إيران تبدأ دفع ثمن الإرهاب.. و«الدستورية» الأميركية تلزمها بتعويض عائلات ضحايا بيروت والخبر والقدس

رفضت جهود البنك المركزي الإيراني بعدم دفع التعويضات.. والقرار يفتح الباب أمام مزيد منها

جنود أميركيون يبحثون عن ضحايا وسط أنقاض تفجيرات مركز المارينز في بيروت التي وقعت في أكتوبر 1983 (غيتي)
جنود أميركيون يبحثون عن ضحايا وسط أنقاض تفجيرات مركز المارينز في بيروت التي وقعت في أكتوبر 1983 (غيتي)
TT

إيران تبدأ دفع ثمن الإرهاب.. و«الدستورية» الأميركية تلزمها بتعويض عائلات ضحايا بيروت والخبر والقدس

جنود أميركيون يبحثون عن ضحايا وسط أنقاض تفجيرات مركز المارينز في بيروت التي وقعت في أكتوبر 1983 (غيتي)
جنود أميركيون يبحثون عن ضحايا وسط أنقاض تفجيرات مركز المارينز في بيروت التي وقعت في أكتوبر 1983 (غيتي)

أيدت المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء حكما بإلزام إيران بدفع 2.65 مليار دولار (من أموالها المجمدة في المصارف الأميركية) لضحايا الإرهاب، باعتبار أن إيران قامت برعاية وتمويل عمليات إرهابية يعود تاريخها إلى عام 1983، تتمثل في تفجير منشأة بحرية عسكرية أميركية في العاصمة اللبنانية بيروت، وضحايا هجمات أبراج الخبر في السعودية عام 1996, وضحايا حادث إرهابي وقع في القدس عام 2001.
وحكمت المحكمة العليا بأن يدفع البنك المركزي الإيراني تلك المبالغ كتعويضات لأقارب 241 من ضحايا مشاة البحرية الأميركية الذي لقوا حتفهم في هجوم إرهابي في بيروت عام 1983، ورفضت المحكمة العليا ما قدمه البنك المركزي الإيراني من دفاع ومطالبته بعدم دفع تلك التعويضات.
وأعلنت القاضية روث بادر غنسبيرغ في قرار المحكمة رفض جهود البنك المركزي الإيراني لدرء دفع تلك التعويضات. واعترض البنك المركزي بأن الكونغرس تدخل بأعمال المحاكم الاتحادية حين أصدر قانونا في عام 2012 بتحويل أصول البنك في الولايات المتحدة إلى عائلات أولئك الضحايا. وأكدت المحكمة العليا أن الكونغرس الأميركي لم يغتصب سلطة المحاكم الأميركية بعد قيام الكونغرس بتمرير قانون عام 2012 ينص على تحويل 2.65 مليار دولار من أموال إيران المجمدة إلى أسر ضحايا الهجمات الإرهابية التي تورطت فيها إيران، مؤيدا حكم محكمة اتحادية في عام 2007.
وكانت المحكمة العليا قد تناولت القضية (التي حملت اسم البنك المركزي الإيراني ضد بيترسون 770 - 14) من زاوية ما إذا كان الكونغرس قد تجاوز سلطاته بسن قانون عام 2012 ينص على تجميد أصول إيران في حساباتها لدى البنوك الأميركية لدفع تعويضات لأهالي الضحايا. وقام البنك المركزي الإيراني بالطعن على الحكم الذي أصدرته محكمة نيويورك عام 2014 لتسليم أسر ضحايا الحوادث الإرهابية مبلغ 1.75 مليار دولار من حسابات إيران بمصرف سيتي بنك في نيويورك، (ووصل المبلغ إلى 2.65 بحساب الفوائد المتراكمة).
وتفتح هذه الخطوة الباب أمام عائلات الضحايا في هجمات إرهابية أخرى، تورطت فيها إيران، للمطالبة بالتعويضات، ومن بينها عائلات هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي ربطت محكمة فيدرالية في نيويورك طهران، بتلك الأحداث وطلبت تعويضات للضحايا بأكثر من 10 مليارات دولار. ويأتي الحكم الصادر من المحكمة العليا بتأييد القانون الاتحادي الذي أصدره الكونغرس بتعويض أهالي ضحايا الإرهاب انتصارا كبيرا لأكثر من 1300 شخص من أهالي جنود البحرية الأميركية الذين قتلوا في تفجير بيروت، وانتصارا آخر لأسر ضحايا تفجير أبراج الخبر بالمملكة العربية السعودية عام 1996، بعد فشل إيران في الدفاع عن نفسها في مسؤوليتها عن التفجيرات. ومن المتوقع أن يتسلم الضحايا أموالهم من حسابات إيران المجمدة، بعد عدد من الخطوات اللوجيستية والإجرائية.
