افتقار «الكوماندوز النسائي» للخبرة أنقذ باريس مرتين من عمليات تخريبية

الإرهاب بصيغة المؤنث في فرنسا: إيناس وسارة وآمال وأورنيلا

جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة  بوسي سان أنطوان  في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
TT

افتقار «الكوماندوز النسائي» للخبرة أنقذ باريس مرتين من عمليات تخريبية

جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة  بوسي سان أنطوان  في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)
جنود وضباط شرطة فرنسيون من فرقة مكافحة الإرهاب بعد مداهمات في مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوب باريس أول من أمس (رويترز)

أسماؤهن: إيناس، وسارة، وآمال، وأورنيلا وربما هناك أخريات من المرجح أن يكشف التحقيق الذي تقوم به الأجهزة الأمنية الفرنسية عن هوياتهن. هؤلاء يشكلن «الكوماندوز النسائي الإرهابي» الذي حاول ارتكاب عمل إرهابي من نوع جديد في باريس عن طريق ركن سيارة مملوءة بقوارير الغاز قرب كاتدرائية نوتردام وهي الكنيسة الرئيسية الواقعة في قلب العاصمة الفرنسية والتي تشهد ازدحاما بشريا طيلة أيام السنة. والكوماندوز نفسه كان يخطط، وفق ما رشح عن الأجهزة الأمنية وما أفاد به المدعي العام للشؤون الإرهابية في فرنسا فرنسوا مولينس لتفجير محطة للقطارات في باريس أو في الضواحي. وتفيد معلومات متوافرة أن المكان المستهدف كان المحطة المعروفة باسم «محطة ليون» التي تنطلق منها القطارات باتجاه الجنوب والجنوب الشرقي الفرنسي وصولا إلى مرسيليا ونيس ومرورا بمدينة ليون.
المرجح أن ما قد يكون أنقذ العاصمة الفرنسية من عملية إرهابية إضافية كانت ستوقع كثيرا من الضحايا في حال حصولها، أمران: الأول أن «الكوماندوز النسائي» يتشكل، لحسن الحظ، من «هاويات». ذلك أن إيناس مدني البالغة من العمر، 19 عاما، وصديقتها أورنيلا اللتين ركنتا سيارة البيجو 607 إلى جانب الكاتدرائية لم تنجحا في إشعال قوارير الغاز، التي كان يفترض بها أن تشعل أسطوانات الغاز وتتسبب في الانفجار الكبير. ولدى تفتيش السيارة، عثر المحققون الفرنسيون على جزء من سيجارة أشعلت وعلى غطاء يظن أن الفتاتين أرادتا إشعاله أولا لتفجير الأسطوانات الخمس الممتلئة. وبما أنهما لم تنجحا في ذلك، فقد تخليتا عن مشروعهما ولاذتا بالفرار تاركتين وراءهما السيارة من غير لوحة معدنية. والحال أن الشرطة تعرفت سريعا على صاحب السيارة الذي هو والد إيناس مدني، وهو معروف لديها بسبب تشدده الديني. وكانت إيناس التي كانت تسكن في وسط فرنسا قد «اختفت» مع السيارة منذ عدة أيام.
أما الأمر الثاني الذي أنقذ العاصمة والذي يدل على أن الكوماندوز النسائي كان يفتقر للخبرة فقوامه أن الأجهزة الأمنية كانت قد أخضعت هاتف سارة الجوال لعملية تنصت الأمر الذي سمح لها بالتعرف على وجود خطة للهجوم على محطة القطارات، وتحديدا يوم الخميس الماضي. وهذه المعلومة دفعت الشرطة إلى تشديد الرقابة على المحطات كلها في باريس والضواحي وعمدت إلى استباق التنفيذ من خلال القبض على النساء الأربع.
الواقع أن سارة ليست وافدة جديدة على عالم التشدد والإرهاب. وإذا كانت إيناس قد بايعت «داعش» وسعت لتنفيذ عملية إرهابية بطلب من هذا التنظيم لفشلها في الوصول إلى «ميادين التطرف» في سوريا والعراق، فإن سارة فعلت ذلك وذهبت إلى تركيا حيث قبض عليها وأعيدت إلى فرنسا في ربيع العام الماضي. ورغم أن اسمها موجود على لائحة الأشخاص الخطرين الموضوعة أسماؤهم تحت الملف «S»، فقد أخلي سبيلها وأصبحت تباعا خطيبة الإرهابي العروسي عبد الله، قاتل ضابط الشرطة وزوجته اللذين ذبحا في شهر يونيو (حزيران) الماضي في مدينة مانيانفيل، شمال العاصمة. وبعد مقتله، ارتبطت بعلاقة مع عادل كرميش الذي ذبح كاهن كنيسة سان إتيان دو روفريه «قريبا من مدينة روان» في شهر يوليو (تموز) الماضي.
