محمد أركون.. فتوحات معرفية لا تزال شبه مجهولة

زوجته اكتشفت على جهازه الإلكتروني مراجعة لكتابه عن القرآن في 500 صفحة

غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة -  محمد أركون
غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة - محمد أركون
TT

محمد أركون.. فتوحات معرفية لا تزال شبه مجهولة

غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة -  محمد أركون
غلاف الكتاب الذي نشرته دار «ألبان ميشال» الشهيرة - محمد أركون

كان محمد أركون قد أصدر كتابه «قراءات في القرآن» مرتين في حياته: المرة الأولى في باريس عام 1982، والمرة الثانية في تونس عام 1991. والطبعة الثانية كانت نسخة طبق الأصل عن الأولى، ما عدا إضافة مقدمة جديدة مهمة. والآن، يصدر الكتاب للمرة الثالثة، بعد رحيل المؤلف، في طبعة ضخمة أكبر من السابق بكثير. وهذه الطبعة الفاخرة التي تتجاوز الخمسمائة صفحة من القطع الكبير، الصادرة عن دار نشر باريسية شهيرة «ألبان ميشال»، تعتبر جديدة بكل المقاييس. فقد اكتشفت زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون على جهازه الإلكتروني كنزا ثمينا، ألا وهو مراجعة شاملة لكتاب «قراءات في القرآن». ويبدو أنه اشتغل عليه في أواخر حياته كثيرا ونقحه، وأضاف كثيرا إلى فصوله وعدل وصحح وغيَر وحسَن. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب يحتوي على أربعة فصول جديدة تنشر لأول مرة، وهي: الدين والمجتمع طبقا للمثال الإسلامي، والوحي.. التاريخ.. الحقيقة، ومن أجل إعادة قراءة نقدية أو ما بعد نقدية لسورة التوبة، والتركيبة المجازية للخطاب القرآني.
ومنذ البداية، يقول لنا الناشر جان موبوتا: إن محمد أركون أحد أكبر المفكرين في عصرنا الراهن فيما يخص الإسلام والدراسات الإسلامية، فقد قطع ليس فقط مع النزعة التبجيلية لكثيرين، وإنما مع النزعة المحافظة للاستشراق أيضا. لقد جدد المنهجية الاستشراقية، وتجاوزها بمراحل. ودعا إلى قراءة نقدية، أي علمية، لكل تراث الإسلام، وبالأخص القرآن الكريم. لقد كان محمد أركون مفكرا قاسيا مع نفسه، ومع الآخرين. بمعنى أنه لم يكن يتساهل أبدا عندما يتعلق الأمر بالبحث العلمي الرصين، وبكيفية تطبيق المنهج والمصطلح على تراث الإسلام الكبير. وكان يهدف إلى تجاوز القراءة الحرفية الدوغمائية المتحجرة والمدمرة لجوهر التراث الديني. وهي القراءة التي أوصلتنا إلى «داعش» والـ«دواعش». فالنص الديني لا يؤخذ دائما بحرفيته المرتبطة بظرفيتها، وإنما بجوهره ومقصده الأسمى ومعناه العميق. كان أركون يهدف إلى مصالحة الإسلام مع الحداثة والنزعة الإنسانية. وكان يبحث عن إسلام مؤنسن أو إنساني النزعة، إسلام متصالح مع أفضل ما أعطاه تراثه الروحاني والأخلاقي الكبير من جهة، ومع أفضل ما أعطته الحداثة التنويرية من جهة أخرى. ألم يهد أطروحة الدكتوراه الكبرى إلى والده وخاله قائلا: «إلى أبي وخالي الحاج العربي اللذين كشفا لي عن الأبعاد الروحية والإنسانية للإسلام»؟
