بنغازي تصارع الإرهاب 2 من 5: متطرفو بنغازي محاصرون في غرب المدينة ويتلقون المدد من البحر

تقارير عن وجود عسكريين أجانب تتسبب في تعثر مفاوضات «الممر الآمن»

مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط»)  -  ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط») - ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
TT

بنغازي تصارع الإرهاب 2 من 5: متطرفو بنغازي محاصرون في غرب المدينة ويتلقون المدد من البحر

مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط»)  -  ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)
مظاهر الحياة تعود إلى بنغازي.. وفي الصورة شبان قرب سوق السيارات في شرق المدينة («الشرق الأوسط») - ليبيتان تتجولان في السوق التجاري في بنغازي بعد طرد الجيش للمتطرفين من أغلب ضواحي المدينة («الشرق الأوسط»)

على مساحة طولها نحو 10 آلاف متر على شواطئ بنغازي وعرضها، نحو 1.5 ألف متر في عمق المدينة الغربي، يتمركز بين جدران المباني عدة مئات من خليط من المقاتلين المتطرفين الذين ينتمون لتنظيم داعش وتنظيمات متشددة أخرى. يدير اثنان من شبان ضاحية قنفودة هنا آلية ذات إطارين منصوب عليها مدفع عيار 23 ملليمتر، ويرددان نشيدًا حماسيًا وهما في حالة تحدٍ لطائرات الجيش التي ستحلق في السماء لقصف مواقعهم ومواقع زملائهم.
ومن على بعد عدة أمتار، تقدمت سيارة دفع رباعي، وبدأت عملية سريعة لجر المدفع عبر شارع يغطيه ركام المباني المهدمة، واختفى الشابان للتمركز في زاوية أخرى من الضاحية المشوهة، وابتعد صوت النشيد: «يا خوتي جتكم طيارة.. يا خوتي ردوا هالغارة». هذان اثنان من شبان ضاحية قنفودة الذين التحقوا بالجماعات المتطرفة تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي»، المعادي للجيش والبرلمان.
حتى صيف العام الماضي، كان الألوف من المتطرفين يسيطرون على بنغازي بالكامل. أرادوا حكم المدينة بالتعاون مع عناصر متشددة وفدت إلى هنا من تونس ومصر والجزائر والنيجر وغيرها. شبان ليست لديهم خبرة في الإدارة. بدأ الأمر بنصب ما يسميه أهالي بنغازي «بوابات الاستيقاف»؛ كل بوابة منصوبة في مدخل ضاحية وفي زاوية شارع، يقف عليها من ثلاثة إلى خمسة شبان مدججين بالأسلحة والغضب. وقد أذاقت عناصر الاستيقاف هذه أهالي بنغازي الأمرين. يقول محمود ابن قبيلة العواقير، وصاحب محل الجواهر في ضاحية الليثي: كانوا يفتشون المارة؛ من يجدون أن له علاقة بالجيش أو بالشرطة يقتلونه على الفور، ومن يشكون في أنه يرفض سلطتهم، ينزعون قميصه ويجلدونه أمام أسرته في الطريق، باعتباره مخالفًا للشريعة.
وقد قتل المتطرفون خلال أكثر من 18 شهرًا من السيطرة على بنغازي ما لا يقل عن ألفي ليبي، من بينهم نحو 700 من رجال الجيش والشرطة؛ استولوا على مبان حكومية، وناموا على أسرة بيوت الناس، ونهبوا فنادق ومخازن للسلع ومستشفيات. هاجموا معسكرات الجيش في المدينة، وأشهرها معسكر الصاعقة الذي دارت حوله معارك شرسة عدة مرات.
تقول الدكتورة أم العز الفارسي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة قار يونس، أكبر جامعات المدينة: إن الحياة كانت شبه مستحيلة في بنغازي خلال تلك الفترة. ويضيف النائب عن المدينة في البرلمان الليبي إبراهيم عميش: كنت أرى مدينتي العزيزة على قلبي وهي تنهار أمامي، لكن كان لدي أمل في تغيير كل هذه الفوضى في المستقبل، وهذا ما يحدث الآن؛ نحن لا نحارب متطرفين محليين.. نحن نحارب إرهابًا دوليًا.
وفي هذه الأثناء.. أي مع حلول صيف العام الماضي، كان المشير خليفة حفتر قد انتهى تقريبًا من رص صفوف أبناء القوات المسلحة في المنطقة الشرقية من البلاد. بدأ الأمر باستعادة نحو 30 ألف جندي وضابط وصف ضابط؛ هؤلاء كانوا في السابق في الجيش الليبي، لكنهم كانوا قد تركوا الخدمة بعد سقوط نظام معمر القذافي. كما أن جانبًا منهم كان قد انشق عن الجيش في أثناء الحرب بين قوات المتمردين ونظام القذافي في 2011، واستمرت إعادة هيكلة الجيش وتنظيمه على يد حفتر عدة شهور، بدأت منذ منتصف عام 2014، وشملت ضم عناصر عسكرية أخرى من مناطق مختلفة من ليبيا، أي من الجنوب ومن الغرب.
حفتر في نظر كثير من القيادات السياسية والميليشياوية التي تسيطر على طرابلس ومصراتة ومدن أخرى في غرب البلاد، يعد عسكريًا يدير انقلابًا على السلطة، رغم أن السلطة التي انتخبها الليبيون في صيف سنة 2014، كانت هي البرلمان. وهذا البرلمان عيَّن حفتر قائدًا للجيش، وكلفه بمحاربة الإرهابيين. بيد أن القيادات في غرب البلاد لا تريد الاعتراف بالبرلمان، وبالتالي تنفي شرعية حفتر وشرعية الجيش الوطني الليبي الذي يقوده. وحين ظهرت صفوف الجنود في مراكز التدريب داخل معسكرات الجيش الوليد في شرق بنغازي، زادت وتيرة دعم طرابلس ومصراتة للمتطرفين في بنغازي عبر البحر والبر؛ شحنات من صواريخ غراد، ودبابات ومدرعات وسيارات دفع رباعي، وألغام وأحزمة ناسفة، ومقاتلين محليين وأجانب، ومنظومات للمراقبة والتجسس، وغيرها.
