محمد بن سلمان يلتقي مديري كبرى شركات صناديق الاستثمار في «وادي السليكون»

مرفأ التكنولوجيا بولاية كاليفورنيا يشهد لقاءات واجتماعات مهمة.. وتوقعات بعقد عدد كبير من الصفقات التقنية

الرئيس الأميركي لدى استقباله ولي ولي العهد السعودي والوفد المرافق له في البيت الأبيض أول من أمس (واس)
الرئيس الأميركي لدى استقباله ولي ولي العهد السعودي والوفد المرافق له في البيت الأبيض أول من أمس (واس)
TT

محمد بن سلمان يلتقي مديري كبرى شركات صناديق الاستثمار في «وادي السليكون»

الرئيس الأميركي لدى استقباله ولي ولي العهد السعودي والوفد المرافق له في البيت الأبيض أول من أمس (واس)
الرئيس الأميركي لدى استقباله ولي ولي العهد السعودي والوفد المرافق له في البيت الأبيض أول من أمس (واس)

بعد أسبوع من الأنشطة المكثفة في العاصمة الأميركية واشنطن، اتجه الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، إلى الجانب الغربي من الولايات المتحدة، حيث يلتقي عددا كبيرا من قادة شركات التقنية التكنولوجية في وادي السليكون بولاية كاليفورنيا التي تعد محطته الثانية في زيارته للولايات المتحدة. ومن المقرر أن تستمر الزيارة لولاية كاليفورنيا أربعة أيام، يغادر بعدها إلى محطته الثالثة في نيويورك يوم الثلاثاء المقبل.
وتوقعت عدة مصادر سعودية أن يتم الإعلان عن عدد كبير من الصفقات التكنولوجية بين المملكة العربية السعودية والشركات التكنولوجية بوادي السليكون خلال فترة الزيارة.
ويحتل وادي السليكون مساحة كبرى من جنوب مدينة سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا، حيث تعد مرفأ مهما وقلعة تكنولوجية كبيرة لكثير من الشركات التكنولوجية مثل «فيسبوك»، و«غوغل»، و«أوراكل»، و«إنتل»، وشركة «آي بي إم»، وشركة «أدوبي» للتطبيقات التكنولوجية، وشركة «آبل» للكومبيوتر، وشركة «سيسكو» للحلول التقنية، وشركة «آي باي». كما تضم منطقة وادي السليكون عددا من المراكز البحثية العامة منها مركز جامعة «ستانفورد» العلمي، ووكالة «ناسا» للفضاء، وعددا من المراكز التعليمية والأكاديمية المتخصصة في التكنولوجيا.
وتأتي الزيارة إلى الشركات التكنولوجية الأميركية في وادي السليكون بعد أسبوعين من الإعلان عن شراكة سعودية استثمارية بقيمة 3.5 مليار دولار في شركة «أوبر» للتكنولوجيا، ومقرها سان فرنسيسكو، وهو ما يمنح المملكة العربية السعودية مقعدا في مجلس إدارة شركة «أوبر»، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة والمؤسس المشارك ترافيش كالنيش. ويحتل ياسر الروميان، العضو المنتدب للصندوق السعودي، مقعدا في مجلس إدارة شركة «أوبر».
وقال ترافيش كالنيش، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، في تصريحات سابقة، إن الاستثمارات السعودية رفعت قيمة الشركة إلى نحو 62.5 مليار دولار، بما يجعل من شركة «أوبر» الشركة الأكبر في القيمة المالية من ناحية رأس المال بين جميع الشركات العالمية. ووصف الرئيس التنفيذي للشركة الاستثمارات السعودية بأنها تعد دليلا على الثقة في عمل الشركة ومستقبلها.
وقال وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، خلال مؤتمر أول من أمس، إن ولي ولي العهد يخطط للاستفادة من الابتكارات الموجودة في وادي السليكون، والتحدث مع مديري شركات التقنية حول كيفية الاستفادة من تلك التكنولوجيا الحديثة في تنفيذ خطة التحول الوطني و«رؤية السعودية 2030».
وتؤكد «رؤية السعودية 2030» إنشاء بنية تحتية متطورة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأنشطة الصناعية المتقدمة في المملكة، وجذب المستثمرين وتعزيز القدرة التنافسية الأساسية للاقتصاد السعودي. وتسعى المملكة لعقد شراكات مع القطاع الخاص لتطوير البنية التحتية لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وتوسيع تغطيتها وقدراتها في المدن.
