الغنوشي لـ «الشرق الأوسط»: نحن البديل عن «داعش» و«القاعدة»

زعيم حزب النهضة التونسي قال إن حكومة الصيد تمر بصعوبات.. ولن ندعو لتغييرها لغياب البديل

زعيم {النهضة} راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
زعيم {النهضة} راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
TT

الغنوشي لـ «الشرق الأوسط»: نحن البديل عن «داعش» و«القاعدة»

زعيم {النهضة} راشد الغنوشي (أ.ف.ب)
زعيم {النهضة} راشد الغنوشي (أ.ف.ب)

أعلن رئيس حزب «النهضة» التونسي في حديث شامل مع «الشرق الأوسط» أن حركته مقبلة على تغييرات شاملة في قياداتها المركزية، خلال الصيف، تتضمن فصلا كاملا بين المؤسسات السياسية للحزب وكل الجمعيات الخيرية والمجتمعية والدعوية والدينية.
واعتبر زعيم حزب النهضة التونسي أن حزبه والأحزاب المعتدلة في المنطقة - مثل حزب عبد الإله ابن كيران في المغرب - هي البديل الحقيقي عن «داعش» و«القاعدة» وغيرها من التنظيمات المتورطة في العنف والإرهاب باسم مرجعيات دينية. وأعلن الغنوشي عن دعم حركته وحزب نداء تونس والائتلاف الحزبي الحكومي الحالي لتجديد الثقة في حكومة الحبيب الصيد رغم الصعوبات التي تمر بها.
* يصف البعض مؤتمركم الوطني العاشر بـ«المؤتمر التأسيسي الجديد» لحزب مدني له مرجعيات إسلامية.. ماذا بعد المؤتمر؟ ما أولوياتكم الجديدة بعد أعوام من المشاركة في الحكم جاءت بعد عقود من القمع والصدامات مع السلطات؟
- بعد عقود من القمع والمضايقات عقدنا خلالها مؤتمرات سرية انعقد مؤتمرنا التاسع في 2012 ونحن نرأس الحكومة الانتقالية. وجاء هذا المؤتمر العاشر في ظل مشاركة جزئية في الحكم ليسمح بالقيام بنقد ذاتي واستشراف المستقبل. بعد هذا المؤتمر الوطني الناجح فإن أولويتنا هي تنفيذ مقرراته السياسية والتنظيمية بدءا بتشكيل الهيئات القيادية الجديدة للحركة.
فقد انتخب المؤتمر رئيس الحركة وثلثي أعضاء مجلس الشورى الوطني الجديد - أعلى سلطة بين مؤتمرين - الذين سينتخبون الثلث المتبقي. وسوف يعرض رئيس الحركة على المجلس بكل أعضائه قائمة أعضاء المكتب التنفيذي الجديد للتزكية والمصادقة.
وسيكون الصيف المقبل موعدا لتجديد كل هياكل الحركة جهويا، عبر انتخابات جهوية سوف تؤدي لأول مرة إلى انتخاب أمناء العامين الجهويين واستحداث مجالس شورى جهوية منتخبة.
وهذه الهياكل المنتخبة سيقع استحداثها ضمن استراتيجية الإصلاح والتغيير التي تبناها المؤتمر والحزب بعد أن تطور إلى حزب وطني مدني وسطي جامع لكل التونسيين والتونسيات.
* كيف تفسرون الاهتمام الدولي الكبير بمؤتمر حزب النهضة الإسلامي التونسي وحضور مئات الدبلوماسيين والإعلاميين والضيوف العرب والأجانب لافتتاحه إلى جانب حضور رئيس تونس وزعيم «التيار البورقيبي العلماني» الباجي قائد السبسي ومئات العلمانيين والليبيراليين واليساريين التونسيين؟ هل هو بحث عن «مشروع إسلامي معتدل» في مرحلة تزايد فيها تأثير الغلاة والمتشددين وبينهم من ينتسب إلى المرجعيات الدينية مثل عناصر «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«داعش»؟
- حضور رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للمؤتمر الوطني لحركة النهضة ذات المرجعيات الإسلامية يؤكد الصبغة الاستراتيجية للشراكة والتعاون بين الوطنيين التونسيين من رموز التيارين الدستوري والإسلامي. ومشاركة رئيس الدولة في افتتاح مؤتمر حركة النهضة تؤكد ما جاء على لسانه من كون حركتنا تطورت فعلا من حركة إسلامية شمولية إلى حزب مدني وطني متصالح مع الدولة والمجتمع اللذين تبنيا في دستور 2014 بوضوح أن الإسلام دين الدولة والغالبية الساحقة من شعب تونس.
قائد السبسي دعم أولويات التوافق والمصالحة الوطنية والتنمية ونحن ندعم نفس الأولويات.
نحن نعتقد أن المصالحة بين الدولة وحركة النهضة ثم التجاوب الكبير مع حركتنا ومع مؤتمرها وطنيا وعربيا وإسلاميا ودوليا تأكيد على كوننا فعلا البديل عن الغلو وعن «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من التنظيمات التي ستثبت الأيام أن دورها سينتهي قريبا.
لقد انتشرت الشموليات الشيوعية واليمينية والوطنية والدينية في العالم أجمع بعد الحرب العالمية الأولى واستفحلت بسبب سياسات القمع والاستبداد والإقصاء. وكان بينها شموليات إسلامية جاءت رد فعل على انهيار الخلافة ثم على التضييق على الحق في التدين والتعبد والصلاة وارتداء الحجاب..إلخ.
واليوم تطورت حركة النهضة التونسية وفصائل من الحركات الإسلامية بفضل مناخ الحريات في المنطقة في اتجاه العمل الحزبي المدني. ونعتقد أن الترحيب الرسمي والشعبي في تونس وخارجها بهذا المسار رسالة إيجابية تؤكد أن «البديل عن داعش» وعن غيرها من الجماعات الشمولية المتورطة في العنف.. هي الأحزاب الديمقراطية المدنية المتصالحة مع المرجعيات الوطنية العربية الإسلامية لغالبية أبناء شعبها خاصة في البلدان المغاربية (من بينها النهضة) حيث الأغلبية الساحقة مسلمون مالكية لا تشقهم تناقضات عقائدية أو مذهبية أو طائفية خلافا لبعض دول المشرق.