بنغازي هي مدينة الثورات ومدينة الحراك السياسي. هي مقياس الحرارة.. منها تعرف توجهات الريح، وتعرف أين سيكون المستقبل. ألقى الملك السنوسي بيان الاستقلال وجلاء الاحتلال في مطلع خمسينات القرن الماضي من شرفة قصر الحكم القريب من بحر بنغازي القديمة. وأعلن القذافي من مبنى إذاعتها المشرف على الشاطئ أول بيان له. وتقول الدكتورة الفارسي: مدينتا ليست كأي مدينة. كنا نشعر بالأسى حين كانت ترزح تحت سلطة المتشددين.
ومثل كل شيء غريب وغير معتاد في ليبيا، تكونت سلطة المتطرفين في المدينة، تحت اسم «مجلس شورى ثوار بنغازي»، من خليط غريب من الجماعات المتشددة. ظهر على رأس هذه الجماعات تنظيم «أنصار الشريعة» الذي كان يقوده عازف الإيقاع السابق في فرقة درنة الموسيقية، محمد الزهاوي. والتحقت به مجاميع قتالية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين الليبية، وأخرى تابعة للجماعة الليبية المقاتلة المنتمية لتنظيم القاعدة. ومع السيطرة شبه التامة على المدينة، التحقت بالسلطة الجديدة للمتطرفين أفواج من مشارب وجنسيات مختلفة، أغلبهم من التونسيين الذين يجدون سهولة في التسلل عبر الحدود مع ليبيا، والقدوم إلى بنغازي. وزادت وتيرة استهداف رجال الجيش والشرطة والمعارضين.
ومع بداية عام 2015، أعلن تنظيم «أنصار الشريعة» موالاته لتنظيم داعش. ولم يؤثر هذا التحول على بنية «مجلس شورى ثوار بنغازي»، ولم تقف ضده باقي الجماعات المختلفة عنه فكريًا، كما حدث في العراق وسوريا. وظل العمل بين هذه الفرق يسير في تناغم وسلاسة، رغم أن القوات المتطرفة التي كانت تسيطر على بوابات بنغازي الجنوبية الشرقية، بقيادة زياد بلعم، آمر كتيبة عمر المختار، كانت تقول إنها ليست منضوية في «مجلس شورى ثوار بنغازي»، لكنها تقاتل معه.
ويقول المثل الليبي إن من يسيطر على بنغازي يسهل عليه السيطرة على كل ليبيا. ولهذا كانت الأنظار تتجه إلى ما يمكن أن يفعله الجيش وهو يستعد لخوض حرب صعبة مع المتطرفين في المدينة. بدأت العملية أولاً بقصف مكثف بطائرات السوخوي ضد مواقع المتطرفين في المدينة من أجل تحقيق عدة أهداف، من بينها تقليص الدعم الذي يصل لـ«مجلس شورى الثوار» من طرابلس ومصراتة. ثم تحركت طلائع الجيش على الأرض لأول مرة تحت لهيب حرارة صيف العام الماضي، في أكبر عملية في شمال أفريقيا لطرد ألوف المقاتلين من هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة. كان هذا يجري في طريق، بينما الأمم المتحدة تسير في طريق آخر.
أدارت الأمم المتحدة محاولات في بلدة الصخيرات المغربية لجمع بعض الأفرقاء الليبيين حول حكومة توافق، لكن في بنغازي كانت الحرب لاستعادة الدولة. الوضع العسكري كان كالآتي: قوات «مجلس شورى الثوار» تحكم بنغازي، وتنشر الرعب في ضواحيها، وترابط على الطرق الدائرية وفوق الكباري، وتسعى - بقيادة الزهاوي - للدخول إلى قلب مطار بنينا الدولي، في جنوب شرقي المدينة. ومن الجانب الآخر، كان الجيش بقيادة حفتر يستعد للحرب، انطلاقا من تجمعات قواته البرية وقوات الصاعقة وقوات مكافحة الإرهاب، من ناحية مدينة المرج الصحراوية الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترا شرق بنغازي، ومن ناحية منطقة الرجمة العسكرية على بعد نحو 25 كيلومترا جنوب شرقي المدينة. كان المطار هو النقطة التي سيتحدد فيها من هو الغالب ومن هو المغلوب لسنوات طويلة مقبلة.
تقدم الجيش.. وجد أمامه «بوابة مالك»، وهي أول خط للمواجهة. وتفصل البوابة بين ضاحية «سيدي فرج» الكبيرة التي تنتشر فيها الأسوار والمزارع ومخازن البضائع التابعة لرجال الأعمال والشركات العامة، والطرق المؤدية إلى الرجمة وإلى مطار بنينا. تسيطر على البوابة كتيبة عمر المختار بقيادة بلعم، وهو شاب في أواخر الثلاثينات من العمر، له شعر طويل ينسدل على كتفيه ويضع عليه قبعة، ولحية تغطي صدره.
وبدأت قذائف المدفعية تنهمر على المتقاتلين في الجانبين. وبدأت معها تحركات باقي المقاتلين تأتي من وسط المدينة ومن المحاور المجاورة، لدعم بلعم. استمرت المعركة عدة أيام، لكن قوات بلعم ومن معه من جيش المتطرفين انهارت وتقهقرت نحو سبعة كيومترات إلى الخلف. وشهد شارع المطار الذي يبلغ طوله نحو 15 كيلومترًا، من وسط المدينة حتى بننيا، حربًا مستعرة لعدة شهور. وتمكن الجيش رغم إمكاناته الضعيفة، ورغم الحظر الدولي على تسليحه، من إزاحة المتطرفين وهو يتقدم بخطوات حثيثة حتى بسط سلطته على غالبية بنغازي. وقتل في الحرب المئات من «مجلس شورى ثوار بنغازي»، من بينهم الزهاوي نفسه، وفر بلعم بقواته إلى غرب البلاد.
وغير الجيش اسم «بوابة مالك» إلى «بوابة سيدي فرج»، على اسم المنطقة التي تطل عليها. ويقف فيها اليوم جنود متأهبون وهم يلوحون للمارة بعلامات النصر، لكنهم يحرصون على تفتيش السيارات والتدقيق في أوراق الهوية. وانتهى العمال من إعادة ترميم مطار بنينا، وتنظيف الشارع الطويل الواصل للمطار من آثار القذائف والخراب. وانتشرت في باقي المدينة قوات الجيش والشرطة العسكرية وشرطة المرور. وبدأت الأسواق تفتح أبوابها والمنتديات تستضيف الشعراء من باقي المدن الليبية. وتقول الدكتورة الفارسي: نحن أبناء بنغازي نحب سهرات نهاية الأسبوع، لقد افتقدنا هذا الأمر مدة طويلة، لم نكن نستطيع التأخر خارج بيوتنا حتى المساء، لكن اليوم في مقدورك السهر حتى الصباح دون خوف.
