صديق خان لـ«الشرق الأوسط»: على مسلمي بريطانيا بذل الجهود للاندماج وتغيير واقعهم

المرشح العمالي الأوفر حظًا لمنصب عمدة لندن يعتزم مراقبة مواقع التواصل لمكافحة الإرهاب

صديق خان المرشح لمنصب عمدة لندن عن حزب العمال البريطاني (تصوير: جيمس حنا)
صديق خان المرشح لمنصب عمدة لندن عن حزب العمال البريطاني (تصوير: جيمس حنا)
TT

صديق خان لـ«الشرق الأوسط»: على مسلمي بريطانيا بذل الجهود للاندماج وتغيير واقعهم

صديق خان المرشح لمنصب عمدة لندن عن حزب العمال البريطاني (تصوير: جيمس حنا)
صديق خان المرشح لمنصب عمدة لندن عن حزب العمال البريطاني (تصوير: جيمس حنا)

مع اقتراب موعد الانتخابات لاختيار عمدة جديد للعاصمة البريطانية لندن، في الخامس من مايو (أيار) المقبل، خلفا للعمدة الحالي بوريس جونسون، أكد المرشح عن حزب العمال صديق خان أنه يعتزم مراقبة مواقع التواصل لمواجهة التطرف وتعزيز الأمن في مناطق الأقليات.
وقال خان (الباكستاني الأصل) الذي يتقدم المرشحين لنيل المنصب، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنه «أصبح الآن من الممكن اجتذاب الأفكار المتطرقة في المنازل عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وتعهد خان بإغلاق تلك المواقع التي تعزز الأفكار الإرهابية، وأشار إلى أنه ينوي إجراء مراجعة لجميع خدمات الطوارئ للتعرف على أنماط الإجابة المتوافرة للهجمات الإرهابية، كأول شيء يقوم به بعد تنصيبه.
ويحاول حزب المحافظين حاليا جاهدا ربط المرشح العمالي المسلم بالمتشددين، بهدف مساعدة مرشحهم زاك غولدسميث على الفوز بانتخابات عمدة لندن الأسبوع المقبل. وأكد خان أن «حملة المحافظ غولدسميث تسير إلى الأسوأ، حيث يقضي كل وقته على التحدث عني. ولكن القضية التي لم تأخذها حملته في اعتبارها أن سكان لندن يحترمون بعضهم بغض النظر عن دياناتهم أو الخلفية العرقية»، وتابع بالقول: «غولدسميث يسعى لتقسيم المجتمع اللندني.. وأعتقد أنهم لن يسمحوا له بذلك»..
وفي مايلي نص الحوار:
* تعهدت بالحفاظ على لندن من الهجمات الإرهابية.. التي ضربت بروكسل وباريس.. ما هي الحلول التي تقترحها؟
- عايشت هجمات 7 يوليو (تموز) التي عصفت بلندن عام 2005. وشاهدنا جميعًا الهجمات المروعة التي ضربت باريس وبروكسل والتي من الممكن أن تتكرر هنا في لندن. ومن بين المهام التي يتعين على أي عمدة القيام بها إبقاء مدينته آمنة، وتولي مسؤولية إدارة جهاز الشرطة. وعليه، فإن أول ما أنوي عمله هو إجراء مراجعة لجميع خدمات الطوارئ للتعرف على أنماط الإجابة المتوافرة للهجمات الإرهابية. أيضًا، سأحرص على إلقاء نظرة على روابط الاتصال بين وسائل النقل في لندن وخدمات الطوارئ، وكيف يمكننا الاستجابة لنمط الهجمات الإرهابية الذي شهدته أوروبا أو مومباي والذي دفع الإرهابيين للانطلاق في الشوارع مذعورين. وسأعمل على التأكد من أن كل شيء تحت سيطرتنا.
* من السهل الآن تجنيد الإرهابيين لتنفيذ الهجمات بواسطة عناصر من داخل البلد كيف ترون هذا الأمر؟
- من المهم الانتباه إلى أنه الآن أصبح من الممكن اجتذاب الأفكار المتطرقة في المنازل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه لم تعد هناك حاجة لمقابلة آخرين وجهًا لوجه كي يتعرض المرء للملاحقة وغيره. ودعونا ننظر للمثال الخاص بالفتيات اللندنيات الثلاث اللائي تركن منازلهن وفررن إلى سوريا العام الماضي. لقد جرى التأثير على فكرهن من داخل غرف نومهن.
سأتعهد بإغلاق المواقع الإلكترونية التي تعزز الأفكار الإرهابية، وسأتواصل مع الشركات الموفرة للخدمة الإلكترونية كي تفعل هذا. وقد اتخذ موقع «تويتر» إجراءات إيجابية على هذا الصعيد. كما أن علينا إعادة التواصل بين الشرطة وأبناء الضواحي والأحياء. وعندما تتحدث إلى خبراء بمجال مكافحة الإرهاب، يخبرونك أن أحد مصادر المعلومات التي تساعد الشرطة على التصدي للإرهاب قبل وقوعه هو المجتمع المحيط.
