تفجيرات مطار أتاتورك: الانتحاريون جاءوا من روسيا وأوزبكستان وقيرغيزستان

توقيف 13 داعشيًا في حملة أمنية موسعة في إسطنبول وإزمير

قوات امنية خاصة خارج مطار اتاتورك عقب الهجمات الانتحارية التي تعرض لها المطار الثلاثاء الماضي (رويترز)
قوات امنية خاصة خارج مطار اتاتورك عقب الهجمات الانتحارية التي تعرض لها المطار الثلاثاء الماضي (رويترز)
TT

تفجيرات مطار أتاتورك: الانتحاريون جاءوا من روسيا وأوزبكستان وقيرغيزستان

قوات امنية خاصة خارج مطار اتاتورك عقب الهجمات الانتحارية التي تعرض لها المطار الثلاثاء الماضي (رويترز)
قوات امنية خاصة خارج مطار اتاتورك عقب الهجمات الانتحارية التي تعرض لها المطار الثلاثاء الماضي (رويترز)

كشفت التحقيقات الجارية في الهجوم الانتحاري على مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول عن هوية ثلاثة من الانتحاريين الذين نفذوا الهجوم الثلاثي الثلاثاء.
وتوصلت تحقيقات النيابة العامة في إسطنبول إلى أن منفذي الهجوم الذين فجروا أنفسهم أمام وداخل صالة الخطوط الدولية في مطار أتاتورك أحدهم داغستاني الأصل ويحمل الجنسية الروسية والثاني يحمل هوية قيرغيزستان والثالث من أوزبكستان. ولا تزال سلطات التحقيق تحاول التوصل إلى أسماء الإرهابيين الثلاثة بعد أن حصرت الحكومة المسؤولية عن الهجوم على المطار الرئيس في إسطنبول في تنظيم الدولة الإرهابي (داعش).
من جهته، جدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم تأكيده أن تحقيقات الأمن في الهجوم الإرهابي بمطار أتاتورك تشير إلى مسؤولية تنظيم داعش عن تنفيذه، رغم استمرار التحقيقات. وبحسب مصادر التحقيق تواجه السلطات التركية صعوبة في التوصل إلى أسماء الإرهابيين الثلاثة بسبب تمزق جثثهم إلى أشلاء لم يبق منها إلا الأجزاء السفلى من أجسادهم، لكن صحيفة «حرييت» قالت نقلا عن مصادر التحقيق إن أحد الانتحاريين الثلاثة الذين عثر على جثثهم في موقع الهجوم يدعى عثمان فاديموف وهو شيشاني من أصل روسي جاء من الرقة التي يسيطر عليها «داعش» في سوريا.
وفي إطار التحقيقات الحالية منذ الهجوم الانتحاري الذي خلف 43 قتيلا و238 مصابا من الأتراك وجنسيات أخرى، أوقفت الشرطة التركية 13 شخصا بينهم ثلاثة أجانب، قالت مصادر أمنية إنهم ينتمون إلى بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق، في حملات مداهمة متزامنة على الكثير من المنازل والمواقع في مدينتي إسطنبول وإزمير فجر اليوم الخميس.
وداهمت قوات مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة 16 موقعا في أحياء متفرقة، منها بنديك وسلطان بايلي وباشاك شهير، في مدينة إسطنبول في إطار جهودها للتوصل إلى انتحاري أو أكثر لا يزالون هاربين بعد مشاركتهم في الهجمات على مطار أتاتورك.
ومن أصل 13 شخصا تم توقيفهم في الحملات الأمنية المتزامنة في إسطنبول وإزمير، هناك 9 تم القبض عليهم في مداهمات جرت في أحياء متفرقة من مدينة إزمير الساحلية غرب تركيا. فيما ألقي القبض على 4 أجانب في إسطنبول ينتمون للتنظيم.
ويواجه الموقوفون تهم الاتصال مع تنظيم داعش الإرهابي في الداخل السوري، والقيام بفعاليات تخدم مصالح وأهداف «داعش» في إزمير، إضافة إلى تأمين عناصر وموارد مالية ودعم لوجستي لـ«داعش».
