كولومبيا تنهي نصف قرن من الحرب بـ«اتفاقية سلام» مع متمردي «فارك»

كولومبيا تنهي نصف قرن من الحرب بـ«اتفاقية سلام» مع متمردي «فارك»
TT

كولومبيا تنهي نصف قرن من الحرب بـ«اتفاقية سلام» مع متمردي «فارك»

كولومبيا تنهي نصف قرن من الحرب بـ«اتفاقية سلام» مع متمردي «فارك»

تعيش كولومبيا الاثنين يومًا تاريخيًا مع توقيع اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه مع متمردي «القوات المسلحة الثورية الكولومبية» (فارك)، لإنهاء أكثر من نصف قرن من حرب أسفرت عن ملايين الضحايا.
وسيوقع الاتفاق الذي تم التوصل إليه في هافانا في 24 أغسطس (آب) الماضي الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، وقائد حركة التمرد الماركسية رودريغو لوندونيو المعروف باسميه الحركيين تيموليون خيمينيز أو تيموشنكو.
وقال الرئيس سانتوس الأحد: «أشعر بفرح كبير للكولومبيين». وأضاف: «أشعر ببعض الرهبة من التحدي الذي ينتظرنا، المتمثل ببناء السلام. هذا الأمر سيتطلب جهدًا كبيرًا جدًا من قبل كل الكولومبيين».
وينتظر وصول 15 رئيس دولة أميركية لاتينية، من بينهم الكوبي راؤول كاسترو، الذي وصل الأحد، واستضافت بلاده لأربع سنوات مفاوضات السلام التي جرت برعاية النرويج وفنزويلا وتشيلي أيضًا.

قلم حبر مصنوع من رصاصة
بين الشخصيات الأخرى المدعوة إلى هذا الحدث غير المسبوق، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ونظيره لمنظمة الدول الأميركية لويس الماغرو، ووزيرا خارجية الولايات المتحدة جون كيري والفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين.
وستحضر المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد ونظيرها على رأس البنك الدولي جيك يونغ كيم المراسم التي ستستغرق 70 دقيقة وتبث على التلفزيون مباشرة.
في المجموع، سيحضر وزراء خارجية 27 بلدًا، بينهم النرويجي بورجي بريندي، وملك إسبانيا السابق خوان كارلوس والرئيسان السابقان للأوروغواي خوسيه موخيكا والمكسيك ارنستو زيديو، ورئيس الحكومة الإسبانية السابق فيليبي غونزاليس، وكذلك الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان.
وستسبق الحفل مراسم تكريم في الساعة الثامنة (13:00 ت، غ) من قبل الرئيس سانتوس لقوات الأمن. وفي الساعة 12:00 سيترأس الكاردينال بارولين في كنيسة سان بيدرو كلافر «صلاة من أجل المصالحة بين كل الكولومبيين» تجري في الوقت نفسه في «كل أماكن العبادة» في البلاد. وبعد ذلك ستقام مأدبة غداء بحضور الرئيس الكولومبي وكل ضيوفه.
سيوقع سانتوس الاتفاق بقلم حبر تم صنعه من رصاصة رشاش ثقيل أو بندقية استخدم أثناء الحرب سمي «باليغرافو». وقد حفرت عليه عبارة «الرصاص كتب ماضينا، والتعليم هو مستقبلنا». وسيُقدم نموذج منه بعد ذلك إلى كل رئيس دولة والأمين العام للأمم المتحدة.
وصادقت حركة «فارك»، التي انبثقت في 1964 عن تمرد للفلاحين، وتضم اليوم نحو سبعة آلاف مقاتل، على اتفاق السلام الجمعة خلال مؤتمر وطني نظم في آل ديامانتي في قلب معقلها التاريخي في كاغوان (جنوب شرق).
شارك في النزاع المسلح على مر العقود عدد من مختلف حركات التمرد اليساري المتطرفة، بينها «جيش التحرير الوطني» التي تؤمن بمبادئ تشي غيفارا، التي ما زالت ناشطة بعددها البالغ 1500 مقاتل، وقوات شبه عسكرية يمينية متطرفة والقوات المسلحة.
وقد أسفر هذا النزاع عن سقوط أكثر من 260 ألف قتيل، و45 ألف مفقود ونزح 6.9 مليون شخص من بيوتهم. وأعلنت حركة «جيش التحرير الوطني» الأحد هدنة من جانب واحد طوال الفترة التي تسبق الاستفتاء الذي سيجري في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، الذي يفترض أن يوافق فيه الناخبون على اتفاق السلام ليدخل حيز التنفيذ.
وقال بابلو بيلتران زعيم «جيش التحرير الوطني» في مقابلة مع الإذاعة الناطقة باسم هذه الحركة المتمردة: «قررنا أنه لن تجري تحركات هجومية من قبل جيش التحرير الوطني في أيام الاستفتاء هذه لتسهيل مشاركة الناس» في التصويت.
وحشدت السلطات الكولومبية 2700 شرطي وعسكري لضمان أمن مراسم توقيع الاتفاق، وكذلك 29 طائرة ومروحية يحلق بعضها فوق كارتاهينا الأحد. كما تقوم 4 سفن و9 زوارق بمراقبة الساحل. ولا يرتدي هذا المنتجع الساحلي السياحي الذي لم يطله النزاع، أي طابع رمزي.
واختيرت كارتاهينا التي أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) المدينة المحصنة التي بنيت في عهد الاستعمار فيها، على لائحة التراث العالمي، بسبب بنيتها التحتية. وقد فضلتها السلطات على العاصمة بوغوتا التي يمكن أن يسبب موقعها على ارتفاع 2600 متر، مشكلات لبعض الضيوف.