وفي مقدمته للطبعة الثانية، أي الطبعة التونسية، يقول محمد أركون ما معناه: «هذا الكتاب الذي نشر للمرة الأولى عام 1982 كان قد نفد بسرعة. وقد ترددت كثيرا في إعادة نشره لأني كنت أفكر في تأليف كتاب جديد. ولكن تبين لي أنه يمثل مرحلة علمية ضرورية من أجل إضاءة النص القرآني والتراث الإسلامي العريق ككل. وكنت قد طبقت فيه لأول مرة المناهج الألسنية والسيميائية على النص الأعظم للإسلام.وكان ذلك في وقت مبكر يعتبر فيه مثل هذا العمل نوعا من (الهرطقة) بالنسبة للمتدينين التقليديين، بل وحتى بالنسبة لكثير من الباحثين المحدثين الذين نجد أنهم يظلون متحفظين ومترددين في تطبيق مناهج العلوم الإنسانية على النصوص الدينية.. وهذا شيء مؤسف لأنه لا يمكن أن نتحرر من العقلية الدوغمائية إن لم نفعل ذلك».
هذا الكلام قاله محمد أركون قبل ثلاثين سنة، بل وطبقه عمليا قبل خمسين سنة. وهذا يعني أنه استبق حركة الأحداث، وعرف أين تكمن المشكلة الكبرى بالنسبة للعالم الإسلامي. لقد هاله حجم الخدمة التي قدمها فلاسفة أوروبا لتراثهم المسيحي على مدار ثلاثة قرون من عمر الحداثة، في حين أن أحدا لم يفعل شيئا يذكر بالنسبة للتراث الإسلامي. ولهذا السبب شمر عن ساعديه وأراد خدمته بكل الوسائل المتاحة، أي عن طريق تطبيق المناهج الحديثة عليه. هنا، تكمن الخدمة الكبرى التي قدمها أكبر مجدد للفكر الديني في تاريخنا الحديث. ولكن متى سيفهم المثقفون العرب حجم الزلزال الذي أحدثه محمد أركون في دراسة التراث؟ في الواقع أن بعضهم أصبح يدرك ذلك. ولكن الفتوحات المعرفية التي حققها لا تزال مجهولة في معظمها بالنسبة لكثيرين. وربما كان السبب يعود جزئيا إلى صعوبة فكره ووعورته ومستواه العالي جدا من الناحية الأكاديمية. فهو مليء بالمصطلحات التقنية العويصة التي لا تستطيع أن تفهمها جيدا قبل أن تقرأ مكتبة كاملة في العلوم الإنسانية. من هنا، صعوبة ترجمته أيضًا حتى على شخص مثلي أمضى عمره في هذه العملية. على أي حال، أرجو أن انتهي من ترجمة هذا الكتاب الضخم في نهاية العام لكي يصدر مطلع العام القادم عن دار الساقي في بيروت. إنه كتاب يحتوي على فتح الفتوح، على آخر أفكاره وأطروحاته التي ستغير المشهد الفكري في العالم العربي والإسلامي كله.
ومن أهم فصول الكتاب نذكر: كيف نقرأ القرآن اليوم؟ أي كيف نقرؤه بعيون جديدة وبفكر تاريخي وألسني وسيميائي جديد؟ كيف نقرؤه إنتربولوجيا وفلسفيا أيضا؟ هناك فرق بين القراءة الطقوسية الشعائرية العذبة والقراءة النقدية والفلسفية الحديثة. يعرف ذلك كل من تربى تربية قرآنية في طفولته الأولى. نحن نتوهم أننا نعرف القرآن لمجرد أننا تلوناه آلاف المرات في حياتنا. ولكن هذا مجرد وهم سرعان ما يتبدد عندما نطلع على بحوث العلماء الكبار عنه. وعلى عكس ما يظن، فإن عظمة القرآن لا تتجلى لك بشكل حقيقي إلا بعد قراءة كتاب أركون. ذلك أن المجددين الكبار هم الذين يضيئون التراث، وليس المقلدين الذين يكررون نفس الكلام منذ مئات السنين. لن تعرف معنى القرآن الكريم حقيقة إلا بعد الاطلاع على فصول هذا الكتاب المتتالية. أتوقف عند فصل ضخم بعنوان: الحج في الفكر الإسلامي. هنا أيضًا لن تعرف معنى الحج حقيقة إلا بعد الاطلاع عليه. ذلك أن هناك فرقا شاسعا بين المنظور التقليدي له والمنظور التاريخي الحديث. وبعد أن تقرأ الفصل، تشعر وكأنك اكتشفت قارة جديدة، وفهمت الموضوع بشكل مدهش وغير مسبوق. ثم تقول بينك وبين نفسك: يا إلهي كيف خفي علينا كل ذلك؟ هنا تكمن أهمية البحوث العلمية الأكاديمية المطبقة على التراث. إنها تحررك من نفسك تقريبا. إنها تضيء لك ماضيك وتراثك، فتصبح تراهما بعيون جديدة. إنها تبين لك الفرق بين جوهر التراث وقشوره.والأخطر من ذلك، تبين لك أننا نتمسك بالقشور ونهمل الجوهر. وجوهر تراثنا العربي الإسلامي العظيم هو القيم الروحية والأخلاقية والميتافيزيقية العليا. وكل هذا نسيناه بسبب التسييس المفرط للدين. وأكبر جريمة ارتكبتها حركات التطرف الداعشي وغير الداعشي هي أنها قضت على جوهر الإسلام وطمسته، وشوهت سمعتنا في شتى أنحاء العالم، وهي جريمة لا تغتفر. وعلى أي حال فهذه مشكلة قد لا نقوم منها قبل خمسين سنة قادمة! ذلك أن تراثا عظيما ضخما، يشبه البحر المتلاطم الأمواج بتياراته المتشعبة وأفكاره، اختزلوه إلى مجرد قطع للرؤوس وتكفير للبشرية جمعاء. تراث مليء بقيم العقلانية والنزعة الإنسانية والتسامح والفتوحات المعرفية الكبرى حولوه إلى مجرد مقولات صدئة وتخريجات مضحكة وفتاوى فتاكة لنشر الرعب في شتى أنحاء المعمورة. هنا تكمن جناية هؤلاء على تراثنا الديني والفكري والأخلاقي الكبير. كيف سنسترد سمعتنا؟ كيف سنسترد هيبتنا عالميا بعد كل ما حصل؟ عن طريق قراءة كتب جادة مضيئة، مثل كتاب أركون، ثم عن طريق نشر الفكر التنويري الإسلامي في كل مكان، وبكل الوسائل المتاحة. ذلك أن المعركة الدائرة فكرية قبل أن تكون عسكرية أو سياسية، ويخطيء من يظن أننا ربحنا المعركة الفكرية ضد حركات الإسلام السياسي التي تكتسح الشارع. إنها معركة طويلة الأمد، وأكاد أقول إنها لما تكد تبدء. وعندما تطلعون على هذا الكتاب تعرفون معنى المعركة الفكرية التي تنتظرنا وحجم المعركة الفكرية. إنها هائلة وأكاد أقول: تقصم الظهر!
كنت أتمنى لو أستطيع التوقف عند الفصول الأخرى الهامة، وكلها هامة تكمل بعضها بعضا. ذلك أن أركون ما انفك يحفر على الإشكاليات، ويعمقها أكثر فأكثر على مدار خمسين سنة متواصلة. والدليل على ذلك هذا الكتاب الذي نقحه وأعاد كتابته حتى آخر لحظة في حياته. ذلك أن تحرير المسلمين فكريا كان شغله الشاغل. عليه ينام ويستيقظ.كنت أتمنى لو أستطيع التوقف عند فصل حاسم بعنوان: الوحي والحقيقة والتاريخ. هنا أيضًا، لن تخرجوا منه «سالمين» بعد قراءته. أقصد لن تخرجوا منه تراثيين ماضويين كما كنتم قبل قراءته، سوف ينكشف لكم تراثكم على حقيقته وكأنكم تطلعون عليه لأول مرة. وهنا تكمن ميزة البحوث الريادية التجديدية التي تغير العقليات والأفكار الأكثر رسوخا. ومعلوم أن زحزحة الجبال أسهل من تغيير العقليات، ولكن صاحب نقد العقل الإسلامي كان قادرا على زحزحة الجبال.
أخيرا ينبغي التنويه بالجهود الكبرى التي بذلتها زوجته السيدة ثريا اليعقوبي أركون، ليس فقط لإخراج هذا الكتاب الضخم بكل المقاييس، وإنما أيضًا للإبقاء على ذكراه حية من خلال المؤسسة التي أنشأتها بعد رحيله: مؤسسة محمد أركون للسلام بين الثقافات. وهي مؤسسة تقدم للقارئ مجانا مدخلا واسعا إلى فكر محمد أركون من خلال الأشرطة التسجيلية التي تظهره بالصوت والصورة وهو يتحدث في مداخلاته ومقابلاته الكثيرة.هذا وقد أشرفت أخيرا على توزيع جائزته السنوية في مجلس الشيوخ الفرنسي على أحد الباحثين في الفكر الإسلامي.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».