واجتاح الجيش باقي مواقع المتطرفين في المدينة، ونصب بواباته وأعلن عن وجوده بقوة، وانخرط آلاف الشبان الجدد في صفوف الجيش، وظهرت كتيبة «أولياء الدم» التي تسعى لتقديم المتطرفين الذين أعدموا أبناء عمومتهم في المدينة للعدالة والمحاسبة. وبدأ شبان متطوعون في تنظيف الشوارع، وطلاء واجهات المباني، لكن مشكلة بنغازي لم تنته بعد. فقد تحصن في ضواحي غرب المدينة، «الصابري» و«سوق الحوت» و«قنفودة» و«القوارشة»، المئات من فلول المتطرفين المنهزمين، ويوجد بعض السكان أصبحوا رهائن لدى المقاتلين المتشددين في المنطقة، ويوجد لديهم أسرى بعضهم من أنصار النظام السابق. وهناك مرافق حيوية ومكتبات ومصارف وأرشيف يعود تاريخه لأكثر من مائتي سنة.. كل هذه المؤسسات وما تحويه من وثائق أصبح مصيرها مجهولاً.
ومنذ أشهر، يفرض الجيش حصارًا على هذه الضواحي، في محاولة منه على ما يبدو لإرهاق من تبقى من عناصر «مجلس شورى ثوار بنغازي». ويحاول الجيش، وفقًا للقيادات العسكرية هنا، الحفاظ على أرواح الأبرياء والرهائن. ووجه الجيش نداءات أكثر من مرة لكي يسلم المحاصرون أنفسهم وعتادهم للسلطات، لكن دون جدوى. ويقول ضابط برتبة مقدم في الاستخبارات العسكرية: نستطيع الدخول والانتهاء من هذا الصداع، لكن الخسائر ستكون كبيرة.. لقد لغموا الطرق الداخلية والمباني بألوف الألغام، هذا يتطلب عسكريين مختصين في نزع الألغام وأجهزة متقدمة، وهي ليست موجودة لدينا في الوقت الراهن. إمكانياتنا ضعيفة، لكننا مصممون على إتمام العملية بأقل خسائر حتى لو استغرقت وقتًا أطول.
وفي المقابل، تضغط جهات دولية، منها الأمم المتحدة ومنظمة «هيومن رايتس ووتش»، من أجل فتح ممر آمن لخروج المدنيين من الضواحي المحاصرة، خصوصًا ضاحية قنفودة، قائلة إنهم يدفعون ثمن الحرب بين الجيش والمتطرفين. وجرى إرسال فريق دولي لبحث هذا الأمر مع قادة في الجيش بعيدًا عن أضواء التصوير. وانعقد اجتماع شارك فيه عدد من العسكريين، وثلاثة من قيادات البرلمان. ووفقًا لنائب حضر الاجتماع، فقد حدد الجيش شروطه لفتح ممر آمن، وعلى رأسها مراجعة أسماء من سيخرجون من المنطقة، وتسجيلها في «كشوف تسليم وتسلم» مع الجهات الدولية المعنية. وقال النائب: «الجيش لديه معلومات عن وجود سبعة ضباط على الأقل يتبعون دولا أجنبية وسط المتطرفين في ضاحية قنفودة، ويريد أن يعرف من هم، وماذا كانوا يفعلون هنا.. ويوثق ذلك بشكل رسمي».
ورغم تأخر الحسم النهائي في بنغازي، فإن أهالي المدينة الذين بدأوا في العودة إليها، أصبح لديهم معنويات مرتفعة، خصوصًا بعد أن انتزع الجيش منطقة الموانئ النفطية من أيدي الميليشيات المتطرفة، غربي المدينة. ويصر أهالي بنغازي على الاستمرار في الحياة وهم ينتظرون ساعة انتهاء الحرب التي طالت في مدينتهم. هم يشعرون مع ذلك بالرضا.. المقاهي تفتح أبوباها والمحال التجارية تعرض بضاعتها، والجمعيات الأهلية تنظم سهرات للشعر والأدب. وتقول الدكتور الفارسي بعد أن عادت من إحدى هذه الأمسيات في ضاحية الحدائق: نعيش تحت القصف، وكل يوم نقول أفضل من اليوم الذي سبقه، والحمد لله.
ويطلق أهالي بنغازي على فلول قوات المتطرفين في بنغازي اسم «الدواعش» واسم «الأنصار» نسبة إلى تنظيم أنصار الشريعة الموالي لـ«داعش». ويشعر سكان المدينة التي انطلقت فيها شرارة الانتفاضة المسلحة ضد القذافي في 2011 بالمرارة من موقف قادة في طرابلس ومصراتة، بسبب الدعم الذي يقدمونه لخصوم الجيش، سواء للمحاصرين في قنفودة وسوق الحوت والصابري والقواشة، داخل غرب بنغازي، أو لقوات الميليشيات المتطرفة التي يجري تجميعها في منطقة الجفرة الصحراوية للهجوم على الموانئ النفطية التي أصبحت تحت سلطة الجيش. وتقع الجفرة على بعد نحو 300 كيلومتر إلى الجنوب من منطقة الموانئ النفطية. ومن بين القيادات الميليشياوية الموجودة هناك، بلعم وكتيبته «عمر المختار» التي طردها الجيش ضمن كتائب أخرى من بنغازي.
ووفقًا للمصادر العسكرية في الجيش الليبي، فقد حاول قادة المتطرفين الذين يهيمنون على الحكم في طرابلس ومصراتة الإبقاء على المدينة تحت سلطة «مجلس شورى ثوار بنغازي» بكل الطرق، من الدعم المالي الذي بلغ مئات الملايين من الدولارات، إلى إرسال المقاتلين، مرورا بالحملة الإعلامية الممنهجة لتشويه صورة الجيش والمشير حفتر.
وتعكس كل زاوية من زوايا بنغازي شراسة المعركة التي دارت هنا طيلة شهور، وقتل فيها المئات من المتطرفين، وأصيب عدة آلاف؛ شبان فقدوا أطرافهم ويسيرون على مقاعد متحركة أو على عكازات. الحواجز الحديدية الموجودة في الجزيرة الوسطى من شارع المطار بطول نحو 15 كيلومترًا، التوت وتشوهت من شدة القصف، ومن حركة الدبابات والآليات الثقيلة وهي تهاجم وتنسحب. واجهات مباني وإدارات حكومية مهشمة، ومبنى مديرية الأمن اختفى، ومبنى مصنع الأسمنت الضخم مثقوب من كل جانب. سلسلة مخازن البضائع في «سيدي فرج» يغطيها سخام الحرائق. صفوف من الدكاكين والبيوت في كثير من ضواحي المدينة تحولت إلى أكوام من التراب وأسياخ الحديد.
