دي ميستورا يعتبر الأسد المعرقل الوحيد.. وواشنطن تهدد موسكو بوقف التعاون العسكري

«الدفاع» الروسية تتجاهل نداءات الأمم المتحدة وتلقي بالمسؤولية على المعارضة.. إيغلاند: المساعدات عبرت الحدود من تركيا

المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في مؤتمر صحافي حول الأزمة السورية عقد في جنيف أمس (أ.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في مؤتمر صحافي حول الأزمة السورية عقد في جنيف أمس (أ.ب)
TT

دي ميستورا يعتبر الأسد المعرقل الوحيد.. وواشنطن تهدد موسكو بوقف التعاون العسكري

المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في مؤتمر صحافي حول الأزمة السورية عقد في جنيف أمس (أ.ب)
المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في مؤتمر صحافي حول الأزمة السورية عقد في جنيف أمس (أ.ب)

في وقت أعلنت فيه الأمم المتحدة، أن النظام السوري هو المعرقل الوحيد لتوصيل مساعداتها إلى أنحاء البلاد التي مزقتها الحرب، هدد البيت الأبيض روسيا بوقف التعاون العسكري معها إذا لم تتدخل لدى نظام بشار الأسد، للسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عراقيل.
وأعرب المبعوث الخاص للأمين العام المعني بسوريا، ستيفان دي ميستورا، عن الأسف إزاء التأخير المستمر في الحصول على تصاريح من الحكومة السورية للسماح بتوصيل مساعدات الأمم المتحدة إلى أنحاء البلاد التي مزقتها الحرب، داعيا إلى أن يتم إصدار تلك التصاريح «فورًا». وأشار دي ميستورا إلى أن «الحكومة (السورية)، وأكرر الحكومة وحدها المعرقل لدخول المساعدات»، مؤكدا وجود دخول عشرات الشاحنات إلى شرق حلب في انتظار الإذن لها بالدخول. وقال إن النظام يطلب ما يسميه «خطابات تيسير»، وهذا مصطلح بيروقراطي للحصول على تصاريح وإذن بالوصول. وأضاف: «إن الحكومة السورية أعلنت استعدادها لإصدار رسائل تيسير لخمس مناطق، لتأذن للأمم المتحدة بالوصول إليها.. الأمم المتحدة مستعدة للذهاب. رسائل التيسير تلك لم ترد بعد».
من جهته أعلن مسؤول الفريق الإنساني بشأن سوريا، يان إيغلاند، أمس، أن نحو عشرين شاحنة تنقل مساعدات إنسانية من الأمم المتحدة وصلت إلى شرق حلب عبر الحدود التركية، وتنتظر في «منطقة عازلة» تقع بين تركيا وسوريا، معربا عن أمله في توزيعها اليوم الجمعة، في تلك المنطقة التي يعيش فيها نحو 250 ألف شخص في ظروف صعبة.
وفي هذا السياق, ألقى البيت الأبيض باللوم على النظام السوري في منع المساعدات الإنسانية من الدخول إلى المناطق المحاصرة في سوريا، وطالب روسيا بممارسة النفوذ الذي «تدعيه» على نظام الأسد للسماح بإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، مهددا بوقف التعاون العسكري المقرر في الاتفاق بين واشنطن وموسكو ما لم يتم السماح للمساعدات بالنفاذ دون عراقيل
جوش إرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، قال أمس إن النظام السوري هو العقبة الرئيسية أمام فرص زيادة قوافل المساعدات الإنسانية. وتابع: «نحن واضحون حول ما يجب علينا عمله وما يجب على روسيا القيام به. إننا نريد أن نرى وقفا للعنف في سوريا»، قبل أن يضيف: «معظم التقارير والمؤشرات تشير إلى انخفاض العنف بشكل كبير في سوريا بفضل الاتفاق، وهذا شيء إيجابي، لكننا نريد أن يقوم الروس بممارسة النفوذ الذي يدعون امتلاكه على النظام السوري».
ووفق كلام إرنست: «مصداقية روسيا على المحك الآن، وهم (أي الروس) إما غير قادرين على وإما غير راغبين في ممارسة النفوذ الذي يدعونه على النظام السوري». واستطرد بلهجة تهديد «لن يحصل الروس على التعاون العسكري معنا ما لم يتم السماح للمساعدات بالنفاذ وما لم يضغط الروس على النظام السوري للالتزام بوقف إطلاق النار والأعمال العدائية».
