الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

تصاميم رومانسية.. خطوط أنثوية وهروب من الواقع.. عنوان الـ«هوت كوتير» للخريف والشتاء المقبلين

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع
TT

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

في موسم تحول فيه الكل في باريس إلى محللين سياسيين، لا حديث لهم سوى عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتبعات هذا الخروج على الحياة عموما والموضة خصوصا، أكد المصممون، كما أكدت بريطانيا، أن الأعوام القادمة ستكون للمرأة.
بريطانيا قالت كلمتها باختيارها امرأة لمنصب رئيس الوزراء لأول مرة منذ ثاتشر. فبعد منافسة بين وزيرة الدولة للطاقة أندريا ليدسوم، ووزيرة الداخلية تيريزا ماي، على زعامة حزب المحافظين البريطاني ومن ثم رئاسة الوزراء، كان الفوز من نصيب ماي. أما الموضة فعبرت عن الأمر باحتفالها بالأنوثة من خلال أزياء رومانسية تفوح من جوانبها رائحة التفاؤل، أو بالأحرى الرغبة في إلغاء كل ما يتعلق بالواقع، من تراجع الاقتصاد إلى العمليات الإرهابية التي تهز العالم. كانت هناك أيضًا عودة إلى الماضي البعيد، لأنه بالنسبة لهم أضمن من الحاضر والمستقبل، خصوصًا وأنهم يعرفون ما يتوقعونه منه. وبالفعل، بدءا من «ديور»، و«أتولييه فرساتشي»، و«أرماني بريفيه»، و«رالف أند روسو»، إلى «جيامباتيستا فالي» و«إيلي صعب» وغيرهم، تحولت عروض باريس إلى شبه واحة للهروب، ليس من الواقع الحزين بكل مشكلاته وتعقيداته فحسب، بل أيضًا من الموضة «السبور» الدارجة حاليًا. فأغلب المصممين وظفوا خيالهم في التفصيل والعودة إلى الزمن الجميل، حين كانت المرأة تحتفل بأنوثتها على الملأ، من دون خوف أن يدينها العالم على بذخها وإسرافها. ورغم أن دماء الإمبراطورة ماري أنطوانيت، التي جسدت هذا البذخ في القرن الثامن عشر، لا تجري في عروق زبونة الـ«هوت كوتير» المعاصرة، إلا أنها لا تختلف عنها في عشقها للموضة وتوقها للتفرد. هذه الزبونة تتميز أيضًا بالقوة، سواء من ناحية شخصيتها أو قدرتها المالية، وتأتي باريس في هذا الموسم خصيصا لتنتقي فساتين لا مثيل لها، بغض النظر عن أسعارها. وهذا يعني أنها لا تريدها بتصاميم أو خامات تأخذ بعين الاعتبار الأحوال الاقتصادية المتردية، كما لا تريدها أن تعكس ثقافة الشارع والواقع، بل تريدها أن تحلق بها عاليًا وتحقق أحلامها، وبالتالي تتوقع فساتين تحاكي التحف، لا يبخل عليها المصممون بشيء، سواء تطلبت هذه الفساتين تنورات مستديرة أو بذيول طويلة تليق بالقصور والمناسبات الكبيرة. والحقيقة أن كل المصممين، ودون استثناء، اجتهدوا أن لا يخيبوا آمال هذه المرأة وتوقعاتها، ونجحوا بنسب مختلفة. فقد غاب الأسلوب الـ«سبور» الدارج حاليا في شوارع الموضة العالمية، وحلت محله تصاميم تستحضر الخمسينات من القرن الماضي، حين تمرد أمثال كريستيان ديور على تقشف الحرب العالمية الثانية وأعادوا للمرأة أنوثتها المسروقة، من خلال تحف يستغرق تنفيذها آلاف الساعات وتتطلب أمتارا طويلة من أقمشة مترفة تبرر أسعارها التي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
إضافة إلى تأثير الخمسينات من القرن الماضي، عاد بعضهم إلى ماري أنطوانيت، وبعضهم الآخر إلى العهد الإليزابيثي، مثل «فالنتينو»، وجيامباتيستا فالي، وأليكسي مابيل، والثنائي «فيكتور أند رولف»، حيث كانت هنا الكثير من التنورات المستديرة بأحجام مبالغ فيه أحيانًا، كما كان هناك كم سخي من الياقات العالية والأكمام ذات الكشاكش. جون غاليانو أيضًا عاد بأنظاره إلى الماضي، وتحديدا إلى عهد نابليون بونابرت، وقدم لـ«ميزون مارجيلا» تشكيلة ثورية بكل معنى الكلمة، الأمر الذي يؤكد أنه بدأ يتأقلم مع دوره الجديدة في الدار، التي كانت قبله تميل إلى الاختبارات والتجارب أكثر من السريالية والدراما.
