«حزب الله» يسوّق «رواية غير مقنعة» لمقتل بدر الدين تعزز فرضية «التصفية الداخلية»

المعارضة السورية تتحدث عن صراع كبير بين الجناحين الإيراني والروسي

مؤيدون لحزب الله اللبناني يحملون جثمان مصطفى بدر الدين في بيروت أول من أمس (أ.ف.ب)
مؤيدون لحزب الله اللبناني يحملون جثمان مصطفى بدر الدين في بيروت أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يسوّق «رواية غير مقنعة» لمقتل بدر الدين تعزز فرضية «التصفية الداخلية»

مؤيدون لحزب الله اللبناني يحملون جثمان مصطفى بدر الدين في بيروت أول من أمس (أ.ف.ب)
مؤيدون لحزب الله اللبناني يحملون جثمان مصطفى بدر الدين في بيروت أول من أمس (أ.ف.ب)

قرر ما يسمى «حزب الله» تحميل «الجماعات التكفيرية» مسؤولية اغتيال القائد العسكري والأمني البارز في الحزب مصطفى بدر الدين في العاصمة السورية دمشق؛ إذ أعلن عن قصف مدفعي طال أحد مراكز وجوده بالقرب من مطار دمشق الدولي. غير أن معظم فصائل المعارضة المتمركزة في المنطقة المحيطة والبعيدة عن المطار نفت مسؤوليتها، كما نفت تسجيل أي من المراكز السورية المعنية بعمليات التوثيق أي غارة أو قذيفة استهدفت المطار ومحيطه ليل (الخميس – الجمعة)، وهو ما فتح واسعا باب التساؤلات حول الطرف الحقيقي الذي اغتال بدر الدين في ظل تقاطع معلومات عن «صراع كبير» بين جناحين، الأول روسي، والآخر إيراني داخل دمشق، قد يكون القيادي في الحزب أحد ضحاياه.
و«المرصد السوري لحقوق الإنسان» نقل عما قال: إنها «مصادر موثوقة» في الفصائل المعارضة والإسلامية العاملة في القطاع الجنوبي من الغوطة الشرقية، ومصادر داخل قوات النظام، تأكيدها أنه لم يجر إطلاق أي قذيفة صاروخية على مطار دمشق الدولي أو منطقة المطار خلال الأيام الماضية. كذلك لم يرصد نشطاء «المرصد» في المنطقة سقوط أي قذيفة على منطقة مطار دمشق الدولي خلال الفترة ذاتها، وعدّوا أن كل ما نشره ما يسمى «حزب الله» حول رواية مقتل بدر الدين بقذيفة أطلقتها الفصائل على منطقة وجوده في منطقة مطار دمشق الدولي «عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلا»، داعيا الحزب لـ«إظهار الرواية الحقيقة حول مقتل قائده العسكري المسؤول عن قواته في سوريا».
ويعزّز التناقض في الروايات التي ساقها الحزب ومقربون منه في الساعات القليلة التي تلت الإعلان عن اغتيال بدر الدين، فرضية مقتله نتيجة عملية «تصفية داخلية» تعكس حجم الصراع المحتدم بين الجناحين الإيراني والروسي في دمشق. فبينما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن مصدر أمني سوري قوله إن «الانفجار الذي أدى لمقتل بدر الدين وقع ليل (الخميس – الجمعة) في مستودع قرب مطار دمشق الدولي»، لافتا إلى أن «أحدا لم يسمع ضجيج طائرة قبل الانفجار، كما أن أحدا لم يعرف أن بدر الدين كان موجودا في هذا المكان»، اكتفى ما يسمى «حزب الله» في بيان أصدره صباح السبت بالقول: إن «التحقيقات الجارية لدينا أثبتت أن الانفجار الذي استهدف أحد مراكزنا بالقرب من مطار دمشق الدولي والذي أدى إلى استشهاد مصطفى بدر الدين، ناجم عن قصف مدفعي قامت به الجماعات التكفيرية المتواجدة في تلك المنطقة». وللعلم، فإن الحزب كان قد تحدث في بيان أصدره الجمعة عن «انفجار كبير» استهدف أحد مراكزه بالقرب من مطار دمشق الدولي؛ ما أدى إلى مقتل بدر الدين (ذو الفقار) وإصابة آخرين بجراح. وتابع البيان: إن «التحقيق سيعمل على تحديد طبيعة الانفجار وأسبابه، وهل هو ناتج من قصف جوي أم صاروخي أم مدفعي».