وقد أعاد رئيس الدولة في الكلمة التي توجه بها من مؤتمر حركتنا إلى مناضلينا وإلى الشعب التونسي ودولته وإلى الضيوف والمراقبين الأجانب على كونه لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية ولا بين المرجعيات الإسلامية والأحزاب الحداثية المدنية الوطنية التي تتفرغ لخدمة المشاغل التنموية للشعب.
* تراوحت ردود الفعل وطنيا وعربيا ودوليا على نتائج مؤتمر حزب النهضة بين مرحب ومنتقد. وبرز الخلاف خاصة حول قرارات لوائح المؤتمر الخاصة بالفصل بين «الدعوي الديني» و«العمل الحزبي السياسي»؟ فهل يتعلق الأمر فعلا بتوجه نحو «العلمانية» والفصل بين الديني والسياسي نهائيا؟
- لوائح مؤتمرنا أكدت على التخصص الحزبي بالنسبة للذين يختارون العمل الحزبي والتخصص في العمل الخيري والثقافي والاجتماعي والدعوي بالنسبة للذين يختارون التخلي عن المسؤوليات الحزبية السياسية والتفرغ لخدمة المجتمع ضمن منظمات المجتمع المدني والهيئات غير الحزبية التي انتشرت وتضاعف دورها بعد أن انتصرت الديمقراطية وتراجعت هيمنة الدولة والحزب الحاكم السابق عليها.
لوائح مؤتمرنا أقرت المصالحة مع قوانين البلاد ودستورها الجديد فيما يتعلق بوقف تداخل عمل قيادات الأحزاب مع عمل منظمات المجتمع المدني. لقد تسبب القمع سابقا في لجوء المعارضات الشمولية وبينها الأطراف اليسارية والإسلامية إلى توظيف النقابات والجمعيات والمنظمات الطلابية ضمن خطتها الحزبية. كما وظف الإسلاميون في مرحلة من المراحل الجوامع.
أما اليوم وقد فرض الشعب حرية العمل السياسي والحزبي العلني وبعد أن انتصرت الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية فالتخصص ضروري ومحمود. وهو ليس مجرد تقاسم للأدوار بل خيار مبدئي.
ولا ينبغي أن يغيب عن الجميع أن العالم الإسلامي لم يكن يعرف مثل هذا الخلط قبل الحرب العالمية الأولى. لكن التخوفات على مستقبل الأمة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية أفرزت جماعات إسلامية تبنت «الشمولية» ردا على شموليات انتصرت بين الحربين العالميتين من بينها الشيوعية والستالينية والفاشية والقوميات.. الخ.
* أليس مثل هذا التوجه انتصارا للتوجه العلماني على حساب المدارس الدينية القديمة؟
- نحن لم نقل أبدأ إننا انتقلنا من حزب إسلامي إلى حزب علماني ولم تتحدث لوائح مؤتمرنا عن التخلي عن المرجعية الإسلامية رغم تبنيها تطوير هوية الحزب السياسي إلى حزب مدني وطني وسطي مفتوح لكل التونسيات والتونسيات.
بل لا يكاد يوجد في تونس اليوم زعيم أو حزب سياسي مهم يصف نفسه بالعلمانية ويتبرأ من الهوية الإسلامية للبلاد وللشعب بما في ذلك رئيس الدولة والزعيم المؤسس لحزب نداء تونس الباجي قائد السبسي وأعضاؤه. تونس دولة لها هوية عربية إسلامية والدستور الجديد ينص على ذلك بوضوح. لكننا ننتقل من الشمولية إلى التخصص السياسي والحزبي.
* هل كنتم حركة شمولية؟ وكيف تفسرون إذن تصالحكم مع رموز حزبي بورقيبة وبن علي الذين حضر مئات منهم افتتاح مؤتمركم مثل الهادي البكوش وعبد الرحيم الزواري وأحمد فريعة وعبد الحفيظ الهرقام؟
- حركتنا نشأت مثل بقية الحركات السياسة والإسلامية القديمة في المنطقة حركة شمولية. وقد يكون الأمر بالنسبة لتونس مرتبطا بكون الحزب الحاكم نفسه - في عهد بورقيبة وبن علي - كان حزبا شموليا يهيمن على الحياة السياسية والمجتمع المدني وما كان يسمى بـ«المنظمات القومية» التي كان بعض قادتها أعضاء في القيادة العليا للحزب مثل الديوان السياسي أو اللجنة المركزية.
وبعد أن سقطت الدولة الشمولية والحزب الشمولي الحاكم أعتقد أنه انتهى دور كل «الأحزاب الشمولية» سواء كانت شيوعية أو قومية أو إسلامية.
نحن ننتمي اليوم إلى جيل جديد يمنع فيه قانون الأحزاب والجمعيات والدستور وكذلك قانون المساجد الخلط بين السياسي والديني وبين المسؤوليات الحزبية والمسؤوليات على رأس منظمات المجتمع المدني.
الواقع تطور من حولنا بعد سقوط الديكتاتورية والاعتراف بالإسلام والعروبة هوية للدولة وأصبح التخصص صفة من صفة الدولة والمجتمع الحديثين. فما هو إذن مبرر تسييس المساجد أو توظيفها حزبيا بينما يسمح المجال بممارسة الأنشطة الحزبية والسياسية في مقرات الأحزاب والفضاءات العامة؟
نحن مع التمايز بين وظائف الإصلاح: الدولة راعية للدين.. والمجتمع المدني المستقل مسؤول عن الإصلاح الاجتماعي والثقافي والعمل الخيري بينما الأحزاب مسؤولة عن الإصلاح السياسي. وأعتقد أن هذا التمايز مفيد للدين وللصحوة الدينية من جهة وللإصلاح السياسي من جهة ثانية. ولطالما تأثرت الصحوة الدينية والإيمانية سلبا بالاضطرابات السياسية كلما ساءت علاقة السلطات بالأطراف السياسية الإسلامية.
