أصول المجتمعات ونشأتها وكيف أصبحت بناءً فعليًا

يتشكل الناس من حيث حاجياتهم اليومية والبيولوجية والنفسية والمعنوية

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
TT

أصول المجتمعات ونشأتها وكيف أصبحت بناءً فعليًا

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة و فريدريك إنجلز

طرح المجتمع إشكالات متعددة، حول أصوله وأسباب نشأته، وتم التعامل مع هذه الإشكالات على مر التاريخ، بطرق متباينة، من التحليلات الدينية والأسطورية للخلق، التي حاولت إرجاع المجتمع إلى آلهة وآباء مؤسسين وشخصيات خيالية، بعثت المجتمع، وعملت على التحكم فيه، أو تهديمه بصفته عقابا للبشر على سوء أفعالهم. وهو ما نجده في معتقدات الشعوب والفكر التقليدي إلى يومنا هذا، مرورا بالتحليل الفلسفي ذي الطابع التأملي، الذي حاول النظر إلى المجتمع بشكل أكثر واقعية. إلا أن التفكير في المجتمع خلال العصور الحديثة، سيتطور كثيرا مع تطور مناهج المعرفة وتطور الدراسات الإنسانية والاجتماعية، التي ستعيد توجيه السؤال حول المجتمع، مستفيدة من خلفية نظرية ومنهجية، تتجاوز المعطيات التي اعتمدت عليها الرؤى الماضية، محاولة البحث عن الأسس والعوامل التي جعلت الناس على مر التاريخ، يعيشون على شكل جماعات تنتظم، بشكل أو بآخر، داخل عشائر وقبائل ومدن، بعدما كانوا يهيمون في مختلف بقاع الأرض. كما تخبرنا بذلك، علوم الأنثربولوجيا، والأركيولوجيا البشرية، التي عادت إلى البحث في التشكيلات الاجتماعية البدائية القديمة قبل أن تكون هناك دولة، وحيث لم توجد بعد سلطة عامة معينة منفصلة عن المجموعة، أي تتبع المجتمع في جذوره الأولى.
بحثت الفلسفة اليونانية في أسباب الاجتماع، حيث يمكن أن نتوقف عند المعلم الأول أرسطو في «الأخلاق إلى نيكوماخوس»، الذي قدم تصورا عدّ فيه أن للإنسان دافعا طبيعيا للاجتماع، وأن الناس يميلون طبيعيا إلى العيش داخل مجتمع. وهو ما قد بقي مستمرا بشكل أو بآخر في الفلسفة الإسلامية، وبخاصة مع الفارابي وابن خلدون، حيث لم تخرج هذه التصورات عن فرضية حاجة الإنسان إلى الآخر، من أجل تعويض النقص. إذا تجاوزنا أطروحة الدافع الطبيعي، فإن أقوى محاولة للتفكير في المجتمع هما عبارة عن رؤيتين اثنتين مهمتين، يقدم الأولى الفيلسوف الألماني، والمنظر الاشتراكي فريديريك إنجلز، في كتابه «أصل العائلة والملكية والدولة». والرؤية الثانية هي لعالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم في حديثه عن أشكال التضامن الاجتماعي في «تقسيم العمل الاجتماعي». وكلتاهما وجهة نظر، وإن كانتا مختلفتين، إلا أنهما تبقيان مهمتين، وقد تتكاملان فتقدمان لنا صورة جيدة حول المجتمع وتاريخه وجذوره، وبناه الداخلية. فالطرح الأول يبحث في السيرورة الإنتاجية والاقتصادية التي دعت الناس تاريخيا إلى الاجتماع. والطرح الآخر ينتقل بنا إلى المجتمع ذاته، ويبحث بطريقة حول الأسباب والسبل التي تجعل الأفراد ينتظمون فيما بينهم، كاشفا عن الرابطة الاجتماعية.