المراحل الخمس الأساسية في تاريخ حركة التمرد
خاضت حركة التمرد «القوات المسلحة الثورية الكولومبية» (فارك) كفاحًا مسلحًا استمر أكثر من نصف قرن، حتى التوصل إلى اتفاق في 24 أغسطس الماضي سيوقع الاثنين في مدينة كارتاهينا.
وفيما يلي المراحل الخمس الأساسية التي مرت بها حركة التمرد الماركسية المدعوة إلى التحول إلى حركة سياسية شرعية:
- 1964: التأسيس
يعتبر السابع والعشرون من مايو (أيار) 1964 تاريخ ولادة «القوات المسلحة الثورية الكولومبية»، لأنه اليوم الذي شهد أول معركة لمجموعة من الفلاحين بقيادة بيدرو أنطونيو مارين، الذي عرف باسمه الحركي مانويل مارولاندا فيليز أو «تيروفيخو»، بعد هجوم للجيش على ماركيتاليا البلدة الواقعة في وسط كولومبيا التي كانت تعتبرها حكومة الرئيس حينذاك غييرمو ليون فالنسيا «جمهورية مستقلة» تميل إلى الشيوعية.

- 1984 و1991 و1999: 3 عمليات سلام و3 إخفاقات
أول محاولة حوار للسلام بين الحكومة و«فارك» بدأت في 28 مارس (آذار) 1984 برئاسة بيليساريو بيتانكور من أجل هدنة ثنائية. هذه المفاوضات أخفقت في 1987 مثل الجولات التي تلت في 1991 في عهد سيزار غافيريا و1999 في عهد أندريس باسترانا. وهذه العملية الأخيرة استمرت حتى 2002 وتعرف باسم «حوارات كاغان» المنطقة المنزوعة السلاح التي تبلغ مساحتها 42 ألف كيلومتر مربع في جنوب البلاد حيث تجمع المقاتلون خلال المحادثات.

- تسعينات القرن العشرين: تصعيد من قبل المتمردين
تحمل تسعينات القرن الماضي ذكرى استراتيجية «فارك» التي تشمل عمليات خطف مدنيين للحصول على فديات وهجمات على القرى وعلى قواعد عسكرية ومراكز للشرطة. ومن أشهر هذه العمليات السيطرة على بلدة ميتو في الأمازون في 1998، الذي أسفر عن سقوط 37 قتيلاً واحتجاز 61 شرطيًا، وكذلك مجزرة بوخايا في 2002 التي قتل فيها 79 شخصًا.
لكن القضية التي كان لها أكبر أثر مدوٍ في الخارج كانت على الأرجح خطف المرشحة السابقة للرئاسة إنغريد بيتانكور في 2002. وخطف هذه السيدة الفرنسية الكولومبية شكل رمزًا لمأساة الكولومبيين المحتجزين لدى المتمردين بعضهم لعشر سنوات.

- الألفية الجديدة: خطة «كولومبيا لمكافحة المخدرات» وهجوم الدولة
أطلقت الولايات المتحدة وحكومة أندريس باسترانا في العام 2000 «خطة كولومبيا لمكافحة تهريب المخدرات» التي وسعت بعد ذلك لتشمل المتمردين. بذلك بدأ عقد من هجوم شرس على «فارك» في عهد الرئيس ألفارو أوريبي (2002 - 2010) الذي أقسم على دحر المتمردين عسكريًا.
في 2008 وبعد موت تيروفيخو لأسباب طبيعية كما يبدو، قتل الجيش لويس ادغار ديفيا، الملقب راؤول رييس، المسؤول الدولي لـ«فارك» في عملية جرت في الإكوادور بالقرب من الحدود.
تواصل ضرب حركة التمرد في عهد الرئيس خوان مانويل سانتوس: في 2010 قتل خورغي بريسينيو، الملقب مونو خوخوي في قصف، ثم في 2011 سقط غييرمو سينز الملقب ألفونسو كانو خليفة تيروفيخو.

- 2012: على طريق إنهاء المواجهة
في 18 أكتوبر 2012 وبمبادرة من دوس سانتوس وزعيم «فارك» الجديد رودريغو لوندونيو الملقب تيموليون خيمينز (تيموشنكو)، بدأت في أوسلو عملية سلام جديدة. وقد دشنت رسميًا في نوفمبر (تشرين الثاني) في هافانا بحضور كوبا والنرويج كدولتين ضامنتين، وتشيلي وفنزويلا كدولتين مواكبتين للمفاوضات.
بعد 4 سنوات وفي 24 أغسطس 2016، أعلن متمردو «فارك» والحكومة التوصل إلى اتفاقات سلام.
وسيوقع الاتفاق رسميًا بحضور عدد كبير من المسؤولين والشخصيات الأجنبية الاثنين في مدينة كارتاهينا في يوم تاريخي لكولومبيا. وستعرض هذه الوثائق على الكولومبيين ليصوّتوا عليها في استفتاء مقرر في الثاني من أكتوبر.
سيلقي كل منهما كلمة في حفل توقيع الاتفاق الذي يبدأ في الساعة 17:00 (22:00 ت، غ) في باحة مركز المؤتمرات في كارتاهينا المنتجع الذي يوصف بأنه «لؤلؤة الكاريبي»، بحضور نحو 2500 شخص دعوا إلى ارتداء ملابس بيضاء، وبينهم عدد من ضحايا النزاع.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.