من اليوم الأول للأسبوع، وفي عرض «أتوليته فرساتشي» تأكد هذا الحنين إلى الماضي. فقد قدمت دوناتيلا فرساتشي قطعا متنوعة، تتباين بين فساتين السهرة ومعاطف للنهار، تضج بالإثارة والأنوثة وأيضًا بالحرفية وكأن المصممة تريد أن تنأى بنفسها عن الاستسهال. في اليوم التالي قدمت «ديور» أيضًا تشكيلة، رغم بساطتها، تصب في خانة السهل الممتنع، والسبب أن المصممين، لوسي ماير وسيرج ريفيو، يعرفان أنهما مؤقتان وبأن هذه آخر تشكيلة سيقدمانها للدار قبل أن تتسلم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «فالنتينو» سابقًا، المشعل منهما. الفصل الذي كتباها كان واضحًا وبسيطًا بالأبيض والأسود فقط، ولم يضعا في آخره نقطة النهاية. فهما يعرفان جيدًا أن الفصل القادم سيكون مهمًا في تاريخ الدار، كون ماريا غراتزا ستكون أول مصممة تدخل «ديور» منذ تأسيسها في الأربعينات من القرن الماضي.
المصمم إيلي صعب ينجح دائما في أن يُهدي المرأة ما تطلبه وتحلم به، بحكم باعه الطويل مع الأنوثة الرومانسية من جهة، وعلاقته بهذه المرأة من جهة أخرى. فهو يفهمها جيدًا ويعرف أحيانًا ما تريد قبل أن تعرفه هي أحيانًا. ديكور القاعة الواقعة في «شارع غامبون»، كان بسيطًا لكن بدلالات كبيرة. فهو يعكس مدينة نيويورك، وتحديدا بنايات مانهاتن و«غرايزلر»، وهو ما تجسد في الأحجام والطيات وأيضًا في موتيفات ظهرت في مجموعة من الفساتين استهل بها عرضا لم يكن ينقصه سوى أغنية «نيو يورك نيو يورك» الشهيرة لفرانك سيناترا حتى تكتمل الرسالة. والرسالة هنا ليس إعجاب المصمم بالمدينة وإيقاعها فحسب، بل أيضًا نيته افتتاح محل كبير بماديسون سكواير، بحلول عام 2017، الأمر الذي يؤكد أن لا شيء يحدث في عالم الموضة اعتباطًا ودون دراسة مسبقة. بدأ العرض وتوالت الفساتين والاقتراحات، لنتبين أن وصفته الناجحة واللذيذة لم تتغير، وأن كل ما في الأمر أنها اكتسبت قوة وديناميكية، لمسناها في تشكيلاته السابقة لكن جرعتها زادت فخامة هذه المرة. كانت أيضًا أكثر جرأة، سواء من ناحية سخاء التطريزات التي غطت، في بعض الأحيان، فساتين بالكامل، وجاء أغلبها على شكل ورود ثلاثية الأبعاد، أو من ناحية الأقمشة الكلاسيكية مثل الحرير والتول والمخمل الذي عانق الجسم مع طيات أو فتحات هنا وهناك. الألوان أيضًا كانت لافتة، لأن إيلي صعب كان يركز في السابق، على لون واحد في كل إطلالة يضخه بالتطريزات الغنية بالخرز والترتر والأحجار، بينما كانت الألوان هنا متداخلة مع بعض. كلما زادت جرأتها، تشعر كما لو أنها كانت بمثابة اكتشاف بالنسبة للمصمم، وبأنه استحلى عذوبتها وهي تتماوج أو تتداخل مع بعض، فظل يزيد من جرعتها بالتدريج.
لم يكتف إيلي صعب برومانسية الألوان والأقمشة ولا أنثوية الخطوط والتطريزات التي غلبت عليها الورود، بل أضاف جديدا، يعرف بحسه التجاري أنه سيلمس وترا حساسا بداخل كل امرأة. هذه الإضافة جاءت على شكل مجموعة فساتين للأطفال تخاطب مناسبات الأعراس والأفراح.
