ازدياد الحديث عن «حرب باردة» جديدة

رئيس قلم الاستخبارات البريطانية يعتقد أن الوضع أصبح أخطر

جنود من كوريا الجنوبية ينفذون مناورات عسكرية يؤدون فيها دورهم ودور قوات غازية من كوريا الشمالية لإعادة أحداث معركة في الخمسينات في الذكرى الـ 66 للحرب الكورية (ا.ف.ب)
جنود من كوريا الجنوبية ينفذون مناورات عسكرية يؤدون فيها دورهم ودور قوات غازية من كوريا الشمالية لإعادة أحداث معركة في الخمسينات في الذكرى الـ 66 للحرب الكورية (ا.ف.ب)
TT

ازدياد الحديث عن «حرب باردة» جديدة

جنود من كوريا الجنوبية ينفذون مناورات عسكرية يؤدون فيها دورهم ودور قوات غازية من كوريا الشمالية لإعادة أحداث معركة في الخمسينات في الذكرى الـ 66 للحرب الكورية (ا.ف.ب)
جنود من كوريا الجنوبية ينفذون مناورات عسكرية يؤدون فيها دورهم ودور قوات غازية من كوريا الشمالية لإعادة أحداث معركة في الخمسينات في الذكرى الـ 66 للحرب الكورية (ا.ف.ب)