في الجانب الآخر, كان واضحا يوم أمس أن الرؤية الروسية لسير تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بعيدة تماما عن الرؤية الدولية التي عبر عنها المبعوث الدولي ستافان دي ميستورا في مؤتمره الصحافي؛ إذ واصلت وزارة الدفاع الروسية كيل الاتهامات للمعارضة السورية بأنها ما زالت تنتهك وقف إطلاق النار من حين لآخر، وحملتها مسؤولية عرقلة دخول المساعدات الإنسانية إلى أحياء حلب الشرقية، هذا في الوقت الذي قال فيه المبعوث الدولي دي ميستورا إن «قوافل المساعدات الإنسانية جاهزة، لكن لا يمكنها التحرك بسبب رفض النظام السوري منح التصريحات الضرورية لدخولها إلى حلب». أما وزارة الخارجية الروسية، فعادت وردت اليوم على التشكيك الأميركي بتنفيذ روسيا لالتزاماتها، بينما كانت الدبلوماسية الروسية على عجل بصورة عامة لبدء المحادثات حول التنسيق لتوجيه ضربات في سوريا بالتعاون مع الأميركيين، الذين قالت وزارة الدفاع إنهم لم يقدموا معلومات دقيقة عن مواقع انتشار مجموعات المعارضة.
فيكتور بوزنيخير، النائب الأول لمدير العمليات في الأركان الروسية، كان قد زعم في تصريحات صحافية يوم أمس، أن «القوات الحكومية توقفت عن إطلاق النار وبدأت عملية سحب تدريجي للدبابات والعربات المدرعة والمدفعية إلى المسافة المحددة (بموجب اتفاق لافروف كيري) تنفيذا لشروط إنشاء منطقة منزوعة السلاح». ثم أكد بعد ذلك نشر مجموعات طائفية تقاتل إلى جانب النظام على الطريق، وذلك حين أشار إلى تجهيز حاجز على طريق الكاستيلو «وتم تسليمه إلى الهلال الأحمر السوري، بينما تم نشر مجموعات المقاومة الشعبية (البستان) و(الدرع) لحماية المعبر»، حسب قول بوزنيخير. ومعروف أن روسيا تطلق على المجموعات التي تقاتل إلى جانب النظام صفة «مقاومة شعبية»، أما «البستان» فالأرجح أنه يقصد الجماعة التابعة لرامي مخلوف، ابن خال الأسد؛ ما يعني أن النظام عمليا لم ينسحب من تلك الطريق كما يدعي المسؤول العسكري الروسي، بل قام بنشر قوات موالية له لمراقبة الطريق وفق ما يقول مراقبون. واكتفى بوزنيخير بالقول إنه لا معلومات لديه حول قيام قوى المعارضة على الطرف الآخر بخطوات كالتي اتخذها النظام بسحب قواته.
من جانب آخر، قال بوزنيخير إن «الشركاء الأميركيين لم يقدموا للجانب الروسي معلومات دقيقة حول مواقع انتشار فصائل المعارضة»، مردفا أن «المعلومات التي قدمها الأميركيون عبارة عن قائمة عامة لمجموعات المعارضة التي يتحكمون بها، دون أن يذكروا عدد الأفراد في تلك المجموعات ولا مناطق انتشارها ولا أسماء قادتها». وحذر، من ثم، من أن مثل هذا التعامل من جانب الأميركيين «لن يعقد التصدي لمقاتلي (جبهة النصرة) فحسب، بل وسيهدد إيصال المساعدات الإنسانية».
في غضون ذلك، ذهب العقيد إيغور كونشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، أبعد من ذلك بتصريحاته زاعما أن «الجيش (النظامي) السوري فقط يلتزم بوقف إطلاق النار»، متهما المعارضة السورية بأنها «تزيد من قصفها للأحياء المدنية»، أما الولايات المتحدة فيبدو أنها تحاول التنصل من التزامها بالفصل بين المعارضة والإرهابيين، وفق ما يرى كوناشينكوف. كذلك زعم الأخير مكررًا «أن روسيا تنفذ التزاماتها منذ اللحظات الأول لبدء العمل بالاتفاق مع الولايات المتحدة». وتجاهل المسؤول العسكري الروسي تأكيدات دي ميستورا بأن قوافل المساعدات الإنسانية لا تستطيع التحرك بسبب تعطيل النظام السوري الذي لم يمنح التصريحات الضرورية. إذ تعمد كوناشينكوف تجاهل كلام دي ميستورا وحمّل المسؤولية عن عرقلة دخول المساعدات الإنسانية للمعارضة حين شكك باستعداد الولايات المتحدة والمعارضة على الانسحاب المتزامن مع القوات الحكومية من محيط طريق الكاستيلو لتأمين وصول المساعدات.
في هذه الأثناء، تقول روسيا إنها تواصل اهتمامها باللحظة التي سيبدأ فيها العمل المشترك مع الولايات المتحدة ضد الجماعات الإرهابية في سوريا. وأكد غينادي غاتيلوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن المركز التنفيذي لتنسيق العمليات بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا «يجب أن يبدأ عمله بموجب اتفاق التاسع من سبتمبر (أيلول) خلال سبعة أيام من تاريخ الاتفاق، أي أنه سيبدأ خلال أيام في جنيف». ومن جانبها، علقت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، على إبداء الولايات المتحدة شكوكها بشأن تنفيذ روسيا لالتزاماتها التي ينص عليها الاتفاق حول سوريا، وقالت إن «مثل تلك التصريحات الأميركية ليست منطقية وغير بناءة».



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.