وعليه، فإنه عندما يفقد جمهور المواطنين ثقته بالشرطة تظهر حينها مشكلة كبيرة وتعجز الشرطة عن الحصول على معلومات قيمة. في الواقع، إنني أؤمن بأهمية مشاركة المواطنين طواعية في الجهود الشرطية.
وفيما يخص السبل الأخرى للتصدي للتطرف، ينبغي أن نعزز النماذج التي تمثل قدوة حسنة بين صفوف المسلمين البريطانيين وإظهار أنهم أبلوا بلاءً حسنًا، وأن هذه البلاد لا تكرههم وأن بإمكانهم النجاح هنا مع الاحتفاظ بإيمانهم الديني. ويعتبر الاندماج أيضًا من العوامل المهمة. من جانبي، أرغب في التشجيع على مزيد من الاندماج وأن يكون لدى المرء أصدقاء من خلفيات مختلفة.
* هل تعتقد أن حكومة المملكة المتحدة بحاجة لبذل مزيد من الجهود لمعاونة المسلمين على الاندماج في المجتمع البريطاني؟
- من بين أول الإجراءات التي يتعين على الحكومة اتخاذها العمل على إصلاح «أجندة الوقاية» لديها، والتي تمثل عنصرًا من بين أربعة عناصر تقوم عليها الاستراتيجية الحكومية لمكافحة الإرهاب. من الواضح أن هذه الأجندة غير ناجحة ولا يشعر المواطنون بثقة حيالها.
فيما يخص قضية الاندماج، دعني أطرح مثالاً: أعتقد أنه ليس ثمة خطأ في أن يتعلم الأفراد الحديث بالإنجليزية، ولا ينبغي الشعور بالحرج حيال هذا لأنه السبيل الوحيد للحديث إلى الجيران والتقدم لطلب وظيفة والحديث لمدرسي أطفالك والاندماج داخل المجتمع البريطاني. من جانبها، قلصت الحكومة منذ بضع سنوات التمويل الموجه إلى الكليات التي تتولى تدريس الإنجليزية، ما اعتبره قرارًا خاطئًا. الآن، ينتقدون الأفراد الذين لا يتحدثون الإنجليزية. لذا، أعتقد أنه ينبغي العمل على تشجيع الأفراد على الحديث بالإنجليزية من خلال ضمان توافر كليات تنظم دورات مجانية لتعليم الإنجليزية.
* ما الذي يدفع سكان لندن من ذوي الأصول الشرق أوسطية للتصويت لصالحك؟
- سنعمل من أجلهم.. نعلم حب العرب والشرق أوسطيين للندن لأنها أعظم مدن العالم. وسكانها متسامحون إزاء بعضهم البعض يحترمون كذلك بعضهم بغض النظر عن دياناتهم، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا أو هندوسا أو متقدمين بالعمر أو شباب أو أثرياء أو فقراء أو رجالا أو نساء - هذا أعظم ما يميز لندن حقًا.
لقد عملت لندن بمثابة بوابة كبرى على مدار ألف عام، وكانت منفتحة على التجارة والكثير من الأفكار، وأتمنى المضي قدمًا في هذا الطريق. وأريد ضمان تمتع أبناء لندن اليوم بالفرص التي نلتها عندما كنت أصغر سنًا. وأتذكر أنه في بضع مناسبات، أفطرت خلال رمضان داخل معبد يهودي - وهنا يكمن سبب عشق الكثير من أبناء الشرق الأوسط للندن.
ومع ذلك، تبقى هناك بعض التحديات داخل لندن، منها ارتفاع تكلفة السكن بالنسبة للكثير من أبنائها العاديين، من حيث الشراء والاستئجار، بجانب وجود مشكلات تتعلق بعمل الشرطة. كما ترغب الشركات التجارية في وجود عمدة إلى جانبهم يشجعهم على العمل. من جانبي، أرغب في الذهاب إلى الشرق الأوسط لتشجيع أصحاب الأعمال على الاستثمار في لندن.
وأرغب في أن أصبح عمدة لندن الذي «يجذب الاستثمار» إلى العاصمة في قطاع التكنولوجيا والعقارات والصناعة خصوصا من الشرق الأوسط، ولهذا السبب أنا أدعم البقاء في الاتحاد الأوروبي، فإن عدد سكان المملكة المتحدة هو 60 مليونا، وعدد سكان الاتحاد الأوروبي هو 500 مليون، وهذا يجذب الكثير من الأعمال والاستثمار إلى بريطانيا، لذلك أرغب في فتح الأعمال التجارية في لندن كبوابة للاتحاد الأوروبي.
* اتهمك غولدسميث (مرشح حزب المحافظين) والأطراف المؤيدة له بأنك مقرب من الجماعات المتطرفة في بريطانيا، وأنت «غير صالح» لتكون عمدة لندن، ما هي ردودك على هذه الادعاءات؟