ويقول أحد القادة العسكريين إن الدواعش (يقصد بهم كل جماعات المتطرفين في غرب المدينة)» ما زالوا موجودين في بنغازي في مناطق الصابري وسوق الحوت وقنفودة، مع وجود خلايا نائمة وسط المدينة، عددهم لا يزيد عن بضعة مئات من اليائسين، وغالبيتهم من الليبيين، ومعهم تونسيون وسودانيون ونيجيريون وعدد أقل من المصريين. واكتشفنا أخيرا أن بينهم نحو سبعة ضباط أجانب.. المشكلة أن معظم من تبقى من هؤلاء المقاتلين قناصون محترفون ومتفوقون في زرع الألغام والمفخخات، ويصل إليهم الدعم من طريق البحر، خصوصًا أن ميناء بنغازي البحري ما زال يقع تحت سيطرتهم.
ويضيف أن المنطقة التي يتحصن فيها المتطرفون يوجد فيها أسواق ومخازن للمواد الغذائية وغيرها.. ويوجد فيها مخزون من الطاقة داخل محطات الوقود. ويأتي الدعم بحرًا عن طريق الميناء عبر زوارق صغيرة. وحصار الجيش ومراقبته جعلت دخول المراكب الكبيرة أمرًا مستحيلاً الآن، ولذلك يعتمدون في جلب الأسلحة على زوارق يغطونها بأكياس بلاستيكية ذات لون أزرق حتى يصعب كشفها في البحر من جانب الجيش. كما أن دخول مقاتلين جدد إلى هذه الضواحي أصبح أقل من السابق.
ويفرض الجيش نظامًا صارمًا في المدينة. فقد وضع كتلاً ضخمة من الخرسانة المسلحة للفصل بين مناطق وجود المتطرفين وباقي الضواحي، وتسبب هذا في تعديل سير السيارات عبر محاور مختلفة. ضاحية الهواري التي يوجد فيها عدة مصانع ومستشفى وطريق رئيسي، أصبحت مزدحمة بعد أن جرى إغلاق طريق ضاحية القوارشة التي يوجد فيها فلول للمتطرفين لديهم مهارة في القنص عن بعد. وهناك شوارع أخرى مغلقة خوفًا مما زرعه المتطرفون من ألغام فيها قبل هروبهم. ويسعى الجيش للتعاقد على كاشفات ألغام لهذا الغرض، رغم أن المصدر العسكري يقول إنه حتى بالنسبة لكاشفات الألغام محظور شراؤها رسميا بسبب الحظر الدولي على تسليح الجيش. وأضاف ساخرا: «يعتبرونها أسلحة»!
كان المدد بالسلاح والمقاتلين يصل للمتطرفين في بنغازي إما من الطريق البري من ناحية الجنوب الغربي، أو من طريق المراكب التي يطلق عليها الليبيون «جرافات». وبينما أغلق الجيش طريق الإمداد البري، أصبح المنفذ الوحيد حتى الآن هو البحر، لكن ليس كالسابق. ويقول قائد في الاستخبارات العسكرية إن البحر هو المشكلة؛ «الشواطئ التي تقع تحت أيدي المتطرفين طويلة، ويصعب السيطرة عليها بالإمكانيات المحدودة التي لدى الجيش.. منعنا دخول المراكب الكبيرة، وقصفنا الجرافات، لكن المتطرفين أخذوا في الاستعانة بالزوارق المغطاة بالأكياس الزرقاء في نقل الأسلحة، واستخدام الدراجات النارية المخصصة للبحر في جلب المقاتلين.. الدراجة الواحدة تقل اثنين أو ثلاثة، ولهذا هم يأتون من مناطق قريبة، إما من ناحية سواحل إجدابيا (غرب بنغازي)، أو من مراكب كبيرة تقف في عمق البحر.
وبين يوم وآخر، ينفذ الجيش غارات بالطائرات الحربية على تمركزات المتطرفين داخل المنطقة المحاصرة. وكان عدد سكان هذه المنطقة يزيد على مائة ألف. معظم هؤلاء تركوا منازلهم لأن بعضهم لديه بيوت أخرى في المدينة، وهناك من خرج خارج بنغازي، ومنهم من قام بتأجير منازل في بنغازي على أمل أن تنتهي الحرب سريعا، لكنها لم تنته بعد.
وقد طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الجيش الوطني الليبي بالسماح لأي مدني يريد ترك منطقة المعركة بالمغادرة، أيا كان عمره أو جنسه، وهي تقول إن هناك 120 أسرة على الأقل تعيش في قنفودة، لديها مئات الأطفال، وإن هذه الأسر تعيش في ظروف شاقة للغاية، وتحدثت أيضًا عن إعاقة الجماعات المسلحة مغادرة المدنيين لقنفودة، واستخدامهم دروعًا لمنع الجيش من التقدم في معقل المتشددين.
وتضم المنطقة المحاصرة التي يحتلها المتطرفون مبنى البنك المركزي وباقي إدارات الدولة، مثل مكتب البريد الرئيسي وإدارة الجوازات والجنسية والهجرة. وفيها المدينة الأثرية القديمة، ومنارة بنغازي التي تشرف على البحر، والتي يبلغ عمرها نحو مائتي سنة، وفيها أقدم سوق للسمك وسوق الجريد، إضافة إلى أربعة فنادق ومستشفى الجمهورية الذي يتجاوز عمره 120 سنة. وفي المنطقة أيضًا واحدة من أجمل الكنائس في شمال أفريقيا، وكانت مغلقة في عهد القذافي، ويعتقد أن المتطرفين فتحوها وعبثوا بمحتوياتها الثمينة.
أما البيوت والمنازل، فلم يعد يوجد فيها عدد يذكر من السكان.. جزء من العائلات المتبقية هم عائلات للمتطرفين أنفسهم من جنسيات مختلفة، وفقًا للمصدر العسكري. زوجات وأطفال، نساء ليبيات وغير ليبيات. ومع ذلك، لم تقطع الخدمات عن هذه المناطق.. توجد فيها كهرباء ومياه وإنترنت، ويضيف: «هذه الخدمات لم تتأثر بسبب مرورها في مناطق أخرى آهلة بالسكان، إذ إن قطع الخدمات عن المحاصرين يحتاج إلى عملية فنية معقدة حتى لا تتضرر باقي ضواحي المدينة. بنغازي ليست مقسمة وفقا لنظام المربعات، ولكنها مناطق متشابكة مع بعضها بعضا.. إذا أغلقت ماسورة المياه مثلا سوف يتضرر آخرون يسكنون في الجوار».
وينظر غالبية سكان بنغازي بعين الريبة للممارسات التي يقوم بها مسؤولون في العاصمة طرابلس وأطراف دولية ضد الجيش الذي تمكن من استعادة مظاهر الدولة إلى المدينة. ويقول محمود ابن قبيلة العواقير، أكبر قبائل بنغازي، وهو يشرف على رص بضاعته في سوق الليثي: قارن بين بنغازي وهي تعود إلى النظام والأمن، والفوضى التي تثيرها الميليشيات في طرابلس.. الجيش أعاد بنغازي للحياة، ونحن معه.



مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

في زاوية من فناء إحدى المدارس الحكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء، اعتادت يوماً أن ترى ابنها في الطابور الصباحي.

اليوم تعود إلى المكان ذاته لا بوصفها أُمّاً، بل عاملة نظافة تحاول أن تُبقي ما تبقى من حياتها قائماً. تمسح الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تهمس لحصى الساحة: كان لي ابن هنا ذهب طفلاً، وعاد جثة.

ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وهي تسمع أناشيد وهتافات لم تكن مألوفة. تدرك، بصمت، أن كثيراً من هؤلاء قد يسلكون الطريق ذاته، لكنها لا تقول شيئاً.

قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، وكان في السابعة عشرة من عمره.

عاد إليها جثة هامدة، وصورته مرفوعة على صندوق. قالوا لها: «زغردي فقد نال الشهادة».

تتذكر السيدة وهي تتحدث إلينا كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المعسكر الصيفي. صار أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدّة، يطلق الصرخة ويردد عبارات لم تألفها عن «الجهاد» و«النصر» كأنهما طريقه الوحيد. لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها رأت في عينيه نظرة تأخذه بعيداً منها.

اليوم، لا تفعل سوى أن تمسح دموعها خفية، وتواصل التنظيف في عمل حصلت عليه بصفتها «أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعدما فقدت الابن المعيل.