ويأتي القرار في وقت حساس في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اشتكت إيران من عدم قدرتها على استدام أموالها المجمدة في الخارج بعد توقيع صفقة الاتفاق النووي مع مجموعة الخمسة زائد واحد العام الماضي. وقضت الصفقة بوقف جوانب من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، والسماح بنفاذ طهران إلى النظام المالي العالمي، والتعامل مع المصارف والشركات المالية.
وقال تيودور أولسون محامي العائلات الأميركية: «نحن سعداء للغاية بقرار المحكمة العليا الذي سوف يحقق استجابة طال أمدها لأكثر من 1000 شخص من ضحايا الإرهاب الإيراني وعائلاتهم الذين انتظروا سنوات وسنوات ليحصلوا على العدالة والإنصاف». وأودع محامو ضحايا الإرهاب أدلة تشير إلى قيام إيران بتقديم دعم مادي لجماعة «حزب الله» الشيعية المدعومة من إيران تثبت مسؤولية إيران عن الهجوم بشاحنة ملغومة في مجمع المارينز ببيروت عام 1983 والذي قتل فيه 241 جنديا. وأدلة تثبت تورط إيران في تفجير شاحنة أبراج الخبر عام 1996 في المملكة العربية السعودية التي قتل فيها 19 جنديا أميركيا.
وكان محامو إيران والبنك المركزي الإيراني قد اعترضوا، مشيرين إلى أن الكونغرس تدخل في أعمال المحاكم الاتحادية الأميركية حين مرر قرارا بتجميد أصول البنك المركزي الإيراني داخل الولايات المتحدة لصالح عائلات ضحايا العمليات الإرهابية التي تورطت فيها إيران. وكان جيفري لامكين المحامي الذي يمثل البنك المركزي الإيراني قد استند إلى الدستور الأميركي الذي يفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مشيرا إلى أن قرارات الكونغرس قد أثرت في المحاكم الفيدرالية الأميركية، وأضاف أن الولايات المتحدة انتهكت الدستور وفصل الصلاحيات بين السلطات.
وجادل محامي البنك المركزي الإيراني أن تلك الأموال في مصرف سيتي بنك بنيويورك هي جزء من احتياطيات العملة الأجنبية لإيران، بما يجعله خارج حدود صرف تعويضات لضحايا الإرهاب. واعترض من أن الكونغرس ليس لديه السلطة لإجبار مصرف سيتي بنك على تحويل الأموال لصالح أسر ضحايا الإرهاب. وهو الأمر الذي اعترض عليه القضاة في المحكمة الدستورية العليا باستثناء اثنين هما رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، والقاضية سونيا سوتومايو.
وفي المقابل قال محامو الضحايا (الذين يمثلون ما يزيد على 1000 مطالبة بالتعويض عن الأضرار) إن من حق الكونغرس تمرير قوانين قد تؤثر في عمل المحكمة العليا في ما يتعلق بالقضايا الداخلية والعلاقات الخارجية، وقال تيودور أولسون النائب العام الأميركي السابق - والذي يمثل أكبر مجموعة من الضحايا - «إن الكونغرس أصدر القانون ووافق عليه الرئيس وأدى لتجميد الأصول الإيرانية، وهو يظهر قوة عمل الرئيس والكونغرس معا».
وجاء حكم المحكمة العليا بتصويت 6 مقابل اعتراض 2، وأصدرت القاضية روث باد غينسبورغ الحكم وأيدت الإجراءات التي اتخذها الكونغرس الأميركي لتمكين الضحايا والناجين من العمل الإرهابي من الوصول إلى 2 مليار دولار من الأصول والأموال التي تملكها إيران وتم تجميدها في البنوك الأميركية.
وقالت القاضية إن الإجراءات والقانون الذي مرره الكونغرس لتمكين الضحايا من الحصول على تعويضات من إيران، لم يفرض على المحكمة العليا أي توجه، مثلما ادعى محامو إيران أثناء نظر القضية. وقالت المحكمة في حكمها الصادر في 24 صفحة إن الدستور الأميركي يعطي الرئيس والكونغرس صلاحيات واسعة لإدارة السياسة الخارجية، وأن مطالبة حكومة أجنبية والتحكم في الممتلكات المملوكة للحكومة الأجنبية داخل الولايات بسبب مطالبات تعويضات ليس بدعة». وقد قادت ديبورا بيترسون حملة المطالبة بتعويضات من إيران، وهي شقيقة العريف جيمس كينبل الذي قتل في الحادث الإرهابي في بيروت. واستمرت المطالبات القانونية بتعويض أسر 241 من الجنود الذين لقوا حتفهم قد استمرت لأكثر من 15 عاما.
