أول اغتيال سياسي في بريطانيا منذ 26 عامًا يغير معادلة الاستفتاء

كاميرون يدعو إلى عقد جلسة استثنائية للبرلمان الاثنين

ديفيد كاميرون وجيرمي كوربن يضعان ورودا في المكان الذي اغتيلت فيه النائبة جو كوكس أمس في بيرستال القريبة من ليدز شمالي بريطانيا (رويترز)
ديفيد كاميرون وجيرمي كوربن يضعان ورودا في المكان الذي اغتيلت فيه النائبة جو كوكس أمس في بيرستال القريبة من ليدز شمالي بريطانيا (رويترز)
TT

أول اغتيال سياسي في بريطانيا منذ 26 عامًا يغير معادلة الاستفتاء

ديفيد كاميرون وجيرمي كوربن يضعان ورودا في المكان الذي اغتيلت فيه النائبة جو كوكس أمس في بيرستال القريبة من ليدز شمالي بريطانيا (رويترز)
ديفيد كاميرون وجيرمي كوربن يضعان ورودا في المكان الذي اغتيلت فيه النائبة جو كوكس أمس في بيرستال القريبة من ليدز شمالي بريطانيا (رويترز)

علقت حملات الاستفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي الذي سينظم الأسبوع المقبل، لليوم الثاني على التوالي أمس، فيما يحاول البريطانيون الخروج من الصدمة التي سببها اغتيال نائبة تحظى بشعبية كبيرة ومؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي في أوج نقاش أثار انقسامات مريرة.
وتوقع محللون أن يؤدي اغتيال النائبة العمالية إلى تغيير المعطيات قبل الاستفتاء المقرر في 23 يونيو (حزيران)، وأن يعطي دفعا لمؤيدي البقاء، خصوصا على صعيد الأسواق المالية. وأجمع المراقبون السياسيون والأكاديميون على أن المأساة سترغم الداعين إلى خروج البلاد من أوروبا على الحد من هجماتهم، خصوصا ضد النخب السياسية، ما يمكن أن يعرقل حملتهم في أيامها الأخيرة قبل الاستفتاء.
وتعرضت جو كوكس الناشطة والنجمة الصاعدة لحزب العمال (المعارضة) للقتل بوحشية طعنا وبالرصاص الخميس في دائرتها في بريستال (شمال إنجلترا). وتم على إثر ذلك تعليق حملة الاستفتاء حتى السبت، بينما كانت استطلاعات الرأي تظهر تقدم مؤيدي خروج البلاد بفارق ضئيل.
وعلق وين غرانت، أستاذ السياسة في جامعة وورويك: «هذه المأساة ستهدئ من الحملة التي شهدت عدائية وخلافات شخصية»، في إشارة إلى الانقسامات داخل الحزب المحافظ خصوصا بين رئيس الوزراء ديفيد كاميرون وزعيم حملة مؤيدي الخروج الرئيس السابق لبلدية لندن، بوريس جونسون. فيما قال جون كورتيس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستراثكلايد: «سيتعين على معسكر مؤيدي الخروج الانتباه أكثر إلى خطابه». وأضاف لوكالة الصحافة الفرنسية إنهم «كانوا يبنون حججهم إلى حد كبير على أن النخب السياسية هي من يقول إن علينا البقاء في أوروبا.. لكنهم الآن لم يعودوا قادرين على استهداف السياسيين، وهذا من شأنه التقليل من الهجمات الشخصية». إلا أن كورتيس أضاف أن تعليق الحملة «ليس في صالح معسكر البقاء، لأن كل ساعة تمر مهمة لإقناع المترددين».
من جهتها، تقول صحيفة «ذي تايمز» المحافظة إن «معسكر الخروج (ليف) لعب على الاستياء من النخب السياسية.. إلا أن المأساة وضعت حدا لذلك. وبما أن جو كوكس كانت ربة أسرة وموظفة مجتهدة، فإن ذلك يبطل الهجمات ضد الطبقة السياسية»، مشيرة إلى أن ذلك «سيعزز معسكر البقاء من دون شك».