مر الإنسان في مسير بحثه عن المجتمع بمراحل متعددة؛ فقد بدأ أولا يعيش في الكهوف من الغابات الاستوائية وغيرها، ويسكن أحيانا الأشجار. هذا النمط القاسي من الحياة سيجعل الحديث عن المجتمع ضربا من المستحيل. لكن الإنسان سيتطور بعد ذلك إلى استخدام الأسماك والحيوانات المائية في الطعام، واستخدام النار في طهي الطعام؛ ما سيدفعه إلى تتبع السواحل بحثا عن الأسماك، فمهد له ذلك أن ينتشر في الجزء الأكبر من سطح الأرض، فلما استطاع اختراع القوس والسهم، وأصبحت ثمار الصيد عنصرا أساسيا في الطعام، يضاف إلى ذلك تمكنه من صناعة المعاول الحجرية، والقوارب المحفورة في الخشب، سيصبح مؤهلا أكثر للاستقرار في قرى معينة. يتقاطع مع التطور الذي يقدمه إنجلز على مستوى أنماط الإنتاج، تطور آخر لا يقل أهمية على مستوى العائلة ونظام القرابة. وهو ثاني عامل يفسر إنجلز من خلاله تطور المجتمع.. ستتطور العائلة من المشاعية الجنسية، حيث تكون العلاقات الجنسية مباحة بين الجميع، ما عدا الآباء وأبناءهم، إلى تطور على مستوى المنع، وبخاصة بين الإخوة؛ ما سيساهم في حدوث طفرة اجتماعية جد مهمة، ستساعد في ظهور القبيلة التي ستعطي، بعد ذلك، المدينة، لما سيعمل كل أخ على تأسيس نواة لأسرته الخاصة. ولأنه كان من الصعب على الأسرة الواحدة أن تنشئ قوة، فقد كان الانضمام تحت عشيرة واحدة مهما جدا في هذه المرحلة. بعد ذلك ستتطور الأمور وتزداد مسألة التحريم اتساعا، حتى يصبح من حق كل رجل امرأة واحدة فقط، كما ستتطور العائلة كثيرا مع القدرة على استئناس الحيوانات؛ مما سيؤدي إلى نمو الثروة الحيوانية، وبالتالي سيصبح من الضروري أن تتمدد العائلة، فيكون آنذاك أول انقلاب ذكوري لما سيصبح بإمكان الرجل الزواج من نساء أخريات تقوية للعائلة، ومسايرة لتطور الثروة الحيوانية. هنا ستظهر كذلك الملكية الفردية، وأول تقسيم طبقي في التاريخ بتعبير كارل ماركس، بين الرجل والمرأة. وسيزداد الأمر حدة أكبر مع استعمال الخيول في التنقل والغزو، وسيصبح الصيد الذي كان حرفة بمثابة هواية. هنا سيظهر الزواج الواحد، والعائلة الممتدة ذات القوة الاجتماعية والاقتصادية. لكن وجهة النظر هذه، وإن كانت مهمة جدا، إلا أنها تبقى غير كافية؛ لأن الناس لا توحدهم فقط علاقاتهم الاقتصادية وأنظمة القرابة. الدليل على ذلك هو أن المجتمعات الحديثة، انحلت فيها البنى التقليدية للقرابة، وأصبحت أنظمة الإنتاج غير قادرة على التأثير في أي بناء اجتماعي، حيث أصبحت الفردانية هي الخاصية المميزة لهذه المجتمعات.
هنا من الضروري أن نرفق التصور الذي عايناه لدى إنجلز، مع ما يقدمه إميل دوركهايم في «تقسيم العمل الاجتماعي»، لنتعرف على الأسباب التي ستجعل هذا البناء مستمرا، ونتعرف كذلك على الأسس التي ستنظم العلاقات بين أفراده. بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، فإن الناس يتحدون عن طريق الروابط الاجتماعية التي تقوم فيما بينهم، فما إن تتشكل جماعة معينة، إلا وتتكون فيما بين أعضائها لُحمة تتقوى عن طريق القواعد، والمعايير، والأخلاق التي