كما تنص «رؤية 2030» على التوسع في مجموعة متنوعة من الخدمات الرقمية للحد من البيروقراطية، وتوسيع نطاق الشفافية والإصلاحات وتحسين بيئة الأعمال، بما يحقق نمو وازدهار الاقتصاد السعودي، وفتح فرص عمل للمواطنين، وتعظيم القدرات الاستثمارية من قبل الشركات الدولية الكبيرة والتكنولوجيا الناشئة في مختلف أنحاء العالم.
وتشير مصادر سعودية إلى أن الأمير محمد بن سلمان يسعى لإقامة مجتمع سعودي تقني، والاستعانة بعدد من الخبراء في الشركات التقنية الأميركية لإطلاق مشروعات تقنية حديثة في المملكة، والاستفادة من الجيل الجديد من الشباب السعودي المتعلم والمتخصص في مختلف المجالات التكنولوجية، لتكوين كوادر متطورة في القطاع التقني السعودي الجديد.
وأشار عدد كبير من المحللين إلى أن لقاءات الأمير مع الشركات التكنولوجية في وادي السليكون تسعى لتعزيز الروابط بين الشركات التكنولوجية هناك والمشاريع الجديدة في المملكة، بهدف إنشاء قطاع تكنولوجي متطور في المملكة العربية السعودية، ونقل الخبرات التكنولوجية الحديثة إلى بلاده لتحقيق أهداف تنويع الاقتصاد في إطار «رؤية 2030» التي تهدف بدورها إلى خلق مزيد من فرص العمل بالمملكة. وتستهدف المملكة بشكل خاص جذب قطاعات صناعية مثل المعدات الصناعية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وكان الأمير محمد بن سلمان قد أجرى عدة لقاءات سياسية ناجحة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيري الخارجية والدفاع ومسؤولي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ناقش خلالها مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والتعاون الثنائي بين البلدين، والتقى الأمير محمد عددا كبيرا من المشرعين الأميركيين ورؤساء اللجان بالكونغرس.
ومثلما أخذت القضايا السياسية حيزا كبيرا من أجندة لقاءات الأمير محمد بن سلمان في واشنطن، احتلت القضايا الاقتصادية والتجارية والمالية حيزا آخر في جدول أعماله ولقاءاته، حيث أجرى عدة اجتماعات اقتصادية وتجارية ومالية، وصفت بالمثمرة، مع وزير الخزانة الأميركي جاكوب ليو، ووزيرة التجارة الأميركية بيني بريتزكر. كما التقى مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض جيف زينست، ووزير الطاقة إرنست مونيز، والممثل التجاري الأميركي مايكل فرومان، ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين جيسون فورمان، إضافة إلى لقائه مع رئيس غرفة التجارة الأميركية توماس دناهيو.
وقال البيت الأبيض، في بيان، إن الفريق الاقتصادي الأميركي أبدى رغبة واضحة من جانب الولايات المتحدة، لتكون شريكا في مساعدة المملكة العربية السعودية على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الطموح. واتفق الجانبان على أهمية التنويع الاقتصادي وتوسيع فرص العمل في القطاع الخاص والمشاركة مع الشركات الأميركية، لتنفيذ أهداف الإصلاح الاقتصادي. وأشاد الفريق الاقتصادي في البيت الأبيض بما تتضمنه الرؤية من إصلاحات وطموحات لتحقيق التنوع الاقتصادي، وتوسيع فرص العمل في القطاع الخاص، وتطوير الصناعات، والسعي لتحقيق شراكات متميزة مع الشركات الأميركية.
وقد اجتمع الأمير محمد بن سلمان، في مقر إقامته مساء أول من أمس (الجمعة) مع رؤساء عدد من الشركات المتخصصة في المعدات العسكرية والصناعات العسكرية، حيث عقد الأمير عدة لقاءات منفردة مع رئيس شركة «بوينغ»، ورئيس شركة «رايثون» الدولية، ورئيس شركة «لوكهيد مارتن» العالمية، وتطرقت المحادثات إلى كيفية توطين الصناعات العسكرية والأنشطة الصناعية والتكنولوجية وخدمات التدريب والدعم العسكري وتعزيز التعاون بين الجانبين.
