بيونغ يانغ تتحدى العالم

أوباما: لم ولن نقبل كوريا الشمالية نووية.. وسننشر منظومات دفاعية عسكرية في المنطقة

قوات برمائية كورية جنوبية تطلق قذائف دخانية خلال عمليات عسكرية في الذكرى الـ66 للحرب الكورية أمس (أ.ف.ب)
قوات برمائية كورية جنوبية تطلق قذائف دخانية خلال عمليات عسكرية في الذكرى الـ66 للحرب الكورية أمس (أ.ف.ب)
TT

بيونغ يانغ تتحدى العالم

قوات برمائية كورية جنوبية تطلق قذائف دخانية خلال عمليات عسكرية في الذكرى الـ66 للحرب الكورية أمس (أ.ف.ب)
قوات برمائية كورية جنوبية تطلق قذائف دخانية خلال عمليات عسكرية في الذكرى الـ66 للحرب الكورية أمس (أ.ف.ب)

تحدت بيونغ يانغ المجتمع الدولي مرة أخرى بتجاربها النووية المتكررة، وأغضبت حتى حليفها الصيني. أحدث نشاطاتها العسكرية و«أخطرها» أجري أمس، وذلك بعد ثلاثة أيام من انتهاء قمة رابطة بلدان جنوب شرقي آسيا (آسيان)، التي أدانت كوريا الشمالية على إطلاقها قبل أسبوع صواريخ باليستية باتجاه المياه اليابانية. رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي قال: «لا يمكننا أن نتساهل مع (حقيقة) أن كوريا الشمالية تمكنت من إجراء تجربة نووية». وأضاف أن «برامج التطوير التي تجريها بيونغ يانغ في مجال الطاقة النووية والصواريخ تمثل تهديدا خطيرا لأمن اليابان وتقوض الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم بشدة».
بيونغ يانغ أغضبت بتجربتها حليفتها الصين، التي قالت إنها «تعترض بشدة» على التجربة النووية الخامسة، التي أجرتها كوريا الشمالية، وقالت سيول إنها الأقوى حتى الآن. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن كوريا الشمالية «أجرت اليوم مجددا تجربة نووية على الرغم من المعارضة العامة للأسرة الدولية»، مؤكدة أنها «تجربة تعترض عليها الحكومة الصينية بشدة». وأضافت الوزارة: «ندعو بقوة بيونغ يانغ إلى احترام التزاماتها في الحد من انتشار السلاح النووي وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي في هذا المجال والامتناع عن أي عمل يمكن أن يؤدي إلى تدهور الوضع». كما دعت الخارجية الصينية إلى تسوية الخلافات عبر المفاوضات السداسية المتوقفة منذ فترة طويلة.
وفي الأمس، أعلنت كوريا الشمالية أن تجربتها النووية الخامسة أكدت قدرتها على وضع رأس نووية على صاروخ. وقالت وكالة الأنباء الكورية الشمالية إن «هذه التجربة النووية أكدت في نهاية المطاف (...) البنية والمميزات الخاصة لرأس نووي أعد بطريقة تمكن من وضعه على صواريخ باليستية استراتيجية».
وأضافت أن التجربة «رفعت بلا شك إلى مستوى أعلى تقنية كوريا الشمالية التي تهدف إلى وضع رؤوس نووية على صواريخ باليستية».
وقال التلفزيون الكوري الشمالي إن «علماءنا النوويين أجروا اختبارا لانفجار ذري لرأس نووي حديث في موقع الاختبارات النووية في شمال البلاد». وأضاف أن «حزبنا يوجه رسالة تهنئة إلى علمائنا النوويين (...) لإجرائهم تجربة ناجحة لتفجير رأس نووي».
وكان الرئيس كيم غونغ - أون أعلن في مارس (آذار) أن بلاده نجحت في تصغير رأس نووي حراري يمكن تحميله على صاروخ باليستي، لكن خبراء شككوا في ذلك.
وذكرت وكالة أنباء «جيجي برس» اليابانية أن وزارة الدفاع أرسلت ثلاث طائرات من طراز «تي - 4» التدريبية من قاعدة هياكوري الجوية بجزيرة كيوشو بجنوب البلاد لجمع عينات من الهواء لتحليلها والكشف عما إذا كانت توجد هناك مواد مشعة.
وأدانت الولايات المتحدة بأشد العبارات التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية واعتبرتها تهديدا خطيرا للأمن الإقليمي والسلام والاستقرار الدوليين. وشدد الرئيس الأميركي على أن بلاده لم ولن تقبل كوريا الشمالية كدولة نووية. فيما أعلن مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع طارئ لمناقشة كيفية الرد على الاستفزازات من قبل كوريا الشمالية. وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما: «إن الولايات المتحدة لم ولن تقبل كوريا الشمالية كدولة نووية وتبعد بعيدا عن تحقيق الأهداف المعلنة للأمن الوطني والتنمية الاقتصادية وبدلا من ذلك تقوم بأعمال استفزازية ومزعزعة للاستقرار بما يؤدي لمزيد من العزلة الدولية لكوريا الشمالية وإفقار الشعب من خلال السعي الحثيث لامتلاك أسلحة نووية وقدرات صاروخية بالستية».