أما مجلة «سبكتيتور» المحافظة، فكتبت: «لا زعيم حزب (يوكيب) المعارض لأوروبا وللمهاجرين نايجل فاراج، ولا حملة الخروج مسؤولان عن مقتل جو كوكس. لكنهما مسؤولان عن الطريقة التي عرضا بها حججهما. عندما تحضون على الغضب، لا تستغربوا عندما يتصرف الناس بعدائية شديدة».
من جهتها، صرّحت المسؤولة العمالية ووزيرة العمل السابقة إيفيت كوبر في حديث إلى إذاعة «راديو 4»: «هناك لهجة حادة في النقاش (قبل الاستفتاء) يمكن أن تكون مدمرة جدا»، وأعربت عن الأسف للتغير الجذري في المناخ العام بالمقارنة مع الفرح الذي كان سائدا خلال الألعاب الأولمبية قبل أربع سنوات.
ويقول المحللون في الأسواق المالية والمستثمرون إن المأساة ستكون لصالح معسكر البقاء، حيث استفادت بورصة لندن والجنيه الإسترليني من هذا المناخ صباح أمس الجمعة. فقد سجل الجنيه تحسنا إزاء اليورو والدولار بعد أيام عدة من التوتر بسبب نتائج استطلاعات الرأي. وعلق مايك فان دولكن المحلل لدى «اكسيندو ماركتس» أن «الفرضية هي أن تحمل هذه الأحداث المأسوية المترددين على التصويت من أجل البقاء، وبالتالي انقلاب الاتجاه السائد لمصلحة تقدم مؤيدي الخروج».
في سياق متّصل، حض رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على «التسامح» والاتحاد لدى زيارته قرية بريستال (شمال إنجلترا) حيث قتلت النائبة كوكس، كما دعا البرلمان إلى عقد جلسة استثنائية الاثنين.
وقال كاميرون الذي رافقه زعيم المعارضة العمالية جريمي كوربن ورئيس البرلمان جون بيركو في نقاش عام جرى قرب موقع مقتل النائبة: «أينما نر حقدا أو انقسامات أو عدم تسامح، فعلينا إزالتها من حياتنا السياسية وحياتنا العامة ومجتمعاتنا». وأضاف: «اليوم أصيبت بلادنا بالصدمة. إن هذه لحظة نقف فيها ونفكر في بعض الأمور المهمة جدا لبلادنا».
واغتيلت جو كوكس، العاملة الإنسانية السابقة البالغة من العمر 41 عاما والمؤيدة لحملة البقاء في الاتحاد الأوروبي والمعروفة بدفاعها عن اللاجئين السوريين، أول من أمس أمام مكتبة تلتقي فيها عادة أهالي دائرتها الانتخابية في قرية بريستال بشمال إنجلترا.
وقال شهود عيان لوسائل الإعلام المحلية إن الوالدة لطفلتين أصيبت بطلقات عدة وطعنت. واعتقل رجلا في الثانية والخمسين من العمر قالت وسائل الإعلام إنه يدعى توماس مير وهو من أهالي المنطقة. ووصفه الجيران بالانعزالي، وكانت مؤشرات تدلّ على تعاطفه مع اليمين المتطرف.
وقبل ستة أيام فقط على استفتاء تاريخي، علق المعسكران المتنافسان حول مسألة بقاء أو خروج بريطانيا في الاتحاد الأوروبي حملتهما، فيما أدان السياسيون الاغتيال. غير أن بعض المعلقين تساءلوا عما إذا كان اغتيالها يمكن أن يرتبط بحملة أثارت توترات حادة بتطرقها إلى مسائل الهوية القومية والهجرة.
وذكرت صحيفة «تايمز» الجمعة أن كوكس، وهي أول نائب بريطاني يتم اغتياله منذ 1990: «تعرضت لمضايقات في سلسلة من الرسائل على مدى ثلاثة أشهر». وكانت الشرطة تفكر في زيادة الإجراءات الأمنية لها، بحسب الصحيفة، لكن لم تتضح أي صلة بين الرسائل وهجوم الخميس. وقبل اغتيال كوكس، أظهرت استطلاعات الرأي احتمال فوز معسكر مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي في الاستفتاء المرتقب في 23 يونيو (حزيران).