وكانت قناة «الميادين» اللبنانية المقربة من الحزب قد ادعت في وقت سابق أن بدر الدين، البالغ من العمر 55 سنة، مات في غارة جوية إسرائيلية. وبدا لافتا ما أعلنه الصحافي في صحيفة «‏لو فيغارو» الفرنسية جورج مالبرونو عن أن ما يسمى «‏حزب الله»‬ طلب من الصحافيين عدم إقحام إسرائيل في عملية اغتيال. أما صحيفة «الأخبار»، وهي أيضا مقربة من الحزب، فنشرت في عددها الصادر السبت تقريرا تحدثت فيه عن أن مصطفى بدر الدين قتل بصاروخ موجه شديد التطور، وأن هذا الصاروخ يعمل «وفق آلية تجعل منه أقرب إلى القنبلة الفراغية». واستندت الصحيفة في تقريرها إلى أن بدر الدين لم تبد عليه إصابات تنتج من انفجار، بل مجرد نزف في الأنف والعينين، كما ذكرت.
في المقابل، يستغرب العميد أحمد رحال، قائد المجلس العسكري السوري المعارض في الساحل، «التخبط» في الروايات، علما بأنه «وفي مبادئ العلم العسكري، فإن القصف المدفعي يختلف تماما عن القصف الجوي أو الصاروخي. وبالتالي، لن يصعب تحديد ما إذا كان الانفجار تم من الأسفل إلى الأعلى أو العكس». وعدّ أن «إلصاق التهمة بالثوار أمر غير منطقي باعتبار أن أقرب منطقة تواجد لهم تقع في منطقة دير العصافير في الغوطة الشرقية التي تبعد 12 كلم عن مطار دمشق».
ورجح رحال في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن يكون بدر الدين «ذهب ضحية صراع داخلي قديم ومخفي بدأ يطفو أخيرا إلى العلن»، لافتا إلى «وجود تيارين رئيسيين في دمشق، الأول يتبع لإيران والآخر لروسيا، ولقد وصل الصراع بينهما إلى مرحلة متقدمة». وأضاف: «وصلتنا معلومات أن وفد معارضة حميميم الذي يتبع لعلي مملوك المحسوب على الروسي، أحيلت مرجعيته للواء محلّى، رئيس جهاز الأمن العسكري المحسوب على الإيرانيين؛ ما يعكس بوضوح حجم الانقسام الحاصل بين الأجهزة الأمنية السورية». وهذا ما أشار إليه أيضا رامي الدالاتي، رئيس المكتب السياسي في «جيش التوحيد» الذي رجح أيضا فرضية «التصفية الداخلية». فقد قال الدالاتي لـ«الشرق الأوسط» شارحا «لدينا معلومات مهمة وأكيدة حول انقسام واضح بين الأجهزة الأمنية السورية؛ إذ إن المخابرات الجوية والأمن العسكري باتوا ينصاعون للأوامر الإيرانية، فيما ينصاع أمن الدولة والأمن السياسي للأوامر الروسية المباشرة»، وعدّ أن هذه المعطيات «تعزز سيناريو انطلاق عمليات التصفيات الداخلية».
ويذهب العميد رحّال باتجاه إقحام التفاهم الروسي - الإسرائيلي بعملية اغتيال بدر الدين، مستغربا «سقوط أعداء إسرائيل بعمليات سريعة وخاطفة منذ دخول موسكو على خط الحرب السورية، وأبرزهم سمير القنطار الذي قضى بغارة إسرائيلية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قرب دمشق، أضف إلى ذلك النيران الصديقة الروسية التي تطال باستمرار مواقع إيرانية ولما يسمى (حزب الله)». ولقد كتب أخيرا أحد الصحافيين المقربين مما يسمى (حزب الله)، والنظام السوري على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعية ما يلي «أن يتغاضى الطيران الروسي عن دعم القوات المقاتلة في الميدان في معركة خان طومان قد يكون مفهوما إذا لم يكن لديهم ما يكفي من وقود، لكن أن يضرب نقاط هذه القوات أثناء التقدم باتجاه مخيم حندرات فهذا ما لا نفهمه!».
وأخيرا، يرجح محللون أن يكون لمقتل بدر الدين تداعيات محدودة على قدرات ما يسمى «حزب الله». وفي هذا الإطار، تقول الباحثة الأولى في مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» مهى يحيى: «رغم أنه المسؤول الأرفع عن العمليات السرية والموكل بوضع الخطط الميدانية، أشك في أن يترك مقتله أثرا على عمليات الحزب في سوريا».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».