تلامذة في صف مدرسي يؤدون التحية العسكرية ويهتفون بـ «الصرخة» الحوثية (الشرق الأوسط)

من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة

لم تولد المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي مع السيطرة على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتداداً لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. تعود بدايات هذه المراكز إلى أوائل التسعينات، وتحديداً عام 1991، حين بدأت الجماعة، ضمن إطار ما عُرف بـ«الشباب المؤمن»، بتنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر حلقات تعليمية ومخيمات صيفية، وقد مثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، عبر خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتنشئة الفكرية.

ومع اندلاع حروب صعدة ابتداءً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مقتصرة على الجانب الديني أو التعليمي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، ما أسهم في توسيع دائرة التأثير واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.

بحلول عام 2008، بدأت الجماعة نقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، من بينها توزيع مواد رقمية على وسائط تخزين صغيرة (SD وUSB)، احتوت على محاضرات ودروس مرتبطة بالمراكز الصيفية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الملازم» - وهي محاضرات كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي - يجري تفريغها وطباعتها في كراريس.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، مفضلاً عدم كشف اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذواكر صغيرة» كانت توزع بين طلاب محددين في المدارس، وعند الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي مشيراً إلى أن تلك المواد شكّلت نقطة تحوّل في تبنيه أفكار الجماعة ومناصرتها.

وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في دواوين خاصة ضمت مهتمين ومقربين من الجماعة في صنعاء ومناطق محيطة مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.

التحية الصباحية لأطفال بلباس موحّد في معسكرات الحوثيين الصيفية (الشرق الأوسط)

ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير (شباط) وما حملته من خروج واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، فظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج معقل الجماعة الرئيسي، مع بروز ملامح إشراف إداري أكثر وضوحاً تحت شعار جذاب هو «تغيير النظام». فتجاوزت الحلقات الضيقة إلى ملء المكتبات والأكشاك بالملازم، بل وإنشاء أكشاك في أكثر من مكان لتوزيع الملازم والملصقات والشعارات مجاناً، ووضع مكبرات صوت لبث وإذاعة «الزوامل» بشكل مستمر.

أما التحول الأبرز فجاء عقب السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار بشكل رسمي عبر مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجاناً مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.

ويؤكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت، في مراحل مبكرة، على ما كانت تسميه «الدورات الثقافية» و«الحوزات» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم وإدماجهم في مشروعها، وذلك قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. ويضيف المصدر أن هذه المراكز «لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن بنية تنظيمية متكاملة»، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير على توجهات الشباب، وصولاً إلى الدفع ببعضهم نحو جبهات القتال.

أطفال في أحد النشاطات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

أنواع المخيمات الصيفية

وفقاً للمعلومات والإفادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تقسم الجماعة هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع، هي: المغلقة، والنموذجية، والمفتوحة. وتعد الأولى بمثابة دورات عسكرية آيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد قيادات شابة، أما الثالثة فهي مراكز ترويجية.

وتقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف الجماعة، وتعدهم عسكرياً وآيديولوجياً لهذا الغرض، ويعتبرون بمثابة قوات احتياط. وبمجرد دخولهم في الدورات تُصادر هواتفهم، وتنقطع أخبارهم عن أسرهم، ويُنقلون ليلاً إلى مخيمات التدريب التي تتغير بين الفينة والأخرى.

وجميع هؤلاء من طلاب الثانوية العامة الذين أنهوا دورات التدريب على تفكيك السلاح في المدارس، ورصد لهم مدربوهم دورات عسكرية كمكافآت تفوق وامتياز، إضافة إلى بعض منتسبي فرق الكشافة في الثانويات التي حولت الجماعة نشاطها من كشفي إلى عسكري.

وفي هذه المخيمات، يتم تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، و«الآر بي جي»، والهاون، والقنابل، وعمليات التمويه والتخفي.

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

أما المخيمات النموذجية، وهي غالباً لمن تجاوزوا العاشرة من عمرهم، فتعد بمثابة «مخيمات نوعية»، ويُستقطب إليها أوائل الطلاب والمتفوقين في الأنشطة المدرسية المختلفة، وهي مخيمات مغلقة يظل فيها الطالب طوال الأسبوع في المخيم، ويُسمح له فيها بالتواصل مع أسرته ولا يصادر هاتفه، ويعود أحياناً إلى المنزل كل أسبوع أو أسبوعين.

وعادة ما تقام هذه المخيمات في عواصم المحافظات، وفيها يتلقى الطالب محاضرات آيديولوجية مركزة من قبل كبار قياديي الجماعة، ويشاهدون أفلاماً في «الجهاد»، وسير لقادة الجماعة و«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني، ويجري تدريبهم بشكل محدود على تفكيك أنواع معينة من الأسلحة واستخدامها.

وتبقى المخيمات المفتوحة لمن هم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ صباحاً وتنتهي مع وقت الظهيرة، وتبدو للعامة كمراكز تحفيظ قرآن ونشاطات صيفية، ولذلك تنشرها الجماعة في مختلف المدارس والمساجد حتى تكون في متناول الجميع، لكن الأطفال فيها يتعلمون «قسم الولاية» وترديد «الصرخة» وطاعة قائد الجماعة.

ولا تُستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، بل إن هناك مراكز مخصصة للنساء، تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة» وتعمل على تصميم البرامج وتنفيذها، واستقطاب الطالبات عبر شبكات ميدانية، والإشراف على الكادر النسائي وتدريبه، وإعداد مواد إرشادية موحّدة.

وتُقدَّم هذه المراكز كمساحات تعليمية وترفيهية، لكنها تضم بدورها برامج دينية مكثفة ومحاضرات ذات طابع تعبوي وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.