وشدد الرئيس الأميركي على أن ما قامت به كوريا الشمالية من تجربة نووية يعد انتهاكا صارخا لعدة قرارات لمجلس الأمن الدولي وتجاهلا من قبل كوريا الشمالية للقواعد والمعايير الدولية. وقال أوباما: «كقائد أعلى لدي مسؤولية لحماية الشعب الأميركي والتأكد من أن الولايات المتحدة تقود المجتمع الدولي في التصدي لهذا التهديد وغيره من الاستفزازات من قبل كوريا الشمالية بكل عزم وإدانة».
وأوضح أوباما أن كوريا الشمالية تقف باعتبارها الدولة الوحيدة التي تجري اختبارا للأسلحة النووية في هذا القرن. وقال: «اختبار اليوم الذي يعد الثاني هذا العام لكوريا لشمالية يأتي في أعقاب حملة غير مسبوقة من إطلاق الصواريخ البالستية التي تدعي كوريا الشمالية أنها تستطيع حمل الأسلحة النووية التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءنا وجمهورية كوريا واليابان».
وأكد أوباما التزام بلاده – الذي لا يتزعزع - باتخاذ الخطوات اللازمة للدفاع عن الحلفاء بالمنطقة بما في ذلك نشر محطة دفاع ثاد وبطاريات في كوريا الجنوبية والالتزام بتوفير نظم الردع الممتدة التي تضمنها مجموعة كاملة من القدرات الدفاعية الأميركية.
كما أدانت سول التجربة ووصفتها بأنها «استفزاز خطير». وقالت رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون هي إن هذه التجربة تمثل استفزازا سيؤدي إلى مزيد من العقوبات الدولية، وأكدت أن بلادها سوف تتخذ «كافة الإجراءات الممكنة» لإرغام بيونغ يانغ على التخلي عن برنامجها النووي. ونقلت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية عن مستشار الأمن الوطني تشو تاي يونج قوله إن «بيونغ يانغ تقوم باستفزازات خطيرة وتركز على تطوير أسلحتها النووية وصواريخها. لا بد أن يدركوا أنهم لن يحصلوا على شيء من وراء هذه الجهود». وأضاف تشو: «نحذر كوريا الشمالية بصرامة كي تتخلى تماما عن برامجها النووية وتطوير الصواريخ بشكل لا رجعة فيه وبصورة شفافة».
وأصدرت رئاسة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية بيانا تقول فيه: «تشير تقديراتنا إلى أن كوريا الشمالية قامت بإجراء أكبر تجربة على الإطلاق». مضيفة أنه من المعتقد أن قوة الانفجار تصل إلى 10 كيلو طن.
وتسببت التجربة النووية الكورية الشمالية في وقوع زلزال بقوة 5 درجات على مقياس ريختر بالقرب من موقع «بونجي ري» للاختبارات النووية تحت الأرض، الذي أجريت فيه كل التجارب النووية الكورية الشمالية منذ أن بدأت بيونغ يانغ في إجرائها عام 2006، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية مؤخرا حدوث نشاط في الموقع.
وأفاد المعهد الأميركي للجيولوجيا أن الزلزال هو في الواقع «انفجار محتمل» قرب سطح الأرض وليس في باطنها. لكنه لم يتمكن من تحديد مصدره. أما وكالة الأرصاد الجوية اليابانية فقد قالت إن الموجة التي سجلت مع الهزة الأرضية «مختلفة عن تلك التي ترصد عند وقوع زلزال طبيعي».
وصرح رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن خامس تجربة نووية تجريها كوريا الشمالية تثير «قلقا عميقا» وتنتهك قرارات مجلس الأمن الدولي.
وقال يوكيا أمانو إن التجربة النووية الكورية الشمالية «تمثل انتهاكا صارخا لكثير من قرارات مجلس الأمن الدولي وتتجاهل بشكل كامل المطالب المتكررة من المجتمع الدولي». وأضاف أمانو، في بيان تناقلته وكالات الأنباء: «إنه عمل مقلق بشكل عميق ومؤسف».
ومن ناحية أخرى تثير التجارب النووية بحد ذاتها القلق من التلوث النووي في المنطقة بغض النظر عن البعد العسكري. التجربة النووية السابقة في يناير (كانون الثاني) تعادل تقريبا نصف الحصيلة الانفجارية لقنبلة هيروشيما. ويترافق مع ذلك انبعاث كمية من الإشعاعات الذرية تؤثر على منطقة شمال شرق آسيا برمتها.
وفي اليابان، رفعت وزارة البيئة اليابانية وضعية قياس الإشعاعات النووية إلى حالة الطوارئ مما يعني أن قياس الإشعاعات الذي يجري عادةً مرة كل ساعة سيجري كل دقيقتين. وفي مقاطعة نيغاتا الشمالية المقابلة لشبه الجزيرة الكورية تم تشكيل حلقة اتصال لسبر الأشعة في المنطقة والتواصل مع المقاطعات المجاورة. كما أعلنت يوريكو كوئيكي عمدة طوكيو أن البلدية سوف تقوم بقياس الإشعاعات النووية في مياه العاصمة لتحديد ما إذا كانت قد ارتفعت بعد الانفجار.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.