وبعد مقتل الثاني، أصبحت خطيبة محمد لمين عبروز، الذي ألقي القبض عليه الخميس الماضي. وهذا الأخير هو شقيق أحد الذين مدوا يد المساعدة للعروسي عبد الله وهو يرتع في السجن.
عندما عمدت الشرطة للقبض على إيناس مدني في شارع من مدينة بوسي سان أنطوان في منطقة أيسون الواقعة جنوبي باريس، عثر في حقيبة يدها على رسالة قرأ المدعي العام مولينس فقرات منها في مؤتمره الصحافي أول من أمس. وجاء في المبايعة المكتوبة بخط اليد أنها تقوم بهذه العملية «استجابة لدعوة أبو محمد العدناني، حيث قالت: «أنا أهاجمكم في عقر داركم لإثارة الهلع في قلوبكم». وبحسب مولينس، فإن «الكوماندوز النسائي الإرهابي» كان يتحرك بتوجيه من الخارج وتحديدا من «داعش». وبحسب ما تسرب عن الأجهزة الأمنية، فإن «مشغل» الإرهابيات هو أحد كوادر «داعش» واسمه رشيد قاسم وهو كان شغل آخرين قاموا بعمليات إرهابية في فرنسا في الأشهر الماضية وبينها عملية قتل الشرطيين وذبح الكاهن.
عند حصول عملية إرهابية في الأشهر الماضية «240 قتيلا خلال 20 شهرا ومئات الجرحى»، كانت الانتقادات تنصب من اليمين واليمن المتطرف على فشل السلطة والأجهزة الأمنية في حماية الفرنسيين. وكان كبار المسؤولين «رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية» يؤكدون أن التدابير كافة قد اتخذت وأن البلاد تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ خريف عام 2015.
أمس، لم يخف الوزير برنار كازنوف فرحه بسبب تعطيل الخلية النسائية وتحاشي عمليات إرهابية جديدة لا بل ذهب أبعد من ذلك ليظهر أن الشرطة والدرك والمخابرات الداخلية والقضاء تقوم بواجباتها. وبحسب الأرقام التي كشف عنها كازنوف، فإن أجهزة الداخلية ألقت القبض على 293 شخصا مرتبطين بخلايا إرهابية في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي ما يعني تفكيك كثير من الخلايا وتلافي عشرات الهجمات الإرهابية. بيد أن كازنوف سارع إلى القول إن هذا الإنجاز «لا يعني قدرتنا على تحاشي كل المحاولات» خصوصا أن الساعين لمثل هذه الأعمال يستخدمون، على حد قوله، وسائل جديدة للإفلات من الرقابة واللجوء إلى الرسائل المشفرة والأدوات الإرهابية غير المستخدمة سابقا في الإشارة مثلا إلى استخدام شاحنة في عملية كورنيش مدينة نيس (85 قتيلا) أو استخدام أسطوانات الغاز في محاولة الاعتداء الأخيرة. وخلص وزير الداخلية إلى أن «درجة الصفر» من المخاطر الإرهابية غير موجودة. وسبق لرئيس الجمهورية فرنسوا هولاند ورئيس الحكومة مانويل فالس أن دعيا الفرنسيين لليقظة وتوقع حصول أعمال إرهابية جديدة.
ويرى مراقبون أن «داعش» آخذ، عن طريق البدء باستخدام الفتيات والنساء لتنفيذ عمليات إرهابية، وآخذ في تحقيق «نقلة استراتيجية» في عملياته الخارجية التي لا تتوافق مع الدور المناط بالنساء في «أرض الخلافة». وإذا كان صحيحا أن الأجهزة الأمنية نجحت في الأشهر الأخيرة في استباق محاولات سعت إليها فتيات في فرنسا كن عازمات على القيام بأفعال من النوع الإرهابي بسبب عجزهن عن السفر إلى سوريا والعراق، إلا أنها المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا على ظاهرة الكوماندوز النسائي الإرهابي وفق تسمية مولينس.
في الأسابيع الأخيرة، انشغل الفرنسيون والفرنسيات عن موضوع الإرهاب بمعركة «البوركيني» التي لم تنته بعد فصوله. لكن توقيف الكوماندوز المذكور أعاد إلى الواجهة التهديدات الإرهابية ولكنها هذه المرة بصيغة المؤنث.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.