بل لقد تسببت الخلافات السياسية والحزبية مرارا بين السلطات والأحزاب الإسلامية في صعوبة ممارسة عموم المتدينين لشعائرهم الدينية ووقع الخلط بين المصلين والمتحزبين. كما مُنع الحجاب ومورست مضايقات على المصلين بسبب المعارك السياسية. السياسة متقلبة وساحة تدافع ومعارك فلماذا تتضرر مجالات الدعوة والصحوة الإيمانية وجمعيات الإصلاح الثقافي والاجتماعي والدعوي كلما اصطدمت السياسة بالسلطة؟ لا نريد للدين أن يبقى مصيره رهين تقلبات السياسية ولا أن توظف السياسة الدين. السياسة متقلبة والدين من خصوصياته الثبات.
وفي هذا السياق نرحب بمصالحة رموز التيارات الدستورية والوطنية ورموز الدولة في العقود الماضية مع مشروعنا السياسي ومع دعواتنا للتوافق والمصالحة الوطنية.
* هل هناك تجارب إسلامية اعتمدت من قبل مثل هذا التخصص والتمايز بين الديني والسياسي؟
- فكرة الحزب الشمولي تنتمي لجيل تخوف على مستقبل الأمة فتبنى خيارات التيارات الشمولية القومية واليسارية والإسلامية. كان الخوف كبيرا على كل ثوابت الأمة فبرزت كتابات - بينها كتابات سيد قطب رحمه الله - التي دعت إلى إعادة بناء كل شيء و«الدعوة إلى لا إله إلا الله مجددا» و«الدعوة إلى كلمة التوحيد». في تلك المرحلة كانت النظرة إلى دور الحزب الإسلامي أو الحركة الإسلامية على أنها «دعوة جديدة للإسلام من الأساس» و«الجماعة الناجية من النار».
هذه المرحلة - مرحلة الآيديولوجيات الشمولية بأنواعها - تجاوزناها في تونس وفي العالم. ونحن اليوم في مرحلة التخصص بأدق ما يكون.
هناك تجارب إسلامية مهمة في هذا الاتجاه. ولعل أقرب تجربة إلينا في هذا السياق تجربة المغرب الشقيق، حيث تمايز الحزب السياسي - حزب العدالة والتنمية بزعامة عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة - عن دور جمعيات الدعوة والإصلاح. وفي تركيا هناك استقلال كامل للسياسي والحزبي عن المناشط الدينية والاجتماعية والأوقاف والتعليم. وهناك تجارب أخرى ناجحة.
تجربتنا في تونس تسعى إلى أن تتميز باستقلال تام للعمل السياسي الحزبي عن دور منظمات المجتمع المدني. وهو خيار يفرضه القانون وتفرضه المصلحة.
* أليس في ذلك مخاطر انقسام بالنسبة لحركتكم؟ وهل يمكن أن يستفيد المتشددون والمحسوبون على التيارات المتطرفة وبينها «داعش» و«القاعدة» من هذا التطور الجديد في خيارات حزب النهضة التونسي؟
- أولا نحن البديل الحقيقي عن الجماعات المتشددة وبينها «القاعدة» و«داعش» والمجموعات التي برزت مؤقتا في شكل ردود فعل عنيفة على ظواهر سياسية مؤقتة مثل قمع المتدينين أو اضطهاد السنة في العراق أو مخاوف «العزل السياسي». ثانيا نحن لم نطلب من أحد أن ينسحب من الحزب السياسي وأن يتفرغ لأنشطته الفكرية والثقافية والدينية والاجتماعية. لكن أعضاء بارزين في قياداتنا السابقة لم يترشحوا مجددا للمسؤوليات ولا لأي مسؤولية حزبية واختاروا العمل الجمعياتي على العمل الحزبي. وبعض الشخصيات الذين وقع انتخابهم في المؤتمر لعضوية مجلس الشورى الوطني قرروا أن يستقيلوا وأن يتفرغوا للعمل المجتمعي وبينهم الأخ الحبيب اللوز.
* كثرت الانتقادات لحكومة الحبيب الصيد وتزايدت المطالبات بتغييره.. هل ستطالبون بإسقاطها أم سوف تتابعون مع رئيس الجمهورية وحزب النداء دعمها؟
- تمر حكومة السيد الحبيب الصيد بصعوبات. لكننا لا نعتقد أن من مصلحة البلاد ولا مؤسسات الدولة اليوم تغيير رئيس الحكومة الحبيب الصيد. ولا نعتقد أنه يوجد أي بديل عنه حاليا. الأستاذ الحبيب الصيد يعمل بجد مع فريقه الحكومي. ونحن في حركة النهضة وكذلك حزب النداء وشركاؤه في الحكم ندعمه ونعتبر أن أولويات المرحلة القادمة اقتصادية اجتماعية تنموية وليست سياسية. الشباب والمهمشون والشعب في انتظار حلول تنموية والبلد يستعد للانتخابات البلدية والجهوية العامة ومن مصلحة الجميع دعم حكومة التوافق الحالية.
* كيف تنظرون إلى مستقبل جارتكم ليبيا سياسيا وأمنيا خاصة أنها كانت قبل 2011 الشريك الاقتصادي الأول لتونس بعد الاتحاد الأوروبي؟
- الشقيقة ليبيا ستنتصر على الإرهاب نهائيا ولو بعد حين. كما سوف ينتصر فيها خيار التسوية السياسية على خيار الحرب والعنف رغم بعض التعثر الذي يسجل هنا وهناك. وسيثبت الشعبان في تونس وليبيا مجددا أنهما فعلا أقوى من الإرهابيين وأن ظاهرة العنف والإرهاب لن تنتصر في كامل البلدان المغاربية بفضل عوامل كثيرة من بينها وجود نوع من الإجماع على رفض إقحام المنطقة في صراعات حزبية وطائفية ومذهبية غريبة عن هوية المجتمعات المغاربية المتصالحة مع عروبتها وإسلامها وخصوصياتها الثقافية.



كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
TT

كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تعدَّدت الزيارات المتبادلة بين مصر وتركيا على مستويات رسمية مختلفة خلال الفترة الأخيرة، وصولاً لزيارة هي الأولى من نوعها لوزير دفاع مصري إلى أنقرة منذ 13 عاماً بدأت الأحد، وتحظى باهتمام واسع مع التوقيع على خطاب «نوايا حسنة» للتعاون الدفاعي بين البلدين؛ ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس تلك التفاهمات المتسارعة على ملفات الصراع المفتوحة بمنطقة الشرق الأوسط.

وتباينت رؤى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن وجود تأثير إيجابي ملموس على بعض الصراعات، في مقابل وجهة نظر مخالفة ترى بأن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على الاضطرابات المستمرة في المنطقة، بخاصة مع عدم التوصل إلى اتفاق سياسي يقود للاستقرار في ليبيا، وغياب التوافق الكامل بشأن التعامل مع ملفات بارزة في مقدمتها الأزمة في سوريا.

تعاون دفاعي

ووقَّعت تركيا ومصر، الاثنين، خطاب نوايا للتعاون الثنائي في المجال الدفاعي، في ختام مباحثات في أنقرة، بين وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري أشرف سالم زاهر.

الزيارة تأتي بعد أيام قليلة فقط من اختتام التدريب الجوي المشترك «نسر الأناضول 2026»، الذي شاركت فيه القوات الجوية المصرية والتركية إلى جانب أذربيجان، وبمشاركة طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما سبقت الزيارة خطوات متقدمة شهدها التعاون العسكري خلال الأسابيع الماضية، أبرزها انعقاد اللجنة العسكرية المصرية - التركية المشتركة للمرة الخامسة.

وعقد البلدان أول اجتماع للمجلس الاستراتيجي للعلاقات خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر (أيلول) عام 2024، وهو مجلس أُعيد إحياؤه خلال زيارة إردوغان للقاهرة في 14 فبراير (شباط) من العام نفسه.

