رؤية سعودية بمبادئ خليجية تضخ الروح في الجانب التنموي

الملك سلمان يخطو بالمواطنة الفاعلة إلى قلب المستقبل

الملك سلمان بن عبد العزيز يتوسط أمير الكويت والعاهل البحريني قبل انطلاق قمة جدة الخليجية التشاورية ويبدو فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني
الملك سلمان بن عبد العزيز يتوسط أمير الكويت والعاهل البحريني قبل انطلاق قمة جدة الخليجية التشاورية ويبدو فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني
TT

رؤية سعودية بمبادئ خليجية تضخ الروح في الجانب التنموي

الملك سلمان بن عبد العزيز يتوسط أمير الكويت والعاهل البحريني قبل انطلاق قمة جدة الخليجية التشاورية ويبدو فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني
الملك سلمان بن عبد العزيز يتوسط أمير الكويت والعاهل البحريني قبل انطلاق قمة جدة الخليجية التشاورية ويبدو فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني

قمة خامسة تحتضنها السعودية بين قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في غضون عام، منذ القمة التشاورية التي عقدت مايو (أيار) العام الماضي التي عقدت بحضور الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، ضيف الشرف، ومن ثم تتابعت بقمة اعتيادية، ومن ثم قمتان خليجية - مغربية، وأخرى خليجية - أميركية، قبل أن تحتضن جدة قمة الأمس التشاورية التي يغلب عليها عمل اليوم الواحد، بهدف الاطلاع والمتابعة وتسريع القرارات، والبحث في القضايا الراهنة.
التحولات الإقليمية والعالمية من إيران وسوريا واليمن والعراق، ألقت بظلالها على قمة جدة التشاورية حتما، لكن تلك التحولات دوما ما تجعلها تتجه نحو التفكير في تجاوز التباينات لتحقيق تعاون يصعد بطموح مواطني دول المجلس.
القمة التشاورية تكمن أهميتها في توحيد معتاد للمواقف الخليجية من مجمل القضايا، خصوصا أنها تأتي قبل القمة العربية المقرر عقدها في أواخر يوليو (تموز) المقبل بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، وخرجت كما هو المعتاد ببحث في القضايا السياسية، لكن الجانب الاقتصادي والتنموي كان الأبرز، في دلالات على أن الخليجيين ماضون في مواجهة التحديات من جوانب عدة.
فمع ختام القمة التشاورية التي عقدت أمس في جدة، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أبرز الخليجيون الرغبة الحقيقية في تفعيل المجلس ومهامه إلى الارتقاء بالشراكة إلى مراحل أهم، خصوصا مع تسريع العمل بـ«رؤية خادم الحرمين الشريفين لتعزيز العمل الخليجي المشترك» التي أقرتها قمة الرياض في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من خلال الاتفاق على إنشاء هيئة رفيعة المستوى بين الدول الست للسياسات والتوصيات في ملفات الاقتصاد والتنمية، باعتبارها رسالة خليجية بالمرونة في التعامل معا رغم تحدّيات أمنية إقليمية، باتت تهدّد أمن المواطنة الخليجية، سواء بشكل منفصل، على غرار محاولات إثارة الفتنة في البحرين، أو بشكل جماعي، فيما يتعلّق خصوصا بالاستفزازات الإيرانية والتهديدات الإرهابية والتحديات المرتبطة بتراجع أسعار النفط، وكلاهما يتطلّب حدّا أدنى من التوافق بين دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهته.
هدية ميلاد المجلس في عمره الخامس والثلاثين، ظهرت بالأمس عبر هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية، وهو ما يبدو أن المجلس قطع أشواطا مهمة نحو بلوغ المستقبل بمكتسبات الحاضر، ويعكس ذلك طموحات قادة دوله الساعية إلى تحقيق أكبر قدر من التعاون والشراكة الداخلية، بما يدعم الشراكة الخارجية الاستراتيجية ويصنع، رغم بعض التباينات والخصوصيات، تكتلا خليجيا قويا قادرا على مواجهة التحدّيات الإقليمية التي تهدّد أمنه وأمن منطقته العربية.
وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، ركزت دول الخليج العربي على تفعيل الشراكة البينية الداخلية بما يحقق رفاه شعوبها ضمن قاعدة المواطنة الاقتصادية الخليجية، وسعت من خلال هذه القاعدة إلى فتح مجالات التعامل الاقتصادي بين مواطني دول الخليج العربي وتوسيع قاعدة التبادل التجاري اعتمادا على حجم الأسواق النامية، وعلى توافر رؤوس أموال ضخمة في المنطقة، وقوة شرائية يتمتع بها المواطن الخليجي بشكل عام، وتحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في جميع المجالات الاقتصادية على امتداد تلك الدول.
الرؤية السعودية التي أطلقها الملك سلمان واعتمدها المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، لتعزيز العمل الخليجي المشترك، يخطط لاستكمال تنفيذها خلال عام 2016، مكلفا المجلس الوزاري واللجان الوزارية المختصة والأمانة العامة بتنفيذ ما ورد بها، والتركيز على مسيرة التعاون الاقتصادي والتنموي المشترك، بهدف تحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة، عبر لجان من المختصين والمفكرين من أبناء دول المجلس لاقتراح مرئيات للوصول إلى المواطنة الاقتصادية الكاملة، على أن يؤخذ في الحسبان متطلبات واحتياجات التنمية المستدامة في دول المجلس، ورفع تنافسية القوى العاملة الوطنية، إضافة إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، من خلال لقاءات تجارية بين لجنة التعاون التجاري ورؤساء الغرف التجارية بدول المجلس.
الصعيد اللافت مع الإعلان عن الهيئة الاقتصادية والتنموية الخليجية، أنه يترافق مع إجراءات خليجية داخلية في المجال الاقتصادي لدى بعض الدول في الخليج، بعد تراجع أسعار النفط وفقد البرميل أكثر من 50 في المائة من سعره منذ منتصف 2014، عن ذلك يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور فاضل المازني، إن ذلك جزء مما يدفع دول الخليج نحو التفكير الإيجابي برؤية موحدة، كون اقتصادها يعد تكتلا مؤثرا ويشكل قوة على الخريطة الدولية.
وأضاف المازني، في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذه الهيئة ستسرع من وتيرة التعديلات على الإجراءات الخليجية للتكيف مع تراجع أسعار النفط على المدى البعيد، وهي مؤهلة لتحقيق النجاح من خلال الهيئة العليا، نظرا لما تملكه من سياسات مالية قوية ستسمح بالقيام بتلك التعديلات من مركز قوة، وستحد من تداعياتها على معدلات النمو الاقتصادي، مضيفا أن أمام دول الخليج فرصة ثمينة لاستخدم عناصر القوة الأخرى، وبلوغ التنمية الشاملة المستدامة التي ستعزز من جاذبية الأسواق الخليجية للمستثمرين وفتح المجال الصناعي وتحقيق الخطوات التي تتماهى مع النمو البشري فيها.
دول الخليج بقيادة السعودية، الحاضرة جميعها سياسيا بتوهج، ومقصد القادة والزعماء، التي تجمعهم بتحالفات عربية وإسلامية، وتواجه مهددات الأمن والاستقرار في الإقليم التي تتعرض لها بعض الدول، وتصد تدخلات إيران وتأزيمها قضايا المنطقة، تسير بخطوات على أكثر من جبهة، تحدياتها جمة لكنها تتجاوزها، ولا تزال قادرة على لعب دور اقتصادي داخلي وخارجي كبير، بقيادة تتسم بالفاعلية، وتسعى لتحقيق إصلاحات في مستويات عدة، حيث تزيد من وتيرة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المنطقة الخليجية لخلق مئات الآلاف من الوظائف لمواطنيها، في وقت يتوقع صندوق النقد الدولي فيه تراجع النمو في دول مجلس التعاون - حال عدم إجراء أي تدخلات حكومية - من 3.2 في المائة خلال العام الماضي إلى 2.7 في المائة في العام الجاري، وانخفاض عائدات الصادرات بنحو 275 مليار دولار العام الماضي مقارنة بمستويات سابقة.
القرارات الخليجية الاقتصادية التي أعلنت بالأمس، تأتي بعد اجتماع استثنائي عقده وزراء مالية الخليج، في العاصمة الرياض الأسبوع الماضي، وخلص إلى إقرارهم اتفاقية القيمة المضافة واتفاقية ضريبة السلع المنتقاة بوصفها استراتيجية خليجية لمواجهة العجز في الميزانيات المقبلة، حيث تفرض ضريبة السلع المنتقاة على السلع الغذائية التي تحتوي على السكر مثل المشروبات الغازية، وتصل في بعض السلع إلى 100 في المائة وإلى 50 في المائة في سلع أخرى، وأما الضريبة المقترح فرضها على السلع، ستشمل سلعا مصنعة داخل دول الخليج وأخرى مستوردة، وستكون متساوية في كل دول الخليج.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.