هل ينجح ترامب في تثبيت نفسه كمرشح للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية؟

قبل يوم من انطلاق مؤتمر الحزبين الجمهوري والديمقراطي

أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
TT

هل ينجح ترامب في تثبيت نفسه كمرشح للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية؟

أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)

يبدأ الحزب الجمهوري غدًا الاثنين مؤتمره لاختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية الذي يتوقع أن يكون دونالد ترامب، في كليفلاند (ولاية أوهايو). فيما يبدأ مؤتمر الحزب الديمقراطي بعد ذلك بأسبوع لاختيار مرشحته لرئاسة الجمهورية، والتي يتوقع أن تكون هيلاري كلينتون، في فلادلفيا (ولاية بنسلفانيا).
ووعد مسؤولو الحزب الجمهوري بأن يكون شعار مؤتمر الغد هو نفس شعار حملة ترامب: «لنعد لأميركا عظمتها». ومن المواضيع التي ستناقش في المؤتمر «الأمن القومي والهجرة والتجارة والوظائف»، بحسب جيف لارسون الرئيس التنفيذي للمؤتمر الوطني للحزب الجمهوري 2016.
وسيتطلع الملياردير ترامب لتثبيت تسميته مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية في مؤتمر كليفلاند، لكن يتوقع أن يكون شائكًا ومخالفًا للتقاليد المتبعة حتى الآن.
ويبدو أن هذا الديمقراطي السابق والجديد على عالم السياسة سيحصل رسميًا على تسميته مرشحًا للبيت الأبيض عن الحزب الجمهوري بعد فوز كاسح في الانتخابات التمهيدية. والغرض من المؤتمر الذي ينعقد مرة كل أربع سنوات، جمع الجمهوريين ليختاروا رسميًا مرشحهم الرئاسي وإطلاق الحزب لانتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. غير أن ترامب يواجه مهمة شاقة في إقناع منتقديه داخل الحزب.
وقبل أربعة أعوام ومع نهاية مؤتمر كل حزب لانتخابات الرئاسة خلال عام 2012، وضع كل حزب ملامح مؤتمر هذه الانتخابات الرئاسية الحالية. وقبل أن يحدد كل حزب مكان وزمان مؤتمره هذه المرة، ناقش عدة قضايا في غاية الأهمية، أبرزها نهاية جلسات الكونغرس، وتوقيت منافسات الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو. لكن ليست هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها الحزبان اعتبارات لمثل هذه العوامل.
ففي عام 1996 عقد كل حزب مؤتمره في أغسطس (آب)، وذلك لاستيعاب دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في الشهر السابق يوليو (تموز) في أتلانتا (ولاية جورجيا). وفي عام 2000، عقد كل حزب مؤتمره في يوليو أيضا، قبل دورة الألعاب الأولمبية في مدينة سيدني الأسترالية، التي عقدت في الشهر التالي. وفي عام 2008، عقد الحزب الديمقراطي مؤتمره في نهاية أغسطس، فيما عقد الحزب الجمهوري مؤتمره في بداية سبتمبر (أيلول)، بسبب دورة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها الصين في أغسطس.
لكن مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة، فعادة ما يستمر مؤتمر كل حزب أربعة أو خمسة أيام، وقبل كل مؤتمر بعام كامل تقريبًا، يطلب من لجنة الحزب في كل ولاية بداية إجراءات اختيار مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية (الاستعداد للانتخابات التمهيدية)، وتبلغ لجنة الحزب في كل ولاية عدد مقاعد الولاية في مؤتمر الحزب الذي سيختار المرشح، وذلك حسب عدد سكان الولاية، أو عدد نواب الحزب في مجلس النواب، أو ممثلين تختارهم لجنة الحزب، «سيوبر ديليقتز». كما تعلن طريقة اختيار، وتصويت ممثلي كل ولاية في المؤتمر، حيث يختار ممثلو الولاية مرشحًا واحدًا فاز على الباقين، أو يصوتون لكل مرشح حسب الأصوات التي نالها، أو يختارون من يريدون من المرشحين.