وعادت القضية مرة أخرى للظهور مع قضايا تعويضات أخرى من أسر ضحايا 11 سبتمبر، وقضايا تعويضات تتهم إيران بالضلوع في تفجير عام 1996 لأبراج الخبر في السعودية، التي قتل فيها 19 جنديا، وقضية تعويض أخرى لتفجير انتحاري في مطعم في القدس أدى لوفاة امرأة و14 شخصا آخرين عام 2001، لكن بقي تفجير بيروت هو القضية الأساسية في سلسلة قضايا التعويضات.
وقام الكونغرس خلال العشرين عاما الماضية بالدفع بمشروعات قوانين لتسهيل رفع دعاوى قضائية من قبل أسر ضحايا الأعمال الإرهابية ضد الدولة التي قامت برعاية الإرهاب وتمويله، وساند الديمقراطيون والجمهوريون المحافظون في الكونغرس، فضلا عن إدارة أوباما أسر الضحايا في رفع تلك الدعاوى القضائية. وحكمت المحاكم الاتحادية لصالح الضحايا لكن إيران رفضت الامتثال لأحكام المحاكم الاتحادية.
وكانت «الشرق الأوسط»، كشفت بالأدلة والوثائق التي تم تقديمها إلى محكمة نيويورك الفيدرالية، تثبت تورط إيران، في تقديم المساعدة، في تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وكانت وراء حكم القاضي جورج دانيلز في مارس (آذار) الماضي تغريم طهران بـ10,7 مليار دولار، تعويضا لعائلات الضحايا، إضافة إلى الفائدة على التعويض عن فترة ما قبل صدور الحكم، والتي تقدر بـ9 في المائة سنويا، ليتجاوز التعويض مبلغ 21 مليار دولار.
وأدرج قاضي محكمة نيويورك الجزئية جورج دانيلز، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، شخصيًا وما يسمى «حزب الله» اللبناني كمتهمين ثانٍ وثالث بعد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، في تخطيط هجمات 11 سبتمبر 2001 وتمويلها وتنفيذها في الولايات المتحدة. ويقول القاضي في تقريره الذي استند إليه حكمه بإدانة النظام الإيراني وما يسمى «حزب الله» بالتعاون مع تنظيم القاعدة في تنفيذ وتخطيط وتمويل هجمات سبتمبر «إن المدعين قدموا أدلة مقنعة إلى المحكمة تفيد بأن إيران قدمت الدعم المادي والموارد لتنظيم القاعدة لأعمال الإرهاب، بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء من ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001». وأضاف تقرير المحكمة، أن الدعم المادي والموارد التي قدمت لـ«القاعدة» كانا من قبل مختلف المسؤولين الإيرانيين، من بينهم، ولكن ليس على سبيل الحصر، المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي ومرؤوسوه. وقال مصدر قضائي رفيع للصحيفة: «إن الحكومة الأميركية لديها تأكيد شامل على الصلة بين إيران و«القاعدة» قبل وبعد 11 سبتمبر ، من أهمها وثائق وكالة الأمن القومي».
وكانت «الشرق الأوسط» على حصلت وثائق حصرية، استند إليها فريق الادعاء لصالح أسر ضحايا 11 سبتمبر ضد حكومة طهران وما يسمى «حزب الله» اللبناني وتنظيم القاعدة، وكلها نقاط أساسية في القضية. كما عرضت «الشرق الأوسط» شهادة وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) في القضية المعروفة باسم «هافليش»، والتي رفعها عدد من ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر وشركات التأمين الخاصة. و«هافليش» هي أرملة أحد الضحايا الذين لقوا حتفهم في البرج التجاري الشمالي وأول مدعية بالقضية. وأكدت شهادة مسؤولين بوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) أن الحكومة الإيرانية قدمت مساعدات مادية إلى تنظيم القاعدة في هجمات 11 سبتمبر 2001.