- لدينا حملة إيجابية جدا، وتسير حملة غولدسميث إلى الأسوأ، حيث يقضي كل وقته على التحدث عني. ولكن القضية التي لم تأخذها حملة غولدسميث في اعتباره أن سكان لندن يحترمون بعضهم بغض النظر عن دياناتهم أو الخلفية العرقية. وأعتقد أيضا أن سكان لندن لن يسمحوا لغولدسميث أن يقسم مجتمعهم، وأنه يحاول ذلك، وبالتالي فإن إرسال حملته منشورات إلى الجالية السيخية، تدعي فيها بأن ممتلكاتهم الخاصة (المجوهراتهم) لن تكون آمنة إذا أصبح صديق خان عمدة. وإرسالهم منشورات إلى الجالية الهندوسية تظهر صورة غولدسميث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ويرغب سكان لندن، في عمدة يوحد المدينة، لا يقسمها.. ولدي أمل أن جميع سكان لندن سيصوتون لرئيس بلدية من شأنه أن يوحدهم جميعا.
* واجهت تهديدات بالقتل من متشددين مسلمين طيلة حياتك بسبب آرائك ووجهات نظرك السائدة، فهل تزايدت منذ أن رشحت نفسك في السباق الانتخابي لتولي منصب عمدة لندن؟
- الغالبية العظمى من سكان بريطانيا المسلمين رائعون في التعامل معي، وهناك أقلية طفيفة ذات آراء متعارضة، وعندما ترشحت للبرلمان كان هناك بعض المسلمين الذين كانوا يعتقدون بحرمة التصويت في الانتخابات، وهم قلة، ولكن هناك الكثير من المسلمين الذين يدركون أهمية المشاركة في الديمقراطية وفي المجتمع. إنني رجل متفائل لأنه بمرور الوقت يمكنك تغيير آراء الأشخاص، وهناك حقيقة في الحياة أن بعض الأشخاص لن تتغير مواقفهم، ولكن ينبغي علينا التأكد من أن أولئك الذين يشاركوننا وجهات النظر لن تتغير مواقفهم أيضا.
* في ظل الأيام المتبقية حتى يوم الاقتراع (الخميس المقبل)، ما هي أولويات حملتك الانتخابية؟
- من الأهمية القصوى للأشخاص أن يذهبوا للتصويت يوم الخميس المقبل، فبعض الأشخاص يقولون لي «إنك لست في حاجة إلى صوتي فسوف تنجح»، ولكن الحقيقة أن الفوارق ضئيلة للغاية.. وعليه فإن أي صوت يفرق.
بوريس جونسون (العمدة الحالي) كان يستند إلى مقولة تقول: إن الشعب يعتقد أن رؤساء البلديات لا يمكنهم فعل الكثير، ويعتقد أن وظيفة العمدة هي إلقاء بعض النكات المازحة، وقص بعض الشرائط، والمشي على البساط الأحمر، وهو ما يمكنني فعله. ومع ذلك، يملك رؤساء البلديات الصلاحيات لفعل الكثير، حيث يمكنهم حل أزمة الإسكان، ويمكنهم ضمان وجود نظام حديث للنقل والمواصلات وفي متناول الجميع، كما يمكنهم ضمان مواصلة الاستثمارات في المدينة ومساعدة الشركات على التوسع والنمو والازدهار، والمقدرة على تحسين الأمن من خلال الشرطة، وهذا هو السبب في أهمية التصويت في الانتخابات الأسبوع المقبل.
وهناك الكثير من المواطنين في لندن من أصول شرق أوسطية يحملون الجنسية البريطانية وينبغي عليهم الذهاب للتصويت يوم الخميس المقبل.
* إذا ما نجحت في الانتخابات وتوليت منصب العمدة، فهل ستتخذ خطوات جادة من أجل قضية بقاء بريطانيا في عضوية الاتحاد الأوروبي؟
- نعم ومن دون شك، سأقضي الأسابيع الستة المتبقية بعد الانتخابات البلدية في تنظيم حملة بقاء البلاد ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي، فهناك مكاسب اجتماعية وثقافية كبيرة بالنسبة لنا من خلال بقائنا ضمن عضوية الاتحاد، كما أشار إليها الرئيس الأميركي باراك أوباما الأسبوع الماضي في لندن من أننا سنحصل على فوائد اقتصادية وأمنية من داخل التكتل الأوروبي.
هناك أكثر من نصف مليون فرصة عمل في أوروبا، ونصف صادرات لندن تذهب إلى أوروبا، وأكثر من 60 في المائة من شركات العالم تتخذ من لندن مقرا لأعمالها. وإنني أسعى لأن أكون عمدة مؤيدا لقطاع الأعمال والشركات وذلك لأنني أريد للندن أن تحافظ على ريادتها العالمية في مجال المال والأعمال ومن أجل ذلك سأقود حملة لبقاء المملكة المتحدة ضمن عضوية الاتحاد الأوروبي.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.