تلامذة وأساتذة في باحة مدرسة تابعة للحوثيين في صعدة (الشرق الأوسط)

تكريس «نظرية المؤامرة»

تُكرّس الجماعة في خطابها فكرة أن المراكز الصيفية تمثل حصناً في مواجهة «المؤامرات» التي تستهدف الدين والوطن، وتقدم بوصفها وسيلة لغرس ما تسميه «الثقافة القرآنية» في نفوس النشء، وبناء جيل مسلح بالعلم والوعي.

كذلك تشدد في خطابها على أن «المعركة مع العدو» لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى «استهداف الوعي»، حيث تُقدَّم هذه المراكز كمحصّن ضد ما يُوصف بـ«الحرب الناعمة» و«الغزو الثقافي»، وتُصوَّر كجزء من صراع فكري طويل يُراد من خلاله إعداد جيل قادر على المواجهة.

وإلى جانب هذا الخطاب، تشير مصادر تربوية إلى اعتماد القائمين على هذه المراكز على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية، مثل توفير وجبات الطعام وبعض الاحتياجات وتنظيم الرحلات الاستكشافية والأنشطة، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب كل عام.

وبحسب ما يرد في إحدى ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، بعنوان «دروس في معرفة الله»، وهي محاضرة ألقاها في منتدى «الشباب المؤمن» بصعدة، فإن الهدف العام من هذه الدروس يتمثل في «تنمية معرفة الطلاب بالله، وترسيخ العقيدة في نفوسهم وضمائرهم، بما يدفعهم للانطلاق من خلالها إلى القتال ومواجهة الأعداء».

مناهج وكتب «تعليمية» للحوثيين بطباعة ملوّنة وجودة عالية مقارنة بالمناهج المدرسية الرسمية (الشرق الأوسط)

دروس خارج المنهج الرسمي

في موسم هذا العام، الذي انطلق في 28 مارس (آذار) الماضي، وزّعت جماعة الحوثي مناهجها الخاصة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، في دلالة على حجم الموارد المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي الذي يعاني من تراجع مستمر في الإمكانات والدعم، بحيث يضطر الطالب إلى شراء منهجه الدراسي من السوق السوداء، فيما المعلم يكابد للحصول على راتبه، علماً بأنه في كل عام، ومع بدء التحضيرات للمراكز الصيفية، يطل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب سنوي مخصص للدعوة إلى الالتحاق بهذه الدورات، وهي دعوة شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً.

وبالعودة إلى تلك الكتب، فأول ما يلفت النظر هو أنها لا تحمل أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت عنوان «المسيرة القرآنية - الإدارة العامة للدورات الصيفية».

ينسحب ذلك أيضاً على تسمية المراكز، حيث لا تُنسب إلى المدارس التي تُقام فيها الأنشطة بل تُطلق عليها أسماء ذات دلالات رمزية مثل «الهادي»، و«الحسين»، و«فاطمة»، و«الشهيد طه المداني»، و«الشهيد صالح الصماد».

نشاطات لا صفية بعنوان «مهنتي مستقبلي» في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

هيكلية إدارية بطابع وزاري

تُظهر الهيكلية الإدارية للدورات والأنشطة الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين منظومة إدارية متعددة المستويات، وفي مقدمتها وزارتا التربية والشباب والرياضة، إلى جانب هيئة التعبئة العامة التي تضطلع بدور مركزي في إدارة جانب التعبئة والتوجيه، ووزارة الأوقاف والإرشاد المسؤولة عن المحتوى الديني والخطاب الوعظي.

وعلى المستوى التنفيذي والفني، تتولى السلطات المحلية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين الإشراف الميداني وتنسيق العمل داخل المديريات والمراكز، وذلك عبر مكاتب التربية واللجان الإشرافية، حيث تُدار الأنشطة اليومية وتُوزع الكوادر وتُتابع عملية تنفيذ البرامج، بما يعكس امتداد المنظومة من المستوى المركزي إلى الأحياء.

مدرّسة تختار كتباً للحصص الصيفية من مناهج الحوثيين (الشرق الأوسط)

في المقابل، تشارك وزارات أخرى بوصفها شركاء فنيين في تنفيذ البرامج القطاعية؛ إذ تتولى وزارة الداخلية برنامج «شباب واعٍ... مجتمع آمن»، وتشرف وزارة الزراعة على «الجيش الأخضر»، فيما تدير وزارة الصحة برنامج «سفراء الصحة»، ويشرف قطاع الاتصالات على «الوعي في عصر الاتصالات»، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني تشرف على نشاط «مهنتي مستقبلي»، ضمن توزيع وظيفي يغطي مجالات الأمن والصحة والزراعة والإعلام الرقمي والمهن التطبيقية.

كما تلعب وزارة الإعلام دوراً داعماً ومستمراً، من خلال تنسيقات سنوية تسبق إطلاق الدورات، يُقرّ خلالها إطار التغطية الإعلامية، بما يشمل الترويج للمراكز ومواكبة أنشطتها ميدانياً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمع.

وتدار هذه المراكز عبر «اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية»، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثي، وتضم في عضويتها كلاً من وزير التربية ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن الجانب التعبوي والثقافي في الجماعة.

أما رئاسة اللجان الفرعية فيتولاها محافظو المحافظات، وينوبهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها مديري مكاتب التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والأوقاف والإرشاد.

التحية الصباحية في باحة إحدى المدارس الحوثية وبدا علم فلسطين وشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل (الشرق الأوسط)

انعطافة عام 2026

إذا كان التوسع في المراكز الصيفية قد تم تدريجياً خلال السنوات الماضية، فإن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة، وتحولاً نوعياً في كون المدارس الصيفية لم تعد اختيارية بل انتقلت الجماعة إلى خطوة جديدة تجعل من الالتحاق بها فرضاً وإجباراً.