من جهته، قال وزير الداخلية التركي أفكان في كلمة بالبرلمان التركي، أمس، إن قوات الأمن ألقت القبض على 13 شخصًا على خلفية الاعتداء، تسعة أتراك وأربعة أجانب، مشيرًا إلى تمكن السلطات من تحديد هوية وجنسية أحد الانتحاريين الثلاثة.
وأضاف أن قوات الأمن أوقفت 5 آلاف و310 أشخاص، اعتقل منهم 1654 شخصا في إطار مكافحتها لتنظيم داعش الإرهابي.
ولفت إلى أنه تم توقيف 1654 شخصًا خلال العام الحالي، بينهم 791 أجنبيًّا، اعتقل 663 منهم من بينهم 371 أجنبيا.
وقال إن الأدلة التي تجمعت حتى الآن تشير إلى تورط تنظيم داعش في الهجوم الانتحاري الذي استهدف المطار الرئيسي في إسطنبول هذا الأسبوع.
وأعلن وزير الداخلية التركي ارتفاع حصيلة القتلى في الهجمات الانتحارية في مطار أتاتورك إلى 43 قتيلا بينهم 19 أجنبيا.
وكانت ولاية إسطنبول أعلنت في بيان أنه تم التعرف على هوية 38 شخصًا، من أصل 42 لقوا حتفهم في الهجوم الإرهابي على مطار أتاتورك الدولي لافتة إلى أنّ من بين الضحايا 11 أجنبيًا، و5 يحملون جنسيات دول أخرى إلى جانب الجنسية التركية و14 تركيا. وهناك سعوديان ضمن ضحايا الهجوم بحسب القنصلية السعودية في إسطنبول. وكانت القنصلية العامة السعودية في مدينة إسطنبول التركية، قد أعلنت إصابة سبعة مواطنين سعوديين، في بيان لها الثلاثاء.
وأعلنت وزارة خارجية السلطة الفلسطينية مقتل أحد مواطنيها، وإصابة ستة آخرين. كما قُتل إيراني وأصيب خمسة آخرون، حالتهم الصحية حرجة. وقال وزير الخارجية التركي، إن ضمن القتلى شخصا أوكرانيا. كما كشفت السلطات التركية عن مقتل صيني وأردني وتونسي وأوزبكي وعراقيين.
وواصلت تركيا مطالبتها المجتمع الدولي بتوحيد جهوده في مواجهة الإرهاب وعهدها في الوقت نفسه برد حاسم على الإرهاب الذي يحاول تقسيم البلاد وإضعافها.
واعتبر وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، في مؤتمر صحافي في بروكسل أمس، أن إبداء التضامن كرد فعل على الهجمات ليس كافيا وأن المطلوب هو تحرك المجتمع الدول بشكل منسق لمواجهة الإرهاب.
من جانبه اعتبر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي يعتقد بوجود مؤامرة من أطراف خارجية على بلاده لعرقلة مسيرتها نحو التقدم، أن الساعين لإخضاع تركيا عبر الإرهاب لن ينجحوا على الإطلاق. وقال إردوغان، عقب حفل إفطار بالقصر الرئاسي في أنقرة مساء أول من أمس معلقا على الهجوم الإرهابي الذي استهدف مطار أتاتورك في إسطنبول، إن «الأطراف التي تسعى لإخضاع تركيا وتقسيمها عبر المنظمات الإرهابية لن تنجح إطلاقًا». وشدد على أن تركيا ستواصل مسيرتها بكل عزم نحو تحقيق أهدافها المنشودة لعام 2023 (الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة).
وكان إردوغان اعتبر في أول رد فعل على هجمات مطار أتاتورك أن «الهجوم الذي نُفذ خلال شهر رمضان يظهر أن الإرهاب يضرب من دون أي اعتبار لمعتقد أو لقيم»، ودعا المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود في مكافحة مشتركة للإرهاب.
ورسخت الهجمات الانتحارية التي استهدفت مطار أتاتورك إلى أذهان الأتراك حقيقة أن الإرهاب هو أخطر عدو تواجهه بلادهم الآن.