ووفقا لمصدر قضائي «فإن الشهادة المرفوعة ضد إيران، تتهم ستة من الأفراد والجهات المستهدفين بالمقاضاة وهم: آية الله على خامنئي، ووزير الاستخبارات والأمن علي فلاحيان، ونائب قائد الحرس الثوري الإيراني، العميد محمد باقر ذو القدر. إضافة إلى ثلاث جهات وهي: وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، والحرس الثوري الإيراني، وجناحه فيلق القدس». وفي وقت سابق أكد مصدر قضائي رفيع لـ«الشرق الأوسط» «أن العلم بوجود صلة بين إيران وتنظيم القاعدة، في ما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر ، والسنوات الطويلة التي تلتها من العمليات الإرهابية - كان يتجاوز الولايات المتحدة». وأضاف المصدر القضائي الذي طلب عدم الكشف عن اسمه «أكد قضاة ومسؤولون استخباراتيون وغيرهم من المسؤولين الحكوميين والصحافيين في إسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة وغيرها النتائج الأميركية حول العلاقة الإرهابية. وفي بعض الحالات، كانت الحكومة الإيرانية نفسها وأسامة بن لادن هم مصادرهم للمعلومات».
وأبان اثنان من أبرز عملاء الاستخبارات الأميركية السريين في قضية «هافليش» في شهادتهما أمام قاضي محكمة نيويورك تفاصيل إضافية حول عمق التعاون بين تنظيم القاعدة وإيران وما يسمى «حزب الله» في الفترة السابقة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، والفترة التالية لها ومن أهمها: أكدت مجموعة من التصريحات المتضمنة في الدليل أنه في الشهور السابقة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان عملاء «حزب الله» قد رسخوا أقدامهم في مجال تجارة الماس الأفريقي بالغرب وكانوا يعملون كوسطاء لتقديم المشترين من تنظيم القاعدة إلى تجار الماس في مونروفيا بليبريا وغيرها من الأماكن. ومن الملاحظ أنه في الشهور السابقة على الهجمات وتحديدا في عام 2000، ذهب عناصر تنظيم القاعدة في حملة شراء محمومة للماس في مونروفيا بليبريا. وفي المحصلة، اشترى عناصر القاعدة ما يعادل 20 مليون دولار من الماس من جماعة متمردي سيراليون «الجبهة الثورية المتحدة». واستمرت مساعي تنظيم القاعدة المحمومة لتحويل أموالهم إلى بضائع لا يمكن تتبعها مثل الماس حتى عشية هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، حيث تزعم تقارير بوجود سجلات للمكالمات الهاتفية ترصد مكالمات بين الوسطاء «الشيعة» - مما يسمى «حزب الله» - والأفغان حتى 10 سبتمبر 2001. وعلى نحو متصل، تؤكد الشهادة أن تنظيم القاعدة استخدم شبكة تهريب الماس بين الغرب وأفريقيا التابعة لـ«حزب الله» لممارسة أنشطته. وتم تحديد اثنين من اللبنانيين التابعين لـ«حزب الله» – تاجر ماس لبناني يدعى عزيز نصور وابن عمه الذي يدعى سامح العسيلي – باعتبارهم همزة الوصل بين تنظيم القاعدة وشركة في بلجيكا تتاجر في الماس. وهناك دليل على أن بعض الأموال التي تم الحصول عليها من تجارة الماس استخدمت لشراء الذخيرة المستخدمة في العمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة.
وقبل عدة أيام من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، تم اغتيال أحمد شاه مسعود، القائد العسكري الأعلى للتحالف الشمالي في أفغانستان على يد عناصر تنظيم القاعدة بأوامر من أسامة بن لادن. وكان مسعود أحد الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة.
وأكد الشاهدان الرئيسيان من الاستخبارات الأميركية في قضية «هافليش» أن إيران قدمت المساعدة لأسامة بن لادن في عملية اغتيال مسعود. وزعما أن السفارة الإيرانية في بروكسل ببلجيكا ساعدت عنصري تنظيم القاعدة التونسيين الذين شاركا في عملية الاغتيال على الحصول على جوازات سفر بلجيكية مزورة وغيرها من الوثائق التي استخدموها لدخول الجزء الشمالي من أفغانستان بزعم أنهم صحافيون يرغبون في إجراء حوار مع مسعود. وتوجد مزاعم بأن الإيرانيين أرسلا الرجلين للحصول على الكاميرا التي تم استخدامها في عملية الاغتيال والتي سرقت من صحافي فرنسي وتم إخفاء المتفجرات المستخدمة في عمليات الاغتيال بداخلها.
يزعم شاهدا الاستخبارات الأميركية في شهادتهم أن سيف العدل، أحد قيادات تنظيم القاعدة الذي يعمل من داخل إيران، هو من أمر بشن الهجمات على الولايات المتحدة في الرياض بالمملكة العربية السعودية في 2003. كما يزعمان بأن رصد المكالمات الهاتفية يشير إلى سيف العدل باعتباره أحد المشتبه بهم في تفجيرات مجمع الرياض بالمملكة العربية السعودية، وإلى أن هذه الهجمات كانت تدار من داخل إيران.



الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.