غير أن الاجتماع الثاني الذي انعقد في القاهرة خلال زيارة إردوغان في فبراير الماضي كان أكثر شمولاً ونتج منه بيان مشترك مطول تضمن التأكيد على تقارب المواقف السياسية بشأن الكثير من أزمات المنطقة، في مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمات في سوريا، ولبنان، والساحل الأفريقي، والصومال والسودان ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

الخبير في الشؤون التركية «بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور بشير عبد الفتاح، قال إن التقارب المتسارع بين مصر وتركيا على الأقل منع الصدام في ليبيا؛ إذ كانت هناك مصالح متعارضة بين الدولتين، وإن التفاهم السياسي بين البلدين انعكس على تهدئة الصراع والذهاب نحو الحلول السياسية التي تضمن وحدة الأراضي الليبية.

وأضاف عبد الفتاح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تضييق مساحات الخلاف في ليبيا يُعدّ إنجازاً مهماً، وبخاصة وأن هناك تنسيقاً متنامياً مع دول الجوار الليبي وأطراف الصراع هناك للتوصل إلى تفاهمات سياسية».

وهو ما يتفق معه الخبير في الشأن التركي، محمود علوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، حيث شدد على أن المواقف المصرية - التركية كانت من المحفزات الإيجابية لتهدئة الصراع في ليبيا، بل إنها شكَّلت نقطة تحول في هذا الصراع، مضيفاً أن هناك «جهداً تركياً - مصرياً - سعودياً لدفع مسارات الحل إلى الأمام».

نتائج عملية غير واضحة

لكن عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، يشير إلى أنه كان من المأمول أن يقود التوصل لتفاهمات بين مصر وتركيا بشأن ليبيا إلى تسوية الأزمة، لكنها ما زالت مستعصية على الحل، وقد ذلك يرجع لأسباب تتعلق بأطراف الصراع هناك، لكن الواقع يشير إلى أن الأزمة ما زالت قائمة.

ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما يحدث في ليبيا ينعكس على باقي ملفات الصراع بما يؤشر على أن التعاون المصري - التركي ترك تأثيرات إيجابية من حيث التفاهم السياسي الثنائي والإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، لكن ما زال لم يحقق نتائج عملية في قضايا مهمة.

وفي 11 يوليو (تموز) الحالي، توافقت مصر وتركيا على «استمرار التشاور بينهما بشأن الشواغل الأمنية»، وضرورة «تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان.

توافق على وحدة سوريا

وعلى مستوى الأزمة في سوريا، أشار عبد الفتاح إلى «أن هناك تفاهماً مصرياً - تركياً للحفاظ على وحدة سوريا، لكن ما زالت هناك خلافات بشأن التمركز العسكري التركي هناك، لكن التفاهمات سياسية وعسكرية متزايدة تخلق مساحة من الثقة تسمح بمناقشة تلك القضايا الخلافية»، مضيفاً: «إن التدخلات الإسرائيلية في سوريا تحتاج إلى تنسيق بين البلدين، هذا بالإضافة إلى ملف إعادة الإعمار وتقاسم الأعباء بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على مستقبل الدولة السورية».

بينما يرى السفير رخا أحمد حسن، أن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد إيجاباً على الأزمة في سوريا مع وجود تفاوت في الرؤى بين البلدين نتيجة مواقف أنقرة من التنظيمات الإسلامية.

وزير الدفاع المصري في تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى (وزارة الدفاع التركية)

ويضيف حسن أن الوضع يختلف في الصومال؛ إذ إن القاهرة لديها تأثير قوي بفعل العلاقات التاريخية وقوة الدعم اللوجيستي الذي تقدمه مصر لحكومة مقديشو، بعكس تركيا وهي تُعدّ ضيفاً جديداً على المنطقة، مشيراً إلى أن توافق البلدين على وحدة الأراضي الصومالية لديه انعكاسات إيجابية، لكنها تتسم بالبطء، حيث إن هناك قدراً من الاستقرار النسبي في الصومال، إلا أن المهددات كبيرة.

الملف الصومالي

بينما يلفت محمود علوش إلى أن الملف الصومالي يُعدّ أحد الملفات التي تتوافق فيها مصر وتركيا للحد من التوغلات الإسرائيلية، ويشير في الوقت ذاته إلى أن علاقات البلدين تنافسية، لكن مع تقدم العلاقات هناك إدارة لهذا الملف وفقاً لقاعدة «التعاون التنافسي». ومن وجهة نظره، فإن ذلك يُعدّ «ميزة يمكن أن تجلب الكثير من الفوائد للبلدين، وقد تنعكس إيجاباً على استقرار الصومال».

وهنا يوضح الخبير في الشأن التركي بشير عبد الفتاح أن التفاهمات بين البلدين تقوم على هيكل أمني واستراتيجي قوي يمكن البناء عليه بمقاربات دولية تقود إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وبالتالي ستكون هناك فرصة لتبريد الصراعات، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك تعاون أوسع مع دول بارزة في المنطقة، في مقدمتها السعودية وباكستان لفرملة التدخلات الخارجية السلبية في شؤون دول الإقليم بما يضع أسساً لقواعد إقليمية تخدم مصالح دول المنطقة.

وفي 21 يونيو (حزيران) الماضي دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، التي انطلقت بعد 3 أسابيع من اندلاع حرب إيران نهاية فبراير الماضي.


النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
TT

النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

في أول زيارة خارجية منذ توليه رئاسة الحكومة، يأتي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن حاملاً أجندة تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها تخفي واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية بين بغداد وواشنطن.

اللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، لا يأتي في ظل تصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية والمخاوف من تداعيات أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز فحسب، بل أيضاً مع سعي إدارة ترمب إلى إعادة رسم دور العراق في الشرق الأوسط، عبر تقليص النفوذ الإيراني، وتحويل بغداد من ساحة صراع إلى شريك اقتصادي وأمني رئيسي للولايات المتحدة.

وتعكس التصريحات التي أدلى بها الزيدي قبل الزيارة محاولة واضحة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة مع واشنطن. فبدلاً من العلاقة التي طغت عليها ملفات الإرهاب والوجود العسكري الأميركي، يسعى رئيس الوزراء العراقي إلى نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والتنمية والتكنولوجيا.

وكتب الزيدي في مقال نشرته «واشنطن بوست» أن هدفه هو «الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص»، مؤكداً أن العراق يريد أن يصبح شريكاً اقتصادياً، لا مجرد ملف أمني في السياسة الأميركية.

واستهل الزيدي لقاءاته بعقد اجتماع مغلق مع توم برّاك، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، مساء الاثنين، بمقر إقامة الوفد العراقي. وبدا اللقاء أقرب إلى جلسة تمهيدية لرسم جدول أعمال المباحثات مع إدارة ترمب، ومناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج سيطرة الحكومة، والحد من النفوذ الإيراني، وأيضاً مستقبل الوجود العسكري الأميركي بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول).

وفي وقت لاحق، من المقرر أن يقيم وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث استقبالاً شرفياً لرئيس الوزراء العراقي قبل لقاء كبار المسؤولين في «البنتاغون»، على أن يلتقي الزيدي بعدها أعضاء الكونغرس بمجلسيه.

وسيلتقي الزيدي، الأربعاء، رئيس البنك الدولي ورئيس مؤسسة التمويل الدولية، ثم الجالية العراقية من ولايات ميشيغان، وتكساس وكاليفورنيا، وممثلي القطاع الخاص والطلبة المبتعثين. ثم ينتقل إلى هيوستن بولاية تكساس الخميس، حيث يزور شركات «هاليبرتون» و«شيفرون» و«إكسون موبيل»، كما يلتقي رئيس الغرفة التجارية الأميركية.

ويعقد اجتماع مائدة مستديرة مع ممثلي شركات الطاقة العاملة في العراق، والشركات التي لديها رغبة في العمل بالعراق.

ويعود الزيدي إلى واشنطن، الجمعة، للمشاركة في قمة الأعمال رفيعة المستوى التي تنظمها غرفة التجارة الأميركية، حيث يناقش المشاركون «آفاق الشراكة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة»، إلى جانب ملفات التقنيات المالية والمصرفية والرقمية، وفرص توسيع التعاون بين البلدين.

أولويات بغداد

يريد الزيدي أن يقدم حكومته بصفتها حكومة إصلاح اقتصادي؛ وهو ما انعكس على تشكيلة الوفد العراقي الذي يضم 27 وزيراً ومسؤولاً رفيع المستوى، بينهم وزراء النفط والكهرباء والتجارة والخارجية، ومحافظ البنك المركزي، ومستشار الأمن القومي، إضافة إلى رجال أعمال.

وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، للصحافيين، إن ملف النفط يحتل جانباً مهماً من النقاشات، للبحث عن منافذ جديدة لتصدير النفط العراقي، لتفادي أضرار أي إغلاق لمضيق هرمز.

ويمر عبر المضيق ما يقرب من 90 في المائة من صادرات العراق النفطية، التي تبلغ 3.4 مليون برميل يومياً.

وكان رئيس الوزراء قد صرح بأن العراق يسعى إلى زيادة إنتاجه النفطي إلى 7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وأشار مسؤولون عراقيون إلى أن الرسالة الأساسية التي يحملها الوفد تتمثل في إقناع المستثمر الأميركي بأن العراق يبحث عن شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. لكن واشنطن تنظر إلى هذه الأجندة الاقتصادية من زاوية مختلفة؛ فهي ترى أن نجاح أي استثمارات أميركية يتطلب أولاً بيئة أمنية مستقرة تشجع الشركات الأميركية على القدوم إلى العراق؛ وهو ما يعيد ملف الفصائل المسلحة إلى صدارة المباحثات.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برّاك في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

ما يريده ترمب

رغم أن جدول الزيارة يركز رسمياً على الاقتصاد والاستثمار، فإن الملفات الأمنية ستكون حاضرة بقوة على طاولة البيت الأبيض.

تتمثل أولويات إدارة ترمب في ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان احتكار الدولة العراقية للسلاح، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف القوات أو المصالح الأميركية، وبناء شراكة اقتصادية تمنح الشركات الأميركية موقعاً متقدماً في مشاريع النفط والطاقة والبنية التحتية.

وترى واشنطن أن نجاح حكومة الزيدي في تنفيذ تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة سيكون الاختبار الحقيقي لعلاقتها الجديدة مع الإدارة الأميركية.