وبهذا الخصوص توقعت صحيفة «فلادلفيا انكوأيارار» أن يمثل الحزب الجمهوري 2,500 مندوب في مؤتمره في كليفلاند، وأن يمثل الحزب الديمقراطي 4,500 مندوب (و600 مندوب احتياطي) في مؤتمره في فلادلفيا. هذا بالإضافة إلى آلاف من الزوار (أميركيين وأجانب)، ومن الصحافيين والمتطوعين، ومندوبي شركات الإعلانات لمختلف أنواع الأكل والمشروبات والترفيه، وأيضا المتظاهرين. ولهذه العوامل مجتمعة قالت الصحيفة: «هذه المرة، ومثلما حدث في مرات سابقة، تظل عملية انتخاب مرشح للحزب معقدة، إذا لم تكن فوضوية». ورغم أن كل حزب يعلن، في النهاية، مرشحه، يحدث ذلك بعدما يقول كثير من الأميركيون إنه «سيرك سياسي».
لكن في الحقيقة فحتى الانتخابات التمهيدية التي سبقت مؤتمري الحزبين، يمكن أن توصف حسب بعض المحللين بأنها «سيرك سياسي»، وذلك بسبب اختلاف طريقة التصويت.
فمن جهة تصوت ولايات، مثل ولاية نيويورك، بالاقتصار على أعضاء كل حزب فقط لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية. ومن جانب آخر تصوت ولايات، مثل ولاية وسكونسن، بفتح باب التصويت لجميع الناخبين المسجلين فيها، بما في ذلك غير المنتمين لأي من الحزبين. وفي المقابل، تصوت ولايات، مثل ولاية نيوهامشير، بفتح باب التصويت لجميع الناخبين المسجلين في الحزب الديمقراطي للتصويت في انتخابات الحزب الجمهوري، والعكس.
لكن، توجد ولايات لا تجرى فيها انتخابات تمهيدية بهذه الطريقة، حيث يتجمع أعضاء كل حزب في كل مقاطعة، أو مدينة، ويقدم المرشحون أنفسهم وبرامجهم، ويصوت ناخبو كل حزب لمن يريدون، وعندما ينتقل هؤلاء إلى مؤتمر الحزب (هذه المرة في فلادلفيا وكليفلاند) يصوتون حسب نفس النسب التي حصل عليها المرشحون في المؤتمرات الحزبية. وإضافة إلى هذا فإن مواعيد الانتخابات التمهيدية تختلف حسب قرار الحزبين في كل ولاية، وعادة تأتي في البداية ولاية آيوا، ثم ولاية نيو هامبشير.
وعبر السنوات ظل بعض الأميركيين ينتقدون هذا الترتيب، حيث تحظى أولاً هاتين الولايتين، وبقية الولايات الأوائل، بمتابعات إعلامية وشعبية ضخمة، ثم تزيد بعد ذلك نسب التصويت في تلك الولايات الأوائل، لأن اختيار المرشحين لم يحسم بعد. وكمثال على ذلك ففي عام 2004 أجرت ولاية نيوجيرسي انتخاباتها التمهيدية، بعدما حسم المرشح الديمقراطي آل غور المعركة، وفاز بأغلبية أصوات الانتخابات التمهيدية.
وبالإضافة إلى ميعاد المؤتمر، تحدد اللجنة الوطنية لكل حزب مكان المؤتمر. وعادة ما يحدث هذا قبل عامين تقريبا. وحول هذا الموضوع قالت مجلة «تايم» بمناسبة مؤتمري الحزبين في انتخابات عام 2012: «لقد تحول مؤتمر الحزب من تجمع سياسيين يتناقشون ويناورون إلى مناسبة اقتصادية عملاقة. ولهذا، صارت المدن الكبيرة تتنافس حوله، ليس حبًا في حزب دون حزب، ولكن لإنعاش اقتصادها، وخصوصًا الفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه».
لكن الوضع كان مختلفًا نوعًا ما خلال العقود الأولى بعد تأسيس الولايات المتحدة، حيث كان كل حزب يختار مكان عقد مؤتمره حسب سهولة المواصلات. ولهذا كانت مدن الساحل الشرقي هي المفضلة، خاصة مدن الموانئ البحرية، مثل بولتيمور ونيويورك. ومع توسع الولايات المتحدة غربًا، وانتشار الخطوط الحديدية، ظهرت أهمية مدن الغرب الأوسط (مثل شيكاغو)، التي استضافت منذ عام 1860، 25 مؤتمرًا للحزبين.
