محمد أركون.. فتوحات معرفية لا تزال شبه مجهولة

زوجته اكتشفت على جهازه الإلكتروني مراجعة لكتابه عن القرآن في 500 صفحة

غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة -  محمد أركون
غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة - محمد أركون
TT

محمد أركون.. فتوحات معرفية لا تزال شبه مجهولة

غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة -  محمد أركون
غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة - محمد أركون

كان محمد أركون قد أصدر كتابه «قراءات في القرآن» مرتين في حياته: المرة الأولى في باريس عام 1982، والمرة الثانية في تونس عام 1991. والطبعة الثانية كانت نسخة طبق الأصل عن الأولى، ما عدا إضافة مقدمة جديدة مهمة. والآن، يصدر الكتاب للمرة الثالثة، بعد رحيل المؤلف، في طبعة ضخمة أكبر من السابق بكثير. وهذه الطبعة الفاخرة التي تتجاوز الخمسمائة صفحة من القطع الكبير، الصادرة عن دار نشر باريسية شهيرة «ألبان ميشال»، تعتبر جديدة بكل المقاييس. فقد اكتشفت زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون على جهازه الإلكتروني كنزا ثمينا، ألا وهو مراجعة شاملة لكتاب «قراءات في القرآن». ويبدو أنه اشتغل عليه في أواخر حياته كثيرا ونقحه، وأضاف كثيرا إلى فصوله وعدل وصحح وغيَر وحسَن. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب يحتوي على أربعة فصول جديدة تنشر لأول مرة، وهي: الدين والمجتمع طبقا للمثال الإسلامي، والوحي.. التاريخ.. الحقيقة، ومن أجل إعادة قراءة نقدية أو ما بعد نقدية لسورة التوبة، والتركيبة المجازية للخطاب القرآني.
ومنذ البداية، يقول لنا الناشر جان موبوتا: إن محمد أركون أحد أكبر المفكرين في عصرنا الراهن فيما يخص الإسلام والدراسات الإسلامية، فقد قطع ليس فقط مع النزعة التبجيلية لكثيرين، وإنما مع النزعة المحافظة للاستشراق أيضا. لقد جدد المنهجية الاستشراقية، وتجاوزها بمراحل. ودعا إلى قراءة نقدية، أي علمية، لكل تراث الإسلام، وبالأخص القرآن الكريم. لقد كان محمد أركون مفكرا قاسيا مع نفسه، ومع الآخرين. بمعنى أنه لم يكن يتساهل أبدا عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي الرصين، وبكيفية تطبيق المنهج والمصطلح على تراث الإسلام الكبير. وكان يهدف إلى تجاوز القراءة الحرفية الدوغمائية المتحجرة والمدمرة لجوهر التراث الديني. وهي القراءة التي أوصلتنا إلى «داعش» والـ«دواعش». فالنص الديني لا يؤخذ دائما بحرفيته المرتبطة بظرفيتها، وإنما بجوهره ومقصده الأسمى ومعناه العميق. كان أركون يهدف إلى مصالحة الإسلام مع الحداثة والنزعة الإنسانية. وكان يبحث عن إسلام مؤنسن أو إنساني النزعة، إسلام متصالح مع أفضل ما أعطاه تراثه الروحاني والأخلاقي الكبير من جهة، ومع أفضل ما أعطته الحداثة التنويرية من جهة أخرى. ألم يهد أطروحة الدكتوراه الكبرى إلى والده وخاله قائلا: «إلى أبي وخالي الحاج العربي اللذين كشفا لي عن الأبعاد الروحية والإنسانية للإسلام»؟