من جهته، يحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن حكومته حققت تقدماً سريعاً خلال أقل من ستين يوماً، سواء في مكافحة الفساد أو في دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، لكنه يدرك أن واشنطن ستقيس نجاحه بمدى قدرته على التعامل مع أكثر الفصائل ارتباطاً بطهران، ويطلب من واشنطن تقديم الدعم الاستخباراتي والفني والعسكري لحكومته.

وقد زادت مواقف هذه الفصائل من تعقيد المهمة قبل أيام من الزيارة، فقد أعلنت المجموعة التي تطلق على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» رفضها تسليم السلاح، ووضعت سلسلة من الشروط السياسية، محذرة من استبدال الاحتلال العسكري باحتلال اقتصادي عبر الشركات الأميركية.

كما صعّد زعيم «كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي لهجته، داعياً الحكومة إلى ما أسماه «الانصياع لإرادة المقاومة»، ومؤكداً استمرار ارتباط الفصيل بالمحور الإيراني.

وتدرك واشنطن أن هذه المواقف لا تستهدف الحكومة العراقية وحدها، وإنما تشكل أيضاً رسالة مباشرة إلى إدارة ترمب بأن تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق لن يكون مهمة سهلة.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مطار النجف بالعراق قبيل تشييع المرشد علي خامنئي (رويترز)

بين واشنطن وطهران

ويجد الزيدي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو يريد بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، التي ما زالت تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق. ولهذا شدَّد في أكثر من مناسبة على أن العراق «لن ينضم إلى أي محور»، وأن بغداد تسعى إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، لا أن تكون جزءاً من الصراع بينهما.

ويحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن تقليص النفوذ الإيراني لا يمكن أن يتم عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال بناء دولة قوية واقتصاد قادر على استيعاب القوى المختلفة داخل النظام السياسي. ولذا؛ تراهن بغداد على أن الاقتصاد سيكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء العلاقات مع واشنطن.

وفي مقال نشرته «واشنطن بوست»، أشار الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأميركية في العراق، إلى أن العراق يقف أمام «لحظة تاريخية نادرة» قد تتيح له إعادة بناء الدولة بعد عقود من الديكتاتورية والحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية، عادَّاً أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن تمثل فرصة لترسيخ شراكة جديدة مع الولايات المتحدة.

ورأى بترايوس أن نجاح العراق يتوقف على قدرة الحكومة على تفكيك شبكات الفساد والميليشيات، واحتكار الدولة للسلاح، وتعزيز سيادة القانون، وتنويع الشراكات الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد المفرط على أي طرف خارجي، ولا سيما إيران.


الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)
مزارعون يمنيون في محافظة أبين استفادوا من دعم أممي (الأمم المتحدة)

تتجه الجهود الدولية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الغذائي في اليمن، عبر التركيز على بناء أنظمة زراعية محلية قادرة على الصمود، بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدات الغذائية الطارئة، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل اعتماد ملايين اليمنيين على الإغاثة.

ويرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تحقيق الأمن الغذائي لا يبدأ من زيادة إنتاج المحاصيل فحسب، وإنما من بناء منظومة متكاملة تشمل جميع حلقات سلسلة القيمة الزراعية، بدءاً من توفير المدخلات الزراعية، مروراً بإدارة الموارد المائية والإنتاج والتخزين والنقل، وصولاً إلى التسويق والتصنيع الغذائي، بما يضمن استدامة الإنتاج وتحسين دخل المجتمعات الريفية.

ووفقاً للبرنامج، فقد انعكست التدخلات التنموية على تحسين أداء سلاسل القيمة الزراعية، عبر تعزيز خدمات الري، وتسهيل الوصول إلى المدخلات الزراعية والأسواق، وتقوية دور التعاونيات والمؤسسات المحلية، ودعم قدرة المنتجين على استئناف نشاطهم الزراعي في بيئة تتسم بندرة الموارد وارتفاع المخاطر.

ووفقاً للبرنامج، فإن آثار هذه التدخلات لا تقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل وتحسين دخل المجتمعات الريفية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الأزمات، بما يدعم التحول التدريجي من الاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى تنمية اقتصادية محلية أكثر استدامة.

محصول وفير من الفلفل في أبين اليمنية بدعم أممي (الأمم المتحدة)

وبات التصحر يهدّد نحو 97 في المائة من الأراضي الزراعية في اليمن، في حين تتدهور الأراضي الصالحة للزراعة بمعدل يتراوح بين 3 و5 في المائة سنوياً، وهي مؤشرات تعكس حجم الضغوط البيئية التي تواجه القطاع الزراعي إلى جانب تداعيات الصراع، طبقاً لتقرير البرنامج.

ويتطلب تعزيز الأمن الغذائي الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، وإعادة تأهيل شبكات الري، وتحسين إدارة المياه، ودعم المؤسسات المحلية والتعاونيات الزراعية، وربط المنتجين بالأسواق، بما يسهم في تقليل الفاقد الزراعي ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.