ومثل دورات الألعاب الأولمبية في كل مرة، تتنافس المدن على استضافة مؤتمر كل حزب، ثم تنتظر قرار كل حزب، وتحدد عدة عوامل هذا القرار. فمثلا في عام 2004 اختار الحزب الجمهوري نيويورك بسبب هجمات 11 سبتمبر هناك، وبسبب دور الرئيس جورج بوش الابن في مواجهة الهجمات، وفي إعلان «الحرب ضد الإرهاب». وفي عام 2012، قال مدير حملة الرئيس أوباما الانتخابية الثانية جيم ميسينا: «لقد اخترنا شارلوت (ولاية نورث كارولينا) لأننا نؤمن إيمانًا قويًا بالجنوب الجديد، ولأننا نرى أن الرئيس أوباما يمثل الجيل الجديد».
وكلما زادت أحجام المؤتمرات، توسعت أماكن عقدها. ففي السابق كانت تعقد في قاعات مؤتمرات تكفي لبضعة آلاف شخص. لكنها أصبحت تعقد الآن في استادات رياضية عملاقة. وفي عام 2008 اشترط الحزب الجمهوري على المدن التي ترشحت لاستضافة مؤتمره وجود قاعة تسع لعشرين ألف شخص، فانسحبت مدن كثيرة وفاز استاد «أكسيل» في سانت بول (ولاية منيسوتا). وفي نفس عام 2008، ومع تضاعف حماس كثير من الأميركيين للمرشح باراك أوباما، حضر 80,000 شخص تقريبًا اليوم الأخير لمؤتمر الحزب الديمقراطي في استاد «أنفبسكو» في دنفر (ولاية كولورادو).
لكن بسبب زيادة الإجراءات الأمنية في الولايات المتحدة منذ هجمات عام 2001، وبسبب زيادة تعقيدات الإجراءات التنظيمية، صار منظمو هذه المؤتمرات يوزعون أيام المؤتمر على نحو مختلف وغير متشابه. وفي هذا السياق قارنت مجلة «تايم» بين برامج الحزبين الأميركيين، وبين برامج الأحزاب الأوروبية فقالت: «يكتب الأميركيون برنامج الحزب كسياسة عامة وبلغة مائعة، تهدف إلى إرضاء الأجنحة المتنافسة داخل الحزب. وعكس هذا تركز البيانات الانتخابية للأحزاب الأوروبية على أجندة ملزمة بالنسبة للحزب، وبالنسبة للمرشح».
لكن مؤتمر الحزبين هذه المرة تشوبه عدة مخاوف، وفي تعليق على قتل أسود لخمسة من رجال الشرطة البيض في دالاس (ولاية تكساس)، وقتل شرطي أبيض لأسود في منيابوليس (ولاية منيسوتا)، تساءلت صحيفة «واشنطن بوست»: «ألا يجب أن نحتاط جميعًا لما يمكن أن يحدث من عنف خلال مؤتمري الحزبين، مع أننا نأمل ألا يحدث ذلك؟».
وبالإضافة إلى خطب ممثلي الولايات لكل حزب، وخطب قادة كل حزب في الكونغرس، جرت العادة على خطاب خاص له رمز معين، يلقيه «نجم» معين. في عام 1984، وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي، كان «النجم» هو القس الأسود جيسي جاكسون، وكانت تلك أول مرة يلقي فيها أسود خطابًا رئيسيًا في مؤتمر أي من الحزبين. وفي عام 1992 وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي كان «النجم» هو زيل ميلار، حاكم ولاية أركنسا، الذي ألقى خطابًا عن المرشح بيل كلينتون، ابن الولاية. وفي عام 1996، وخلال مؤتمر الحزب الجمهوري، كانت «النجمة» هي عضو الكونغرس سوزان موليناري، التي تحدثت بالنيابة عن «المعتدلين الجمهوريين»، في مواجهة لوبي الأغلبية الأخلاقية (مورال ماجوروتي) الذي بدأ يسيطر على الحزب.
وفي عام 2004، وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي، كان «النجم» هو السيناتور الأسود باراك أوباما، الذي تحدث تأييدًا لمرشح الحزب السيناتور جون كيري. وكانت تلك بداية تسليط الأضواء على أوباما (ترشح للرئاسة عام 2008).
وفي كتاب مذكراته بعنوان «الجرأة على الأمل»، قارن أوباما بين خطابه أمام مؤتمر الحزب في عام 2004، وبين خطاب القس الأسود جاكسون أمام مؤتمر الحزب في عام 1984. وقال: «لننظر ونتمعن ونستلهم ما حدث خلال عشرين عامًا، بين عامي 1984 و2004».



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.