادي مارالاغو الفخم الذي يملكه الملياردير في فلوريدا، وذلك بعد أسبوع من التغريدة التي نشرها ترامب وقال فيها إن «برنامج (إف – 35) وتكلفته، خارج عن السيطرة».
وفي وقت لاحق، قال جيسون ميلر، المتحدث باسم الفريق الانتقالي، إن «خطط ترامب ستزعج هؤلاء الذين يضعون رؤوسهم في الرمال»، وأضاف: «كان الرئيس المنتخب واضحا بأننا سنعلق قبول هجرة هؤلاء الآتين من بلدان ذات معدلات عالية في الإرهاب، وسنقوم بتطبيق إجراءات تدقيق صارمة على الذين يسعون لدخول الولايات المتحدة، من أجل حماية أرواح الأميركيين». ولم يعلق مسؤولو الفريق الانتقالي حول فرض حظر شامل على المسلمين.
يذكر أن ترامب قد تراجع قليلا عن تصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) 2015 طالب فيها بتعليق مؤقت لهجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة، وقال إنه يدعو لـ«وقف تام وكامل لدخول المسلمين الولايات المتحدة حتى يتسنى معرفة ما يجري».
وقد جاءت تلك التصريحات في أعقاب الهجمات الإرهابية في باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وفي ذلك الوقت غرد ترامب عبر «تويتر» قائلا: «علينا أن نكون أشداء وأذكياء ويقظين». وأشار جيسون ميلر إلى أن كريس كوباش، مستشار ترامب، يدرس مع فريقه الطرق المناسبة لتنفيذ خطة لتسجيل المسلمين داخل الولايات المتحدة.
بدورها، قالت كليان كونواي مديرة حملة ترامب، التي أعلن تعيينها مستشارة بالبيت الأبيض للإدارة المقبلة أمس، في تصريحات لشبكة «سي إن إن» إن الرئيس المنتخب لا يسعى لفرض حظر على المسلمين استنادا إلى الانتماء الديني، ونفت مرارا أن يكون الانتماء الديني هو الأساس للفحص والتدقيق. وأوضحت أنه «سيتم التركيز على بلد المنشأ، فنحن بحاجة إلى سياسات أفضل للتدقيق في البلدان التي تدرب وتصدر الإرهابيين إلى ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وفرنسا، وعلينا حماية أميركا من الهجمات الإرهابية العشوائية المستوحاة من فكر (داعش)، حتى لو لم يقم (داعش) بتنفيذها». وتابعت: «لقد تحدثنا عن فحص الناس، وثارت الدنيا، وقالوا إننا مجانين، وإنه (ترامب) لا يستطيع أن يفعل ذلك، حسنا؛ لم لا؟ إذا كنت لا تعرف سببا معقولا هنا، فلماذا لا ننظر إلى الاتجاه الآخر؟».
وشدّدت كونواي على ضرورة استخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامي المتطرف» الذي رفض الرئيس أوباما مرارا استخدامه، وقالت: «عليك أن تكون على استعداد لتسميته لتستطيع هزيمته». وهاجمت المنافسة السابقة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وقالت إنها «لم تسمهم (إرهابيين)، وأطلقت عليهم اسم (أعداء) فقط».
وأضافت كونواي لمذيع برنامج «يوم جديد» بشبكة «سي إن إن»: «أنت تتحدث عما قاله منذ أكثر من عام عن حظر للمسلمين، مقابل ما قاله في وقت لاحق عندما حدد الأمر أكثر، وتحدث عن البلدان التي نعرف أنها لديها مواقع تدريب للإرهابيين وتقوم بتصدير الإرهابيين». ونفت كونواي أن يكون ترامب قد غير موقفه، وقالت إنه «لا يغير موقفه عندما يواجه انتقادات»
وكان ترامب قد أعلن صباح أمس تعيين كليان كونواي في منصب مستشار للرئيس في الإدارة المقبلة، وقال بيان الفريق الانتقالي: «ستواصل كونواي دورها مستشارةً مقربةً من الرئيس، وستعمل مع القيادة العليا لتنفيذ الأولويات والإجراءات التشريعية والإدارية».
بدوره، قال ترامب، في بيان، إن «كونواي مستشارة موثوق بها، ومستشارة استراتيجية، لعبت دورا حاسما في تحقيق فوزي، وهي منفذ عنيد لا يكل ولا يمل لتنفيذ جدول أعمالي، ولديها رؤية مذهلة حول كيفية التواصل بشكل فعال لتوصيل رسالتنا، ويسرني أنها ستكون جزءا من فريقي بالجناح الغربي».
وكانت كونواي قد انضمت إلى حملة ترامب في الصيف الماضي، وتمكنت من دفع حملة ترامب لتحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية، ولمحت في تصريحات سابقة إلى أنها مترددة في قبول وظيفة بالبيت الأبيض لأنها ستبعدها عن أطفالها الأربعة الصغار. إلا أنها عادت وأكدت حماس أطفالها للانتقال إلى واشنطن، وقبولها الوظيفة.
وقبل الإعلان عن تعيين كونواي مستشارة، عين ترامب الملياردير بيتر نافارو، خبير الاقتصاد المعروف بعداوته للصين، على رأس «مجلس التجارة الخارجية» وهو مكتب تابع للبيت الأبيض تم إنشاؤه حديثا، كما عين الناشط كارل إيكان مستشارا خاصا له لشؤون تنظيم الأعمال.
وقال الرئيس المنتخب في بيان إن نافارو «سيعمل على وضع سياسات تجارية ستساهم في خفض عجزنا التجاري، وستعزز نمونا، وستحد من انتقال الوظائف إلى بلدان أخرى»، مؤكدا أنه اختار «اقتصاديا صاحب رؤية» لهذا المنصب.
وكان هذا الأستاذ في جامعة كاليفورنيا انتقد في كتاب ألّفه بعنوان: «كيف فقدت أميركا قاعدتها الصناعية؟»، الحرب الاقتصادية التي تقوم به الصين وطموحها في أن تصبح أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في المنطقة. ويمكن لهذا التعيين أن يثير استياء الصين الغاضبة أصلا من تهديدات ترامب بالتراجع عن «سياسة الصين الواحدة»، التي تتبعها واشنطن حاليا.
من جهة ثانية، عين الرئيس الأميركي المنتخب كارل إيكان مستشارا خاصا له للشؤون الاقتصادية. وإيكان البالغ الثمانين من العمر هو أحد أهم المستثمرين في «وول ستريت» واشتهر بممارسته الضغوط على شركات يساهم فيها لزيادة أرباح المساهمين. وإيكان المقرب من ترامب سيكون مستشار الرئيس حول سبل «التخلص من القواعد المضرة بالوظائف التي تكبح النمو الاقتصادي».
وخلال حملته، انتقد ترامب مرارا «قانون دود - فرنك» لإصلاح «وول ستريت» الذي تم التصويت عليه في 2010 لكبح التجاوزات في قطاع المال.
وخلال المقابلات الأخيرة التي أجراها، أكد إيكان أن إلغاء «قانون دود - فرنك» ليس «الحل المناسب»، مشيرا إلى أنه «لا يعارض وضع قواعد». وأضاف: «أنا أعارض حماقة بعض هذه القواعد». وتقدر ثروة إيكان بـ16.5 مليار دولار، وتم تعيينه إلى جانب أصحاب ثروات آخرين عينهم ترامب لينضموا إلى فريقه الحكومي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...