سباق التسلح ونشر الدرع الصاروخية وازدياد بؤر الاحتكاك في العالم بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، أدت إلى استنتاجات، بعضها إعلامية وبعضها استخباراتية، بأن العالم ينزلق من جديد إلى فترة الحرب الباردة.
رئيس قلم الاستخبارات الخارجية (إم آي 6) البريطاني السابق السير جون سوور قال في مقابلة مع إذاعة «بي بي سي الرابعة (ريديو4)» إن الوضع الحالي أخطر بكثير من فترة الحرب الباردة، مضيفا أن ميزان القوى أصبح يميل لصالح موسكو وبكين. «إننا نقترب من حقبة خطرة جدا، إذا لم نقل أكثر خطورة من فترة الحرب الباردة. أصبحنا لا نملك زمام الأمور بالنسبة للعلاقة الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن». جاء حديث السير جون بعد خطاب جونسون الذي حث فيه الناس على التظاهر أمام سفارة روسيا في واشنطن. السير جون الذي كان رئيسا للاستخبارات الخارجية من (2009 - 1014) يعتقد أن تدهور الحالة جاء بسبب قرار بريطانيا بعدم التدخل على الساحة الدولية، مما أوجد فراغا لروسيا لملئه».
وفي مقابلة مع وكالة «ريا نوفوستي» حذر الرئيس السوفياتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف في الآونة الأخيرة من أن العالم يشارف «بشكل خطير على منطقة الخطر».
أما الناطق باسم الجيش الروسي الجنرال ايغور كوناشنيكوف فقد وجه تحذيراته إلى البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية. وقال في 6 أكتوبر (تشرين الأول) فيما يشكل تهديدا مبطنا للولايات المتحدة «أذكر المخططين الاستراتيجيين الأميركيين بأن صواريخ إس - 300 المضادة للطيران وإس - 400 التي تؤمن غطاء جويا لقاعدتي حميميم وطرطوس لديها نطاق تحرك يمكن أن يباغت أي طائرة غير معروفة هويتها».
وعلى شبكة «روسيا1» الرسمية يلخص المقدم ديمتري كيسيليف وهو أيضا مدير وكالة الأنباء «ريا نوفوستي» أفكار الجنرال إيغور كوناشنيكوف ثم يكشف عن الخطة البديلة للولايات المتحدة في سوريا. ويقول: «الخطة البديلة تنص عموما على استخدام الولايات المتحدة بشكل مباشر القوة ضد القوات السورية التابعة للرئيس بشار الأسد وضد الطيران الروسي». ويخلص إلى القول: «هل يجب أن نخشى استفزازات؟ الأمر يشبه تدخل الولايات المتحدة في فيتنام لخوض الحرب»، قبل أن يحذر الغربيين قائلا: إن الصواريخ التي نشرت في كالينينغراد، الجيب الروسي القريب من بولندا، يمكن أن تجهز برؤوس نووية.
لكن خفف وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أمس الخميس من هذه الإمكانية قائلا إن الحديث عن نشوب حرب باردة جديدة مع روسيا ليس «صائبا بشكل كامل» لأن موسكو حاليا لا تشكل خطرا على الاستقرار العالمي كالذي كان يشكله الاتحاد السوفياتي السابق. وقال أمام لجنة برلمانية «هي تفعل أمورا مزعجة كثيرة جدا.. لكني لا أظن أن روسيا اليوم يمكن مقارنتها بالاتحاد السوفياتي الذي أتذكره حين كنت طفلا. لا أعتقد أنها تشكل نفس الخطر الذي كان يشكله الاتحاد السوفياتي السابق على استقرار العالم». وتابع قائلا: «لا أعتقد أن التحدث عن حرب باردة جديدة.. صائب بشكل كامل».
لكن أي شخص يتابع التلفزيون في روسيا يستنتج أنها بدأت مع تزايد الحديث عن ضربات لإسقاط طائرات أميركية أو تجهيز ملاجئ تحسبا لقصف نووي في موسكو.
وعلى المحطة الأولى في تلفزيون الدولة، يعلن مقدم النشرة المسائية الرئيسية مساء الأحد أن بطاريات المضادات الجوية الروسية في سوريا «ستسقط» الطائرات الأميركية. وعلى محطة الأخبار المتواصلة «روسيا 24» يبث تقرير حول تحضير ملاجئ للحماية من ضربات نووية في موسكو. وفي سان بطرسبرغ، يتحدث موقع الأخبار «فونتانكا» عن إمكانية قيام حاكم المدينة بتقنين الخبز استعدادا لحرب مقبلة. وعلى الإذاعة، يجري بحث تدريبات «دفاع مدني» تحشد بحسب وزارة الأوضاع الطارئة 40 مليون روسي على مدى أسبوع. وعلى جدول الأعمال: إخلاء مبان وتدريبات على مواجهة حريق.
وهذا يدفع للتساؤل حول سبب هذه الفورة، هل هي استعداد «لحرب عالمية ثالثة»؟. وخصوصا بعد توقف المفاوضات في 3 أكتوبر بين موسكو وواشنطن حول النزاع السوري إثر فشل وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه القوتان في جنيف في سبتمبر (أيلول). وميدانيا واصل الجيش الروسي التحرك وحيدا حيث نشر في قاعدته البحرية في ميناء طرطوس السوري، بطاريات صواريخ إس - 300 القادرة على تدمير مقاتلات لكن أيضا عبر إرسال مدمرات مجهزة بصواريخ يمكنها إغراق سفن حربية. وبالتالي فإن استعراض القوة هذا لا يستهدف فقط الجهاديين أو فصائل المعارضة السورية وإنما أيضا البحرية والطائرات الأميركية.
هذه الحالة، والاختلافات في الري حول تقييمها، عبر عنها عضو مجلس الدولة الصيني وزير الدفاع تشانغ وان تشيون في كلمة ألقاها في منتدى الأمن السابع في بكين أن العالم اليوم يشهد تحولات كبيرة لم يسبق لها مثيل. من ناحية، أصبح السلام والتنمية والتعاون والفوز المشترك اتجاه العصر، ومن ناحية أخرى يواجه سلسلة من التهديدات والتحديات الجديدة أيضا. ويعتقد تشانغ وان تشيون أن على جميع الدول التخلي عن عقلية الحرب الباردة التي عفى عليها الزمن، ووضع مفهوم أمني جديد مشترك وشامل وتعاوني ومستدام.
أما اللواء الركن تساي جون نائب مدير إدارة الأركان المشتركة التابعة للجنة العسكرية المركزية الصينية فقد عقد مؤتمرا صحافيا مع نائب مدير إدارة العمليات الرئيسية في هيئة الأركان العامة الروسية فيكتور بوزنيخير، أقيم على هامش منتدى شيانغشان في بكين، أن نظام ثاد هو نظام دفاع صاروخي متقدم تعتزم الولايات المتحدة نشره في جمهورية كوريا ولا يتطابق مع أغراضه المزعومة ولا يؤدي إلى السلام والاستقرار في شبه الجزيرة. وإن خطة ثاد لا تعمل على تسوية القضية النووية على شبه الجزيرة الكورية وستضر بشدة بالمصالح الأمنية الوطنية للدول، من بينها الصين وروسيا. مؤكدا معارضة الصين بشكل مطلق نشر ثاد، وتحث بقوة الولايات المتحدة وجمهورية كوريا على تغيير أفكارهما. وأشار إلى أن خطط الولايات المتحدة الفردية وغير البناءة الخاصة بأنظمة الدفاع الصاروخي سيتسبب في تدهور البيئة الأمنية العالمية والأضرار بالتوازن الاستراتيجي العالمي والاستقرار والأمن الإقليميين وإعاقة عملية نزع السلاح النووي وعدم انتشاره.
ويتحدث الخبراء السياسيون عن احتمالين نظرا للصعوبات الاقتصادية لروسيا. الأول متفائل حيث تتفق القوتان «على شروط جديدة للتعايش، فيما يشبه يالطا - 2» في إشارة إلى تقاسم مناطق النفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية. أما السيناريو الثاني والكارثي فهو أن تتحرك روسيا وفقا لمثل شعبي معروف «إذا كان لا يمكن تجنب المواجهة، فاضرب أولا».



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.