يشكلونها. وتشكلهم من الناحية الواقعية والوجدانية لتسيطر عليهم بصفتها ضميرا جمعيا، الضمير الجمعي هو عبارة «مجموعة من المعتقدات والعواطف المشتركة بين الأعضاء العاديين في مجتمع معين، تشكل النسق المحدد لحياتهم». الضمير الجمعي هو كيان حقيقي مستقل، يقوم بإشعاع قهره وتأثيره في عقول الأفراد الخاصة، هو كائن نفسي جديد، متميز عن الشعور الفردي، رغم أنه لا يمكن أن يتشكل إلا عن طريق هذا الشعور، من هنا تنشأ الأخلاق، والقناعات والأديان. فالأخلاق هي قواعد الجماعة، والدين بصفته ممارسة لا يبقى مجرد طقوس خارجية، وإنما هو كذلك أحاسيس داخلية يحملها الإنسان داخله. يترسخ الضمير الجمعي في الوجدان إلى حد نعتقد معه أنه في طبيعتنا، وجزء لا يتجزأ من كينونتنا. وتتطور سيرورة اندماجه عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية، حيث يعمل على تأسيس فكر الجميع، فيصبح الكل واحدا. هنا لا يكون الفرد فردا، بل كائنا منصهرا في الجماعة، على الرغم من أن هذا الكل لا يمثل مجموع الأجزاء، بل شيئا آخر تختلف خواصه عن الخواص التي تحمل أجزاءه الداخلية، وهو ما يشكل الإنسان بخصائصه المادية والروحية والعقلية والاجتماعية.
كما أن الناس في نظر دوركهايم يتحدون عن طريق أشكال تقسيم العمل التي تتم فيما بينهم، ففي المجتمعات التقليدية يسود بين أفرادها تضامن آلي يتميز بالبساطة والسذاجة. فالأفراد في المجتمعات التي يسود فيها هذا النوع من التضامن يكونون جد متشابهين؛ لأنهم يشتركون في القيم والمشاعر والمعتقدات نفسها، حيث يتوطد الشعور بالنحن. فهذه المجتمعات لا يمكن أن تتوطد إلا عن طريق التشابهات القائمة بين أفرادها، وكل تباين بينهم إلا ويهدد النظام الاجتماعي بأكمله. ويجب مواجهته بالعقاب والقصاص. هنا يكون الضمير الجمعي مترسخا وقويا جدا. أما التضامن العضوي، فيقوم بالأساس على تقسيم العمل والتخصص المهني الدقيق، الذي يؤدي إلى اختلاف الأفراد، ويؤدي إلى ضعف العلاقات الاجتماعية بينهم، وتنتشر الأنانية والفردية. ولكن رغم اختلافاتهم، يتكون مجتمع هو المجتمع الصناعي الحديث، الذي يعتمد على القانون الذي يعيد النظام في حالة الفوضى، بإعادة الحق إلى أصحابه. وإذا كان الضمير الجمعي مهما جدا في التضامن الأول، فإنه يصبح من دون أي أهمية هنا.
الخلاصة العامة من هذا الطرح، هي: أن المجتمعات قامت منذ القدم لدواع اقتصادية، حيث إن التعاون وتطور أشكال الإنتاج، قد لعب دورا حاسما في نشأة المجتمعات عبر التاريخ، لكن رغم كل شيء، فهذا يبقى عاملا غير كاف، هنا يتدخل القانون، والمعتقدات والقيم التي تجعل لهذا البناء غاية وهدفا ومعنى، هكذا قامت كل المجتمعات عبر التاريخ تسن التشريعات والقواعد التي تنظم العلاقات القائمة فيما بينهم، وتجعلهم قادرين على العيش في أمن وأمان بناءً واحدا متراصا. فيتشكل الناس من حيث حاجياتهم اليومية والبيولوجية، ويتشكلون كذلك من خلال حاجياتهم النفسية والمعنوية.

* أستاذ فلسفة



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.