وقال منظمة «ساذرن بوفرتي لو سنتر» الأميركية المدافعة عن الحقوق المدنية إن مير الذي أقام في المنطقة لعقود: «من الأنصار المتفانين» لـ«التحالف الوطني» الذي كان لعشرات السنين أكبر منظمة للنازيين الجدد في الولايات المتحدة. وأضافت المنظمة أن مير أنفق أكثر من 620 دولارا لشراء مطبوعات من المجموعة التي تدعو إلى بناء أمة مؤلفة من البيض حصرا، وإلى القضاء على الشعب اليهودي.
وقالت: «ساذرن بوفرتي لو سنتر» إن «الجيران كان يصفونه بالانعزالي، بل له تاريخ طويل مع قومية العرق الأبيض». وأضافت أن مير اشترى كتيب تعليمات حول صنع بندقية، لافتة إلى أن شهودا عيان قالوا لوسائل الإعلام البريطانية أن المهاجم استخدم بندقية تبدو «من طراز قديم» أو «مصنعة يدويا».
وروى أحد شهود العيان، ويدعى كلارك روثويل، صاحب مقهى لوكالة «برس اسوسييشن» أن المسلح صرخ «بريطانيا أولا» عدّة مرات خلال الهجوم.
و«بريطانيا أولا» هو اسم مجموعة من اليمين المتطرف معادية للهجرة، لكنها نفت أي ضلوع لها في الهجوم.
وتجمّع عشرات الأشخاص أمام مقر البرلمان ليلا تكريما لكوكس، وشارك في التجمع زعيم حزب العمال جيريمي كوربن يحيط به رفاقه في الحزب دامعين. وقال كوربن: «الذي حصل أكثر من مروع. نحن هنا لنكرم خسارتها بصمت»، فيما بدأ المطر يهطل.
وقالت فاطمة إبراهيم (23 عاما) الناشطة في مجموعة «افاز» عن كوكس إنها «كانت ناشطة لا تعرف الخوف، وصوت الذين لا صوت لهم. نشعر بالصدمة». وفي شوارع بيرستال، تم تطويق مكان الهجوم. وشوهد عناصر الشرطة يتفحصون حذاء وحقيبة. ووضع الأهالي زهورا في الجوار حزنا وتكريما لكوكس.
في أعقاب الهجوم، تساءل المعلقون عما إذا كانت لهجة حملات الاستفتاء قد حركت مشاعر بشعة. في صحيفة «ذا سبكتيتور» المحافظة، كتب أليكس ماسي أن يوم الخميس كان قد بدأ بكشف لافتة لحزب الاستقلال (يوكيب) المعادي للاتحاد الأوروبي تظهر طابورا من المهاجرين واللاجئين مع عبارة «نقطة الانهيار».
وكتب ماسي: «الرسالة لم تكن لبقة جدا: صوتوا بالمغادرة، أو تجتاحكم الشعوب السمراء». وأضاف: «عندما تقدموا السياسة على أنها مسألة حياة أو موت، مسألة بقاء وطني، لا تتفاجأوا إذا صدق أحد ما تقولونه بحرفيته».
من جهته، وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري مقتل كوكس بأنه «هجوم على كل شخص حريص على الديمقراطية ومؤمن بها». وفي برلين، قالت المستشارة أنجيلا ميركل إن مقتل كوكس «مروع»، مضيفة أنه من الضروري كشف ملابسات هذه الجريمة «المروعة (...) فورا» نظرا لقرب موعد الاستفتاء.
وكوكس التي دافعت في خطابها الأول أمام البرلمان عن الهجرة والتنوع، كانت تقيم مع زوجها برندان وطفلتيهما (3 و5 سنوات) في مركب على نهر تيمز. وبعد ورود الأنباء عن مقتلها، وجه برندان نداء مؤثرا للتماسك في مواجهة الكراهية. وقال زوجها برندان في بيان بعد وفاتها إن «جو كانت تؤمن بعالم أفضل». وأضاف أنها «كانت تريد أمرين قبل كل شيء: الأول أن يغمر أطفالنا بالحب، والثاني أن نتحد لنكافح معا الكراهية التي قتلتها».



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.