لا شك أن الأمر كان سيبدو محاولة تجارية ساذجة، لكن المصمم يعرف ذلك جيدًا، ولا يمكن أن يخطر بباله أن يقوم بخطوة لها تبعات سلبية، كما أنه من الصعب اتهامه بالسذاجة أو الاستسهال لتحقيق الربح. فكل خطوة يقوم بها تكون مدروسة من كل الجوانب. ما يشفع له أن هذه المجموعة الصغيرة جمعت في عمقها الأناقة وظاهرها البراءة. ثم أنه لم يكن يحتاج لعرضها أمام الحضور، حتى يصل إلى قلوب زبوناته، وهن كُثر، لأن المتعارف عليه أن أغلبية زبونات الـ«هوت كوتير» تطلبن أزياء خاصة لأطفالهن للمناسبات الخاصة، لكن وراء الكواليس.
في عرض «أتولييه أرماني» لا يمكن لأحد أن يتهم المخضرم جيورجيو أرماني بالرومانسية أو الدراما على حساب الأناقة العصرية. فهو يعتمد دائما على مكمن قوته، وهو التفصيل الدقيق والمحسوب من الأكتاف العالية إلى البنطلونات المستقيمة أو الفساتين المحددة على الجسم. لهذا ليس غريبا أن يفتتح عرضه بتايور، مكون من جاكيت وبنطلون، مستوحى من خزانة الرجل بأكتاف عالية وأقمشة أنثوية، تلمع حينا وتتطاير حينا آخر، قبل أن يتسلل المخمل للفساتين الموجهة للمساء والسهرة. لم تكن هناك أي مبالغات أو تفاصيل لا تحتاجها المرأة، بل العكس كل غرزة وكل طية مدروسة وتتمركز في جزء استراتيجي، سواء كان الخصر أو الأكتاف أو الصدر، مع لعب على الأقمشة التي مزجها في الإطلالة الواحدة. مثلا كان هناك جاكيت من الساتان الأسود مع تنورة من نفس اللون من المخمل بفتحة جانبية. نفس الفكرة تكررت في اقتراحات أخرى، ركز فيها على درجات ألوان هادئة مثل الأبيض اللؤلؤي، والوردي الفاتح والأزرق السماوي. كانت العارضات يتخايلن على وقع نغمات موسيقية أوبرالية، تجعلك تسبح في عالم ساحر يتأرجح بين الخيال والواقع، لتستفيق منه على صوت تصفيق عال، عندما تطل عارضة في فستان من المخمل الأسود وقبعة مثيرة تغطي مجموعة الرأس وتتدلى منها ستارة خفيفة من التول المطرز لتغطي نصف الوجه. هذه القبعة قد تكون عملة ذهبية في يد جيورجيو أرماني، لأنها تلعب على مشاعر متعددة وتخاطب ثقافات مختلفة.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن تشكيلة الثنائي «رالف أند روسو» التي لعبت هي الأخرى على المشاعر، لا سيما الحنين إلى الزمن الجميل. ما قدماه في الأسبوع الماضي هو سادس عرض لهما في برنامج أسبوع الـ«هوت كوتير» الرسمي بباريس. قبل ذلك، لم يكن يعرف بالماركة، سوى قلة من الناس، إلا أن اسم «رالف أند روسو» سرعان ما فرض نفسه على ساحة الموضة وأصبح لصيقًا اليوم بالأناقة الراقية. عندما اختيرا للمشاركة في الأسبوع، منذ ثلاث سنوات تقريبًا، عبرا عن رغبتهما في إعادة الحلم إلى المرأة، وهذا ما نجحا فيه لحد الآن، بعودتهما دائما إلى الخمسينات والسبعينات هذه المرة. لم تتغير استراتيجيتهما لكنهما يعرفان أن الأزمة الاقتصادية تعني المزيد من الاجتهاد لشد انتباه المرأة وكسب ودها، الأمر الذي يُفسر سخاءهما في التطريز وغرفهما من الطبيعة المتفتحة، إلى حد جعل الكثير من الفساتين والتنورات والبنطلونات المستقيمة تبدو وكأنها لوحات فنية متحركة. كل أنواع التطريزات استعملت هنا، من الترصيع بأحجار الكريستال والزجاج واللؤلؤ إلى تطريزات الورود ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى الريش. بعض هذه الفساتين، تطلبت مهارة نحو 20 حرفية وآلاف الساعات لإنهائها بالمستوى المطلوب.