استثمار قدرة المجتمع

يعمل البرنامج على تطوير سلاسل القيمة الزراعية، من خلال دعم مقدمي الخدمات الزراعية، وموردي المدخلات، والجهات العاملة في التخزين والتسويق؛ كون أن أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة ينعكس مباشرة على قدرة المزارعين في الوصول إلى الأسواق وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

مزارعان يمنيان يتفقدان الشتلات للتأكد من صحتها قبل بدء زراعتها (الأمم المتحدة)

ومنذ عامين كشف تقرير حكومي عن ارتفاع نسبة التصحر وتدهور الأراضي الزراعية في اليمن من 8.7 في المائة في عام 2015، إلى 17.54 في المائة في عام 2019، مع زيادة مؤشرات الجفاف وتأثيرها على السكان والتنوع البيولوجي.

وأظهر التقرير الذي أعدَّته وزارة الزراعة اليمنية أن مخاطر الجفاف ارتفعت من 36 في المائة إلى 42.6 في المائة خلال الفترة نفسها، في محافظات شبوة، وحضرموت، والحديدة، وسقطرى، والجوف وحجة.

ويرى خبراء تنمية أن هذا التوجه يمثل انتقالاً من الاستجابة الإنسانية قصيرة الأجل إلى الاستثمار في قدرة المجتمعات المحلية على إنتاج غذائها، بما يسهم في خلق فرص عمل في المناطق الريفية، وتحسين دخل الأسر، وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.

ويقول سعيد الشرجبي، الأكاديمي والخبير الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إن الجفاف وتأخر مواسم الأمطار أدى، بالإضافة إلى انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية، وزيادة انعدام الأمن الغذائي وتفاقم أزمة الغذاء، إلى انتشار أمراض المحاصيل وظهور أمراض جديدة، وتآكل التربة وتدهور الأراضي الزراعية، وزيادة الفقر وتأثيرات سلبية كبيرة على سبل عيش المزارعين.

مزارعتان يمنيتان تعالجان سيقان المحاصيل لتحويلها سماداً عضوياً (الأمم المتحدة)

وبيَّن أن التغير المناخي أدى إلى تغيير مواعيد مواسم الزراعة في اليمن. حيث أصبحت الأمطار غير منتظمة والفيضانات والسيول تزداد شدة وتواتراً؛ ما يجعل من الصعب على المزارعين التكيف مع هذه التغيرات.

ويظلّ نجاح هذه المقاربة، حسب مختصين، مرتبطاً بعدد من التحديات، في مقدمتها استمرار النزاع، وتراجع التمويل الدولي، وتدهور البنية التحتية، واستمرار أزمة المياه، وهي عوامل قد تحدّ من قدرة القطاع الزراعي على استعادة دوره في دعم الأمن الغذائي.

التعايش مع التغيرات

يؤكد البرنامج الأممي أن بناء أنظمة غذائية محلية أكثر استدامة يمثل أحد المسارات الأساسية لتعزيز قدرة اليمن على مواجهة الأزمات مستقبلاً، عبر الانتقال تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى تنمية الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الريفي.

مزارعان يمنيان يعاينان محصول السمسم للتأكد من صلاحيته للبيع للمستهلكين (الأمم المتحدة)

وكانت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) توقعت أن يصل حجم واردات اليمن من الحبوب إلى 5.2 مليون طن خلال 2026، لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الاستهلاكية في ظل استمرار التحديات المناخية والاقتصادية.

ولفتت إلى أن تقلص المساحات المزروعة وانخفاض إنتاجية المحاصيل في المناطق المعتمدة على الأمطار، واستمرار النزاع، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، واضطرابات سلاسل التوريد، عوامل زادت من الضغوط على القطاع الزراعي.

ويقترح الخبير الزراعي الشرجبي استنباط محاصيل تتلاءم مع التغيرات المناخية، وبناء خزانات حصاد مياه الأمطار لتوفير المياه للمزارعين وللماشية خلال فترات الجفاف وتشذيب وصيانة مصارف الري ومجاري السيول لتنظيم تدفق المياه بين المزارع وتقليل تأثير الفيضانات والتوجه نحو استخدام شبكات الري الحديثة واستصلاح الأراضي المتضررة وصيانة المدرجات الزراعية لزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين سبل عيش المزارعين.

عاملتان يمنيتان في أبين تفحصان تغليف المنتجات قبل إنزالها إلى الأسواق (الأمم المتحدة)

وبينما دعا إلى تنفيذ مشاريع زراعية مستدامة لتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ وتحسين الأمن الغذائي، أشاد الشرجبي بمشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي التابع للبرنامج الأممي والذي يعمل على تحسين الإنتاج الزراعي ببناء خزانات لحصاد مياه الأمطار ومصارف الري، إلى جانب مشروع الأشغال العامة والصندوق الاجتماعي للتنمية، لاستصلاح الأراضي المتضررة وتوفير فرص عمل مؤقتة للمزارعين.

ولا تزال توقعات المعهد الدولي لبحوث المناخ والمجتمع تضع احتمالات كبيرة لاستمرار تراجع معدلات الأمطار بنحو 40 في المائة في المناطق الجنوبية الغربية من اليمن؛ ما قد يضعف الأثر الإيجابي لهطول المطر الأخير ويقلص فرص الاستفادة منه على المدى الطويل.