وفي مقدمته للطبعة الثانية، أي الطبعة التونسية، يقول محمد أركون ما معناه: «هذا الكتاب الذي نشر للمرة الأولى عام 1982 كان قد نفد بسرعة. وقد ترددت كثيرا في إعادة نشره لأني كنت أفكر في تأليف كتاب جديد. ولكن تبين لي أنه يمثل مرحلة علمية ضرورية من أجل إضاءة النص القرآني والتراث الإسلامي العريق ككل. وكنت قد طبقت فيه لأول مرة المناهج الألسنية والسيميائية على النص الأعظم للإسلام.وكان ذلك في وقت مبكر يعتبر فيه مثل هذا العمل نوعا من (الهرطقة) بالنسبة للمتدينين التقليديين، بل وحتى بالنسبة لكثير من الباحثين المحدثين الذين نجد أنهم يظلون متحفظين ومترددين في تطبيق مناهج العلوم الإنسانية على النصوص الدينية.. وهذا شيء مؤسف لأنه لا يمكن أن نتحرر من العقلية الدوغمائية إن لم نفعل ذلك».
هذا الكلام قاله محمد أركون قبل ثلاثين سنة، بل وطبقه عمليا قبل خمسين سنة. وهذا يعني أنه استبق حركة الأحداث، وعرف أين تكمن المشكلة الكبرى بالنسبة للعالم الإسلامي. لقد هاله حجم الخدمة التي قدمها فلاسفة أوروبا لتراثهم المسيحي على مدار ثلاثة قرون من عمر الحداثة، في حين أن أحدا لم يفعل شيئا يذكر بالنسبة للتراث الإسلامي. ولهذا السبب شمر عن ساعديه وأراد خدمته بكل الوسائل المتاحة، أي عن طريق تطبيق المناهج الحديثة عليه. هنا، تكمن الخدمة الكبرى التي قدمها أكبر مجدد للفكر الديني في تاريخنا الحديث. ولكن متى سيفهم المثقفون العرب حجم الزلزال الذي أحدثه محمد أركون في دراسة التراث؟ في الواقع أن بعضهم أصبح يدرك ذلك. ولكن الفتوحات المعرفية التي حققها لا تزال مجهولة في معظمها بالنسبة لكثيرين. وربما كان السبب يعود جزئيا إلى صعوبة فكره ووعورته ومستواه العالي جدا من الناحية الأكاديمية. فهو مليء بالمصطلحات التقنية العويصة التي لا تستطيع أن تفهمها جيدا قبل أن تقرأ مكتبة كاملة في العلوم الإنسانية. من هنا، صعوبة ترجمته أيضًا حتى على شخص مثلي أمضى عمره في هذه العملية. على أي حال، أرجو أن انتهي من ترجمة هذا الكتاب الضخم في نهاية العام لكي يصدر مطلع العام القادم عن دار الساقي في بيروت. إنه كتاب يحتوي على فتح الفتوح، على آخر أفكاره وأطروحاته التي ستغير المشهد الفكري في العالم العربي والإسلامي كله.
ومن أهم فصول الكتاب نذكر: كيف نقرأ القرآن اليوم؟ أي كيف نقرؤه بعيون جديدة وبفكر تاريخي وألسني وسيميائي جديد؟ كيف نقرؤه إنتربولوجيا وفلسفيا أيضا؟ هناك فرق بين القراءة الطقوسية الشعائرية العذبة والقراءة النقدية والفلسفية الحديثة. يعرف ذلك كل من تربى تربية قرآنية في طفولته الأولى. نحن نتوهم أننا نعرف القرآن لمجرد أننا تلوناه آلاف المرات في حياتنا. ولكن هذا مجرد وهم سرعان ما يتبدد عندما نطلع على بحوث العلماء الكبار عنه. وعلى عكس ما يظن، فإن عظمة القرآن لا تتجلى لك بشكل حقيقي إلا بعد قراءة كتاب أركون. ذلك أن المجددين الكبار هم الذين يضيئون التراث، وليس المقلدين الذين يكررون نفس الكلام منذ مئات السنين. لن تعرف معنى القرآن الكريم حقيقة إلا بعد الاطلاع على فصول هذا الكتاب المتتالية. أتوقف عند فصل ضخم بعنوان: الحج في الفكر الإسلامي. هنا أيضًا لن تعرف معنى الحج حقيقة إلا بعد الاطلاع عليه. ذلك أن هناك فرقا شاسعا بين المنظور التقليدي له والمنظور التاريخي الحديث. وبعد أن تقرأ الفصل، تشعر وكأنك اكتشفت قارة جديدة، وفهمت الموضوع بشكل مدهش وغير مسبوق. ثم تقول بينك وبين نفسك: يا إلهي كيف خفي علينا كل ذلك؟ هنا تكمن أهمية البحوث العلمية الأكاديمية المطبقة على التراث. إنها تحررك من نفسك تقريبا. إنها تضيء لك ماضيك وتراثك، فتصبح تراهما بعيون جديدة. إنها تبين لك الفرق بين جوهر التراث وقشوره.والأخطر من ذلك، تبين لك أننا نتمسك بالقشور ونهمل الجوهر. وجوهر تراثنا العربي الإسلامي العظيم هو القيم الروحية والأخلاقية والميتافيزيقية العليا. وكل هذا نسيناه بسبب التسييس المفرط للدين. وأكبر جريمة ارتكبتها حركات التطرف الداعشي وغير الداعشي هي أنها قضت على جوهر الإسلام وطمسته، وشوهت سمعتنا في شتى أنحاء العالم، وهي جريمة لا تغتفر. وعلى أي حال فهذه مشكلة قد لا نقوم منها قبل خمسين سنة قادمة! ذلك أن تراثا عظيما ضخما، يشبه البحر المتلاطم الأمواج بتياراته المتشعبة وأفكاره، اختزلوه إلى مجرد قطع للرؤوس وتكفير للبشرية جمعاء. تراث مليء بقيم العقلانية والنزعة الإنسانية والتسامح والفتوحات المعرفية الكبرى حولوه إلى مجرد مقولات صدئة وتخريجات مضحكة وفتاوى فتاكة لنشر الرعب في شتى أنحاء المعمورة. هنا تكمن جناية هؤلاء على تراثنا الديني والفكري والأخلاقي الكبير. كيف سنسترد سمعتنا؟ كيف سنسترد هيبتنا عالميا بعد كل ما حصل؟ عن طريق قراءة كتب جادة مضيئة، مثل كتاب أركون، ثم عن طريق نشر الفكر التنويري الإسلامي في كل مكان، وبكل الوسائل المتاحة. ذلك أن المعركة الدائرة فكرية قبل أن تكون عسكرية أو سياسية، ويخطيء من يظن أننا ربحنا المعركة الفكرية ضد حركات الإسلام السياسي التي تكتسح الشارع. إنها معركة طويلة الأمد، وأكاد أقول إنها لما تكد تبدء. وعندما تطلعون على هذا الكتاب تعرفون معنى المعركة الفكرية التي تنتظرنا وحجم المعركة الفكرية. إنها هائلة وأكاد أقول: تقصم الظهر!
كنت أتمنى لو أستطيع التوقف عند الفصول الأخرى الهامة، وكلها هامة تكمل بعضها بعضا. ذلك أن أركون ما انفك يحفر على الإشكاليات، ويعمقها أكثر فأكثر على مدار خمسين سنة متواصلة. والدليل على ذلك هذا الكتاب الذي نقحه وأعاد كتابته حتى آخر لحظة في حياته. ذلك أن تحرير المسلمين فكريا كان شغله الشاغل. عليه ينام ويستيقظ.كنت أتمنى لو أستطيع التوقف عند فصل حاسم بعنوان: الوحي والحقيقة والتاريخ. هنا أيضًا، لن تخرجوا منه «سالمين» بعد قراءته. أقصد لن تخرجوا منه تراثيين ماضويين كما كنتم قبل قراءته، سوف ينكشف لكم تراثكم على حقيقته وكأنكم تطلعون عليه لأول مرة. وهنا تكمن ميزة البحوث الريادية التجديدية التي تغير العقليات والأفكار الأكثر رسوخا. ومعلوم أن زحزحة الجبال أسهل من تغيير العقليات، ولكن صاحب نقد العقل الإسلامي كان قادرا على زحزحة الجبال.
أخيرا ينبغي التنويه بالجهود الكبرى التي بذلتها زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون، ليس فقط لإخراج هذا الكتاب الضخم بكل المقاييس، وإنما أيضًا للإبقاء على ذكراه حية من خلال المؤسسة التي أنشأتها بعد رحيله: مؤسسة محمد أركون للسلام بين الثقافات. وهي مؤسسة تقدم للقارئ مجانا مدخلا واسعا إلى فكر محمد أركون من خلال الأشرطة التسجيلية التي تظهره بالصوت والصورة وهو يتحدث في مداخلاته ومقابلاته الكثيرة.هذا وقد أشرفت أخيرا على توزيع جائزته السنوية في مجلس الشيوخ الفرنسي على أحد الباحثين في الفكر الإسلامي.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».