وكان الهجوم على مطار أتاتورك هو الأكثر دموية بين خمسة تفجيرات استهدفت إسطنبول منذ مطلع العام الحالي طالت مواقع سياحية، منها منطقة السلطان أحمد وشارع الاستقلال في تقسيم أهم موقعين للسياحة في إسطنبول، واتُهم «داعش» بتنفيذ اثنين من هذه التفجيرات، فيما أعلنت منظمة «صقور حرية كردستان» القريبة من منظمة حزب العمال الكردستاني مسؤوليتها عن الهجمات الأخرى.
وذكّر أسلوب تنفيذ هجوم مطار أتاتورك بأسلوب تفجيرات باريس التي أوقعت 130 قتيلاً في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وبتفجيرات بروكسل التي أوقعت 32 قتيلاً في المطار والمترو في مارس (آذار) الماضي، ونفذها «داعش». وكان لافتًا استئناف العمل في مطار أتاتورك بعد 12 ساعة فقط من التفجيرات فيما لم يستأنف العمل في مطار بروكسل إلا بعد 12 يوما من وقوع تفجيرات مارس.
وفي رأي محللين أتراك أنه إذا تبين صحة اتهام تنظيم داعش، الذي لطالما وجهت أصابع الاتهام الغربية إلى تركيا بالتساهل معه والسماح بعبور مقاتليه من أراضيها إلى داخل سوريا والتعامل معه في تجارة النفط، فستكون هذه نقلة نوعية لرصيد أهداف التنظيم في تركيا، التي اقتصرت سابقًا على تجمعات كردية وسياح أجانب كالتي وقعت في السلطان أحمد وتقسيم، في تفجيرات بدت بعيدة من استهداف منشآت رسمية تركية.
ورأى هؤلاء المحللون أن دور تركيا قد يتعزّز بشكل قوي داخل التحالف الدولي ضد «داعش»، الذي تقوده الولايات المتحدة، وأن تلجأ الحكومة التركية إلى حملة تغييرات في القيادات الأمنية استعدادًا لحرب أوسع ضد التنظيم وشبكاته داخل تركيا وفي سوريا والعراق. وقال مسؤول أمني تركي: «سيشهد العالم مفاجآت كبرى في تركيا، وداعش سيُجتث من جذوره ويُقضى عليه تمامًا».
وواجهت تركيا الكثير من الاتهامات ببقائها لسنوات بمثابة قاعدة خلفية ونقطة عبور لمقاتلي تنظيم داعش، وهو الذي من الممكن أن يكون حماها من العنف والتهديدات الإرهابية لـ«داعش».
ويقول محللون إن أنقرة تدفع الآن ثمن تشديد الرقابة على حدودها والسماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة إنجيرليك الجوية في مدينة أضنة جنوب تركيا في عمليات التحالف ضد «داعش». ويعتقد أن تركيا لعبت منذ بداية صعود «داعش» على خلفية الفوضى الناجمة عن الحرب السورية دورا مركزيا، وإن كان معقدا، في قصة التنظيم الإرهابي. فظلت على مدار سنوات قاعدة خلفية ونقطة عبور ونقطة تسوق لـ«داعش». ويقول مسؤولون غربيون وأتراك، إن تفجيرات إسطنبول الأخيرة تحمل بصمات «داعش». ويقول المحللون إن تركيا تدفع ثمن تكثيف تحركها ضد التنظيم. ففي ظل ضغوط دولية متزايدة، بدأت أنقرة غلق حدودها العام الماضي، وقامت باعتقال وترحيل المسلحين المشتبه بهم. وفي الصيف الماضي سمحت تركيا للولايات المتحدة باستخدام قاعدة «إنجيرليك» الجوية الخاضعة لإشراف حلف شمال الأطلسي «ناتو» لتحليق طائراتها فوق أراضي التنظيم في سوريا والعراق.
ولطالما قللت حكومة أنقرة من تهديد تنظيم داعش، رغم أنها ركزت على جماعات أخرى في سوريا مثل وحدات حماية الشعب الكردية التي صنفتها كتنظيم إرهابي، في محاولة للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.