كما التقى الأمير محمد بن سلمان مع رئيس الغرفة التجارية الأميركية، توماس دوناهيو، حيث استعرض فرص التبادل التجاري والاستثماري بين المملكة والشركات التجارية الأميركية الأعضاء بالغرفة، وكيفية مواصلة تنمية الشراكة التجارية بين البلدين. وقال إن «زيارة الأمير محمد بن سلمان ولقاءاته مع عدد من المسؤولين والمستثمرين الأميركيين ورؤساء الشركات تخدم المصالح المشتركة لكل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وتستهدف في نهاية المطاف الارتقاء بتلك العلاقات إلى أعلى المستويات وتقوية التحالفات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين».
وأضاف أن اللقاءات مع صناع القرار والمشرعين وكبار رجال الأعمال أدت إلى توضيح كثير من رؤية المملكة للمستقبل والخطط والبرامج التي تتبناها الحكومة السعودية لتنفيذ «رؤية 2030».
وتحتل مدينة نيويورك حيث عالم المال والأعمال المحطة الثالثة في رحلة الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، حيث يلتقي ولي ولي العهد مع كبرى الشركات المالية التنفيذية ومديري الصناديق الاستثمارية، حيث تعتزم المملكة العربية السعودية طرح نسبة من أسهم شركة «أرامكو» التي تعد أكبر شركة نفط في العالم، للاكتتاب العام في الأسواق العالمية، ويتوقع أن تبلغ قيمة الطرح أكثر من تريليوني دولار، وتعتزم السعودية إنشاء أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم، والاتجاه نحو تنفيذ برنامج لخصخصة بعض أصول الدولة وإصدار السندات والصكوك في الأسواق المالية العالمية.
وقال وزير المالية، الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز العساف، إن إبرام صفقات مالية بين الشركات الأميركية والمملكة العربية السعودية يمهد الطريق إلى مزيد من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعزيز المعاملات المالية بشكل كبير مع الأسواق المالية العالمية، ومن أبرزها السوق الأميركية.
وتحمل لقاءات الأمير محمد بن سلمان رسالة مهمة إلى الشركات التكنولوجية والمالية والتجارية، وهي أن المملكة العربية السعودية مفتوحة لاستقبال استثمارات كبيرة وقوية.
من جانب آخر، من المتوقع أن يلتقي الأمير محمد بن سلمان مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته لنيويورك، وقال ستيفان دوجريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، إن مكتب الأمير محمد بن سلمان طلب عقد اجتماع مع الأمين العام للأمم المتحدة.
وقد أثارت المنظمة الدولية تحفظات كثيرة من قبل المملكة العربية السعودية ودول التحالف الذي تقوده المملكة في اليمن، بعد تقرير أصدرته الأمم المتحدة وضع التحالف على القائمة السوداء، وادعى قيام التحالف بقتل الأطفال والمدنيين في اليمن. وطالبت المملكة العربية السعودية عبر سفيرها عبد الله المعلمي، نيابة عن التحالف، بالحصول على مصادر المعلومات التي استقت منها المنظمة الدولية معلوماتها حول انتهاكات حقوق الأطفال في الصراعات المسلحة. وقد تراجعت المنظمة، وأعلنت رفع اسم التحالف من القائمة السوداء.
يذكر أن الوفد الرسمي لولي ولي العهد السعودي، يضم وزير المالية الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز العساف، ووزير التجارة والاستثمار الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء محمد بن عبد الملك آل الشيخ، ووزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل بن زيد الطريفي، ورئيس الاستخبارات العامة خالد بن علي الحميدان. كما يضم الوفد رئيس الهيئة العامة للترفيه أحمد بن عقيل الخطيب، والمستشار في أمانة مجلس الوزراء الدكتور محمد بن سليمان الجاسر، والمستشار في الديوان الملكي المشرف العام على مكتب وزير الدفاع فهد بن محمد العيسى، والمستشار في الديوان الملكي ياسر الرميان، والمستشار في الديوان الملكي الدكتور محمد بن إبراهيم الحلوة، والمستشار في الديوان الملكي رأفت بن عبد الله الصباغ، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة الفريق ركن فياض بن حامد الرويلي.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.