وبحسب شهادات طلاب وأولياء أمور ومعلمين، فإن شبكة من الضغوط المباشرة وغير المباشرة تمارس عليهم بشكل صارخ يصل أحياناً إلى التهديد، لتجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: إما الامتثال، وإما المخاطرة بمستقبل الأبناء.

وصحيح أن هذا التحول لم يُعلن رسمياً، لكنه أصبح واقعاً يمارَس يومياً؛ إذ تؤكد مصادر متقاطعة أنه مع بدء التحضيرات لتدشين المراكز الصيفية لهذا العام، عمدت الجماعة إلى ممارسات متصاعدة تربط الإجراءات المدرسية بالمراكز الصيفية. فعلى سبيل المثال، تربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد، بمشاركتهم في تلك الأنشطة، إلى جانب ضغوط تُمارس على إدارات المدارس لدفع تلامذتها إلى الالتحاق بـالمخيمات تحت طائلة العقوبات.

وإذا أراد طالب أن يخلو سجله الدراسي من النقاط السود التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ولاحقاً قبوله الجامعي، فعليه أن يبادر إلى التسجيل في تلك المراكز.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

في بعض المدارس، ارتبط تسليم النتائج أو قبول الطلاب في العام التالي بشهادة حضور من المركز الصيفي. وفي رسائل متداولة عبر مجموعات التواصل، ظهرت تحذيرات مبطنة تؤكد أن الغياب قد ينعكس سلباً على المسار الدراسي.

وتظهر رسالة موجهة من وكيلة مدرسة إلى أمهات الطالبات في مجموعة تواصلية في «واتساب» عن تهديد مبطن لكل طالبة لا تلتحق بالمراكز الصيفية بحرمانها من التسجيل في العام المقبل. وتقول الرسالة: «الأمهات القديرات نحيطكن علماً بأنه لن يتم قبول التسجيل إلا بشهادة من المركز الصيفي، فنرجو تسجيل الطالبات اللاتي لم يسجلن بعد وإلحاقهن بالمركز للاستفادة».

وفي مجموعة أخرى على «واتساب»، تهيب إحدى المعلمات بالطلاب قائلة: «تعالوا بكرة بدري، اللي مسجلين واللي ما سجلوا يسلجوا. الإدارة ما تقبلهم ببداية العام الدراسي إلا بشهادة المركز الصيفي».

كذلك كشفت رسالة منسوبة لمدير مدرسة شمالي مدينة إب، عن اشتراط حضور الطلاب والطالبات المراكز الصيفية مقابل تسليمهم نتائج الاختبارات السنوية، في حين يتم إغراء الطلاب الراسبين بعلامات إضافية حال انخراطهم في الدورات الصيفية.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

عزوف وتجريم

بحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات التي لجأت إليها الجماعة تأتي خشية أن تشهد المراكز الصيفية عزوفاً من قبل الطلاب وذويهم لمعرفتهم المسبقة بنتائجها.

ويؤكد المعلم ع. عبد الكريم، أحد المدرسين في هذه المراكز، أنه على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الجماعة في سبيل حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب للالتحاق بالمراكز الصيفية، فإن الإقبال بدأ يتراجع أخيراً.

ويقول عبد الكريم لـ«الشرق الأوسط» إن المشاركة أصبحت ضعيفة جداً، لافتاً إلى أن جهود استقطاب الطلاب تتطلب وقتاً طويلاً وإقناعاً مستمراً ومالاً.

نقابة المعلمين اليمنيين بدورها حذرت من خطورة المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة في مناطق سيطرتها، مؤكدة أنها تحولت إلى أدوات منظمة للتعبئة الفكرية ذات الطابع الطائفي واستقطاب الأطفال والشباب، في سياق استهداف ممنهج للهوية الوطنية والعملية التعليمية في اليمن. وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ الأحد 12 أبريل (نيسان) 2026، إن الجماعة وسّعت منذ سيطرتها على صنعاء من إنشاء هذه المراكز بهدف استقطاب أكبر عدد من الطلاب، وتوظيفها في غرس أفكار عقائدية تقوم على مفاهيم الاصطفاء السلالي، بما يتعارض مع القيم الوطنية والدينية، ويخدم مشروعاً سياسياً يهدد أمن اليمن واستقراره.

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

مدارس مهملة ومراكز مزدهرة

في خطابها، تصف جماعة الحوثي المراكز الصيفية بأنها «رافد تربوي» لتعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، لكن بحسب آراء كثير من المعلمين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فذلك ليس «سوى عذر أقبح من ذنب»؛ فالمدارس نفسها يمكن أن تكون فضاءً للتعويض لو أرادت الجماعة فعلاً إصلاح التعليم، مشيرين إلى أن إصرار الجماعة على المراكز الصيفية يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر والتعبئة العقائدية.

ويطرح المعلمون سؤالاً مفاده: «ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك سلطة كاملة على التعليم الرسمي، وقد نجحت في إدخال أفكارها وآيديولوجيتها إلى المناهج الدراسية، فلماذا تتعمد إهمال المدارس وتتركها في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا رواتب ولا مقومات تعليمية؟».

هذا التناقض بين ركود المدارس خلال العام الدراسي وازدهارها المفاجئ في الصيف يثير تساؤلات حقيقية.

فبينما تُظهر اهتماماً بالغاً بالمراكز الصيفية التي تتحول فجأة إلى ساحات صاخبة، تُغدق عليها الأموال والجهود، تجعل من التعليم الرسمي في حالة ركود تام ونقص شديد في الموارد والمعلمين، حيث تفتقر آلاف المدارس إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.


العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.