مثل إيلي صعب وجيورجيو أرماني وغيرهما، تعرف تمارا رالف ومايكل روسو بأن الموسم قد يكون خاصا بأزياء الـ«هوت كوتير» وأجمل المناسبات، لكن لا بأس من بعض الإكسسوارات لإكمال الصورة، لهذا قدما مجموعة من حقائب يد مع أحذية وقبعات رأس يُمكن أن تُدخل شريحة أوسع، نادي ال«هوت كوتير» النخبوي.
إذا كان الأغلبية هربوا من الواقع إلى الماضي، القريب والبعيد، فإن جون بول غوتييه، فضل الهروب إلى الطبيعة، من خلال تشكيلة لعبت فيها الألوان دورا مهما، بدءا من الأخضر الغامق إلى البني المستوحى من الأخشاب. لم يكن العرض مسرحيًا كعهدنا به ولا بشقاوة أيام زمان، بل كان هادئا ركز فيه على الأزياء أولا وأخيرا، والتصاميم التي تحتفل بمقاييس أنثوية للمرأة، بتركيزه على تحديد الخصر وإبراز منطقة الصدر. رغم أن كل ما قدمه يشي بحرفيته وخياله الخصب، فإن العرض افتقد حرارة أيام زمان عندما كان الحضور يخرجون وشعور بالنشوة يغمرهم.. النتيجة أن التشكيلة كانت متقنة وليس فيها ما يُعيبها، كما أنها ستروق حتمًا للطبقات الأوروبية البورجوازية، إلا أنها تفتقد إلى الإبهار وذلك العنصر الحيوي الذي يجعلها تتميز عما تم تقديمه طوال الأسبوع.
فشقي الموضة الفرنسية، كما يُلقب في أوساط الموضة، اكتوى بالأزمة منذ بضع سنوات، إلى حد أنه أوقف خطه الخاص بالأزياء الجاهزة مُبقيًا على خط الـ«هوت كوتير» فقط. وربما هذا ما جعلنا نتوقع أن يُقدم أفكارا جديدة وجريئة في الوقت ذاته، لكن العكس حدث، حيث ركز على ما يُتقنه ويعرفه جيدًا، وكأنه خائف أن يخض المتعارف عليه ويفقد زبوناته المخلصات، لا سيما وأن استقطاب زبونات جديدات ليس مضمونًا مائة في المائة في ظل الأوضاع الحالية. المؤسف أن اسم جون بول غوتييه مترسخ في الذهن على أنه مصمم شقي يميل إلى تكسير التابوهات، لهذا فإن ما قدمه مؤخرًا يشير إلى أنه، بعد أكثر من 35 عامًا من الجرأة، أصبح يتوخى السلامة، وهو ما يمكن أن يقتل الإبداع على المدى البعيد.
جيامباتيستا فالي، مثل جون بول غوتييه، احتمى بالطبيعة، لكنه على العكس من غوتييه قدم جديدًا واختار حديقة غناء تتفتح فيها الورود بشتى الألوان، وتنسدل على الجسم بخفة وخطوط تلعب على دراما من نوع خفي وهادئ. إلى جانب الألوان والطبيعة، عاد المصمم إلى الأحجام التي يمكن القول إنها ماركته المسجلة، وخفف من مبالغاتها بطرحه فساتين «بايبي دول» وأخرى مستوحاة من الخمسينات بأكمام منفوخة. في البداية قدم مجموعة باللون الأبيض تعبق بالأنوثة رغم إيحاءاتها التجريدية، سرعان ما تطورت إلى فساتين طويلة من الحرير وأخرى من الموسلين بكشاكش وأكمام وكأنها بالونات أحيانًا، بألوان الأبيض، والأسود، والأزرق السماوي مع زخات من الأحمر. استعمل أيضًا الفرو، بعد أن جعله بخفة وملمس الحرير وطرزه بسخاء. بيد أن ما نجح فيه المصمم فالي أنه مزج إيحاءات تاريخية بتفاصيل عصرية منحت كل قطعة تفردًا وفنية تروق لزبوناته الشابات. وحتى يُذكرهن بالسبب الذي جعلهن يعشقن تصاميمه منذ بدايته، أنهى عرضه بثلاث فساتين ضخمة لعب فيها على الدراما والأحجام اللافتة.



كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.


«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.